قصص وروايات

الاكل مالح

​سكتت كام ثانية.. صوابعها مشيت بالراحة على الريموت..

وبعدين قالت بصوت هادي يائس:

​”برضه.. مالح حبتين.”

في اللحظة دي.. ما نطقتش ولا كلمة.

​ومصطفى سكت هو كمان.

دخلت المطبخ بهدوء ​مصطفى وقف جنب الحوض يبصلي:

​”ولاء.. بلاش تكتمي في نفسك كده.”

​أنا شغالة أخرط كوسة بشرائح رفيعة منتظمة:

​”أنا مش كاتمة ولا حاجة.”

​بص للسك\ينة اللي في إيدي:

​”انتي بتدبي السكي\نة في الخشب أشد من العادة.”

​إيدي اتجمدت.. بصيت لشرايح الكوسة المرصوصة، وابتسامة مكسورة ظهرت على وشي.

مش ضحك.. ده كان غُلب!

​أنا اتربيت عند تيتا الله يرحمها.. وكانت دايماً تقول كلمة زمان:

​”عارفة أكتر حاجة تتعب الست اللي واقفه في المطبخ ايه ؟ مش المجهود ولا الوقفة.. تتعب لما تلاقي كل اللي بتعمله على الفاضي”

​زمان ما كنتش بفهم الكلمة دي.. دلوقتي بس فهمتها صح.

​أنا عمر ما كان نفسي حماتي تقولي “الله يا ست البنات يا شاطرة”.. ولا مستنية شهادة تقدير.

كل اللي كان نفسي فيه إنها الظهرية وهي قاعدة لوحدها، تأكل لقمة بفتحة نفس وتتبسط..

​بس كلمة واحدة كانت هتفرحني:

​”النهاردة مظبوط يا ولاء.”

مصطفى قرب مني وقال بصوت واطي:

​”طب إيه رأيك أتكلم معاها بكرة؟”

​هزيت رأسي بسرعة:

​”لا.. بلاش.”

​استغرب: “ليه؟”

​”طنط نيّتها مش وحشة والله.. هي مش تقصد تزعلني.”

​​تنهد مصطفى وقال: “طب ناوية تعملي إيه؟”

​حطيت الكوسة في الطبق وقلت:

​”بكرة هجرب آخر محاولة.”

​”إزاي يعني؟”

​بصيت لبطرمان الملح وقلت بجمود:

​”مش هحط ملح خالص.”

​اتصدم: “ولا نقطة؟”

​”ولا نقطة.. الملح هيدخل الدولاب ويتقفل عليه. ولا صويا، ولا مرقة، ولا أي توابل فيها صوديوم.”

​مصطفى حواجبة اتعقدت: “طب وده هيتأكل إزاي؟!”

​”خضار مسلوق بمية بيضا.. بيض مسلوق عادم.. وطبق فول من غير نقطة ملح ولا طحينة.”

​بصيت له في عينه وقلت:

​”لو بعد كل ده وقالت حادق… يبقى السر مش في الأكل يا مصطفى!”

​​مصطفى بصلي فترة طويلة، وبعدين هز رأسه وقال:

​”أنا معاكي في اللي تشوفيه.”

​​في الليلة دي، عملنا أبرد وأعُدم غدا اتعمل في البيت ده من يوم ما اتجوزنا مفيهوش نقطة ملح

​حطينا العلب في التلاجة.. وبصيت لهم، الأكل كان طعمه يسد النفس من كتر ما هو عادم!

ولما رجعنا بالليل جرينا عليها انا وجوزي بحماس وسالناها عن الأكل

ها يا حببتي ايه اخبار الاكل النهارده

اتنهدت بتعب وحزن وقالت…..برضه مالح حبتين يا بنتي”.

انا و​جوزي بصينا لبعض بذهول ووقتها بس جوزي قرر يفتح كاميرات المراقبة اللي في البيت عشان يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. وأول ما شفنا اللي حصل الظهرية في التسجيل.. ما قدرتش أمسك دموعي!!!!!

فتحت شاشة اللاب توب، ومصطفى جنب إيده بترتع وهو بيمشي شريط التسجيل لورا. الكاميرا الصغيرة اللي حاطينها في الصالة فوق التلفزيون كانت جايبة المطبخ وجزء من السفرة. الساعات مرت بسرعة متجمعة لحد ما الساعة جت 1:30 الظهر.

ظهرت طنط وهي طالعة من أوضتها، خطوتها بطيئة ومحنية، مش خطوة حد رايح يفتح نفسه على الغدا. مشيت ناحية المطبخ، فتحت التلاجة، وطلعت علبة الأكل العادم اللي أنا تعبت فيه طول الليل.

سخنت الأكل في الميكرويف، وقعدت على السفرة لوحدها. الهدوء في البيت كان يرعب، مفيش غير صوت الميكرويف وهو بيصفر. حطت أول معلقة في بقها.. وقفت إيدها في الهواء. وشها انكمش بشكل يقطع القلب، مش عشان الأكل عادم، لا.. كانت بتاكل وهي بتبص للكرسي الفاضي اللي قصادها، والكرسي اللي جنبه.

فجأة، طنط سابت المعلقة، وقامت وقفت بالراحة. مشيت ناحية الدولاب الصغير اللي في الصالة، فتحت الدرج الفوقاني، وطلعت منه حاجة غريبة.. علبة ملح صغيرة خالص، حاطاها ومستخبية ورا أوراق قديمة!

أنا ومصطفى اتسمرنا مكاننا. مصطفى بصلي بذهول، وأنا مش فاهمة حاجة.. هي الملاية دي هي اللي بتحط الملح بنفسها؟!

التسجيل كمل.. طنط أخدت علبة الملح وقعدت تاني على السفرة. فتحت العلبة، ورشت منها رشات كتيييير جداً فوق الأكل! رشات بغشم لا يمكن عقل يتخيله، كأنها بتغطي وش العلبة كله بلون أبيض. وبعدين مسكت المعلقة، وبدأت تاكل الأكل اللي بقوا عبارة عن كتلة ملح صافي، وهي بتعيط.. دموعها نازلة نازلة بسكات من غير أي صوت!

بقت تاكل وتعيط، وتحط معلقة ورى معلقة، ودموعها تنزل تقع جوه الطبق تزيد الملح ملح!

أنا غطيت وشي بإيدي ودموعي نزلت، ومصطفى بقى يبص للشاشة وهو مش مصدق عينيه. طنط خلصت الأكل بالعافية، وقامت غسلت العلبة، ورجعت علبة الملح مكانها في الدرج ورا الأوراق، ورجعت قعدت في الصالة تتفرج على التلفزيون المطفي، مستنية ساعتنا لما ترجع.

مصطفى قفل اللاب توب بإيد ترتع، وبصلي وصوته مخنوق بالدموع: “ولاء.. أمي بتعمل كده ليه؟! هي بتنتحر بالملح؟! هي عارفة إن الملح خطر على ضغطها!”

ما قدرتش أرد، كنت بحاول أجمع أفكاري.. الست اللي غرقانة في وحدتها طول اليوم، الست اللي بتقعد 12 ساعة بين أربع حيطان مستنية كلمة أو حس في البيت.. ليه تحط ملح بإيدها وترجع تقولنا الأكل مالح؟

مصطفى قام وقف بعصبية وجاهز يخرج يواجهها، مسكت إيده بسرعة وهزيت رأسي بالنفي: “بلاش يا مصطفى.. بلاش تصدمها باللي شفناه، الست دي وراها حاجة تانية خالص، المشكلة مش في الضغط ولا في الملح.. المشكلة أعمق من كده بكثير.”

مسكت إيد مصطفى بقوة وأنا بهز رأسي ودموعي على خدي: “لو خرجت لها دلوقت وسألتها، هتتحرج وتتحسر يا مصطفى.. الست اللي تمشي وتخبي علبة ملح في أخر الدرج وتعيط وهي بتاكل، مش بتعمل كده رخامة ولا نكد.. طنط موجوعة من حاجة إحنا مش فاهمينها.”

مصطفى قعد على طرف السرير، حاطط وشه بين إيديه ورجليه بترتع من الصدمة: “طب ليه يا ولاء؟! ليه تدمر صحتها بكتلة الملح دي؟ وليه تشتكي لك وتخليكي تشكي في نفسك وفي نظافتك وفي شطارتك؟ ده أنا كنت خلاص هعديها على دكتور مخ وأعصاب أفتكرت عندها خرف ولا حاسة التذوق باظت!”

قلت له بصوت واطي ومحروق: “تعالى نرجع التسجيل شوية لورا.. من قبل ما تفتح علبة الملح. بص على عينيها كويس.”

شغلنا التسجيل تاني، وركزنا في الثواني اللي سبقت الحركة دي..

طنط قعدت على السفرة، فتحت علبة الأكل العادم، أخدت المعلقة الأولى.. طعم الأكل كان خالي تماماً من الملح، بس هي ما كانتش بتبص للطبق. كانت بتبص على باب الشقة.. وبعدين بصت للساعة اللي معلقة على الحيطة، كانت 1:40 الظهر. السكوت في الشقة كان مرعب، صوت التكتكة بتاعة عقرب الثواني طالع في التسجيل من كتر الهدوء.

طنط حطت المعلقة من إيدها بالراحة، ومسحت حافة الترابيزة بإيدها كأنها بتدور على أي حاجة تشغلها. الشقة واسعة، مصر الجديدة والتجمع، حيطان نضيفة وديكورات هادية.. بس فاضية. فاضية تماماً.

فجأة، طنط قالت بصوت واطي جداً يادوب الكاميرا لقطته:

*”الله يسامحك يا كمال.. سيبتني لوحدي بدري أوي.”*

عم كمال الله يرحمه.. جوزها اللي متوفي من خمس سنين.

وبعد الكلمة دي مباشرة، قامت جابت علبة الملح..

أنا ومصطفى بصينا لبعض، والفكرة ضربت في دماغي زي !

بصيت لمصطفى وقلت له: “أنا فهمت يا مصطفى.. فهمت السر.”

مصطفى بصلي باستغراب ولهفة: “فهمتي إيه؟ الملح إيه علاقته بأبويا الله يرحمه؟!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى