قصص وروايات

الاكل مالح

الست دي مكنتش بتنتحر بالملح بس، ولا كانت بتتحسر على عم كمال وبس.. طنط كانت بتصارع عشان تحس إن ليها “دور”! كانت حاسة إنها بقت قطعة ديكور في شقة مودرن في التجمع.. أكلها بيجي لحد عندها، شقتها بتتغسل، غسيلها بيتلم، بس هي “ملهاش لازمة”!

مسحت دموعي بسرعة لما سمعت صوت خطوات مصطفى قربت من باب الأوضة.

فتحت الباب بالراحة قبل ما يخبط، وبصتله بعيون أحمرت من العياط.

مصطفى اتخض لما شاف وشي، وسحبني جوه الأوضة وقفل الباب: “ولاء! في إيه؟ انتي بتعيطي ليه كده؟ أمي حصلها حاجة؟!”

مديت إيدي واديتله الأجندة والصور، وقلتله بصوت مخنوق: “اقرأ يا مصطفى.. اقرأ السر الحقيقي اللي كان استخبي جوه علبة الملح.”

أخذ مصطفى الأجندة من إيدي وأصابعه بترتع. فتح الصفحات وبدأ يقرأ بخط أمه المرتعش، وسط سكون تام في الأوضة، مفيش غير صوت تقليب الورق وشهقات حبسها في حنكه بالعافية. كل ما ينزل بسطر، وشه يصفار ودموعه تنزل على الصفحات الجلد القديمة.

لما وصل للسطر الأخير—السطر اللي كتبت فيه إنها بتقول “الأكل مالح” عشان بس تخليهم يتلموا حواليها ويتكلموا معاها—نهار مصطفى تماماً. قعد على الأرض وسند رأسه على السرير، وغطى وشه بالإيدين وهو بيعيط بصوت مكتوم يوجع القلب:

“أنا ظلمتها يا ولاء.. كنت فاكر إن الديكورات والشقة الواسعة في التجمع والأكل الجاهز في العلب هو ده الإكرام! أنا عملت فيها زي اللي جاب طير وقطع أجنحته وحطه في قفص دهب!”

قعدت جنبه على الأرض ومسكت إيده:

“اهدأ يا مصطفى.. الحمد لله إن ربنا كشف لنا المستور قبل ما يفوت الأوان. المهم دلوقتي مش إننا نندم، المهم نعمل إيه من بكرة.”

رفع رأسه وبصلي بعيون حمراء:

“نعمل إيه؟ أنا مستعد أسيب الشغل ده كليته وأرجع أعيش معاها في السيدة زينب لو ده هيرجع لها روحها!”

رديت بثبات وهدوء:

“لا يا مصطفى، مش هنرجع ورا، بس هننقل ‘روح’ السيدة زينب هنا في التجمع. طنط مشكلتها مش في المكان، مشكلتها إنها حاسة إنها كبرت وخلاص دورها انتهى في الحياة وبقت عالة مستنية يومها. طنط محتاجة ‘مسؤولية’.. محتاجة تحس إن البيت ده ميمشيش من غيرها، وإننا ما نعرفش نعيش ولا نأكل من غير بركتها وتوجيهها.”

قفلنا الأجندة بالراحة، ورجعتها بنفسي في الدرج ورا الأوراق زي ما كانت، عشان ما تحسش بأي لحظة إن سرها اتعرف أو إن كرامتها اتخدشت.

تاني يوم الصبح، كانت بداية خطة جديدة خالص..

أنا ومصطفى اتفقنا إننا نلغي نظام “العلب والميكرويف” ده تماماً وللأبد.

الساعة جات 8 الصبح، وطنط كانت قاعدة في الصالة بتشرب الشاي باللبن بهدوء. دخلت عليها وأنا شايلة أجندة فاضية جديدة وقلم، وقعدت تحت رجلها على السجادة:

“طنط.. أنا محتاجة مساعدتك في موضوع حياة أو موت!”

رفعت حواجبها باستغراب وابتسمت:

“خير يا ولاء يا بنتي؟ خير يا حبيبتي؟”

فتحت الأجندة الفاضية وقلت لها بجدية شديدة:

“أنا ومصطفى اكتشفنا إن أكل الشارع والمطاعم ده مالوش أي قيمة، وأنا طبيخي بصراحة أكل شركات ومستشفيات مالوش طعم! مصطفى كل يوم يقولي أكل أمي كان له نفس تاني خالص.. وأنا قررت من النهاردة أتعلم منك كل أسرار الأكل بتاع زمان. هكتب وراكي ‘موسوعة أكل طنط سعاد’!”

عينين طنط اتفتحت على آخرها، وبريق فرحة غريب لمع فيهم:

“بجد يا ولاء؟ انتي عايزة تتعلمي مني أنا؟”

“طبعاً يا طنط! من النهاردة انتي الشيف الرئيسي بتاع البيت ده، وأنا ومصطفى المساعدين بتوعك. انتي اللي هتقولي نطبخ إيه بكرة، وانتي اللي هتحطي التوابل والملح بإيديكي، وحتة العزومات والجيران دي عليا أنا!”

في نفس اليوم بالليل، مصطفى رجع من الشغل بدرجة حرارة مختلفة.. ما دخلش يغير هدومه ويرمي جثته على السرير زي كل يوم. دخل ومسك إيد أمه وقالها:

“يا أمي.. الشقة هنا كبيرة وفاضية، وأنا اتفقت مع جيرانا في العمارة إننا هنعمل كل جمعة لمة صغيرة نوزع فيها وجبات على عمال الدليفري وأفراد الأمن بتوع الشارع.. بس قلت لولاء محدش هيعرف يظبط اللمة دي ولا يطبخ أكل يفتح النفس غيرك انتي.”

طنط وقفت على حيلها، وكأن السنين طارت من على كتفها في ثانية! وشه ردت فيه الروح، وقالت بحماس بصوت مليان قوة:

“بس كده؟! ده أنا أعملكم أحلى حواوشي وطواجن وياخدوا أكل يفتكرونا بيه طول عمرهم! هاتول ورقة وقلم نكتب الطلبات من دلوقتي!”

عدت الأيام، والمطبخ اتحول لخلية نحل. طنط بقت تصحى الصبح ليها هدف.. ليها شغلانة، بتجهز التسوق، بتشرف على الملح والتوابل، وبتعلمني أزاي أظبط المعيار بـ”البركة” مش بالجرامات الرقمية اللي كنت بوزن بيها!

وفي يوم الجمعة.. كانت العمارة كلها سامعة صوت الراديو والأغاني الطالعة من شقتنا، وصينية البطاطس باللحمة المسبكة محطوطة على السفرة.

قعدنا ناكل كلنا سوا، ومصطفى أخد أول معلقة، وبص لأمه وابتسم، وبعدين بصلي..

طنط أخدت معلقة، وغمضت عينها بتلذذ، وبعدين حطت المعلقة بالراحة وبصتلي أنا ومصطفى وقالت…

حطت طنط المعلقة بالراحة على طرف الطبق، وبصتلنا إحنا الاثنين بعيون مليانة دموع.. بس المرة دي ما كانتش دموع وحدة ولا حسرة. كانت دموع لقت طريقها لراحة البال.

ابتسمت ابتسامة دافية وقالت بصوت هادي كأنه نغمة حلوة:

“الأكل النهاردة.. فيه طعم الفرحة يا بنتي. سُكر خالص ويسلم إيديكي وإيد مصطفى.”

مصطفى ضحك بصوت عالٍ ومسك إيدها باسها بعنف، وأنا حسيت بروح جديدة خالص بتتنفس جوه البيت. خلاص.. السر اللي كان مدفون ورا علبة الملح في الدرج بقى جزء من الماضي. طنط ما بقتش محتاجة تقول “الأكل مالح” عشان تجذب انتباهنا، لأن انتباهنا وحياتنا بقى معجون بحضورها وجودها معانا.

الأيام مرت، والتجمع اللي كنا شايفينه صحرا وهدوء يقتل النفس، بقى بفضل طنط مليان حيوية.

جيران العمارة بقوا يعدوا علينا بالليل يسلموا على طنط سعاد وياخدوا منها وصفات الطرش والمخلل، وأنا بقيت أرجع من شغلي أونلاين ألاقيها مستنياني بقض\ية الشاي بالنعناع ونقعد نحكي بالساعات عن أيام زمان وناس زمان.

لكن.. زي ما أي عيلة بتعدي بحظوظ وأيام مختلفة، كان فيه اختبار جديد مستنينا، اختبار هيثبت إن اللمة اللي اتعملت دي مكنتش مجرد شو ولا تمثيلية.

في يوم أربع، مصطفى رجع من الشركة بدري عن معاده بكتير. أول ما فتح الباب، وشّه كان أصفر وشكله متوتر جداً. سحبني على أوضة النوم بالراحه عشان طنط ما تحسش بأي حاجة.

قفل الباب وبصلي بقلق: “ولاء.. الشركة اللي شغال فيها بتقفل فرع مصر، وهيتسرح أسبوع من الموظفين، وأنا من ضمنهم.”

اتصدمت وقفت مكاني مش عارفة أقول إيه! المصاريف، وأقساط الشقة، ومصاريف البيت.. كل ده وقف فجأة في ثانية واحدة!

مصطفى حط إيده على وشه وقعد على السرير: “أنا مش عارف أقول لأمي إزاي.. خايف تزعل أو تحس إنها عبء علينا في الظروف دي، وممكن ترجع تنطوي تاني وتفتكر إننا متكدرين منها!”

قلت له بثبات ومسكت إيده: “أهم حاجة طنط ما تحسش إن البيت فيه أزمة تكسرنا. إحنا بقينا عيلة متماسكة بجد يا مصطفى، مش مجرد ناس عايشة تحت سقف واحد.”

خرجنا من الأوضة بنحاول نبتسم ونداري التوتر.. بس الستات الكبار اللي عاشوا وشافوا الدنيا، عينيهم بتشوف اللي ورا القلوب.

طنط سعاد كانت قاعدة بتتفرج على التلفزيون، وبصت لمصطفى أول ما خرج، وقفت بالراحة وجت ناحيته. حطت إيدها الدافية على خده وقالت بمنتهى الهدوء والتلقائية:

“خير يا مصطفى يا بني؟ الشغل فيه حاجة يا حبيبي؟”

مصطفى بلع ريقه ومسح وشّه وبحاول يضحك: “لا يا أمي.. مفيش حاجة، شوية ظروف كده في الشركة وهتعدي.”

طنط ابتسمت ابتسامة هادية كلها ثقة وبركة، ومسكت إيد مصطفى وإيدي وحطتهم في بعض وقالت كلام غيّر كل حساباتنا:

“يا بني.. أنا عشت مع أبوك كمال أزمات أشد من دي بكثير، وكنا بنعديها باللقمة الهنية والرضا. الشدة بتيجي عشان تعرفنا قيمة بعض، طول ما البيت فيه حُب ولقمة حلال بنتقاسمها سوا، مفيش حاجة في الدنيا تقدر تكسرنا.”

وبعدين كملت وهي بتبصلي ببريق قوة:

“ومن بكرة.. المطبخ ده هيتحول للمشروع بتاعنا إحنا التلاتة! نعمل أكل بيتي للموظفين وللشركات اللي جنبك في القرية الذكية والتجمع، والأكل اللي هنعمله بطعم زمان هيجيب رزقه ورزق البيت كله وزيادة!”

أنا ومصطفى بصينا لبعض بذهول وأمل جدد في قلوبنا! الست اللي كانت من كام شهر بتدبل وتدمر صحتها بعلبة ملح في الهدوء، بقت هي العمود الفقري والقوة اللي بتسندنا وقت الشدة.

كلام طنط سعاد نزل على قلوبنا زي المطر الدافئ في أشد أيام الجفاف. الخوف اللي كان مالك مصطفى اتبدد في ثانية، وحسيت إن الست دي ربنا جعلها مصدر البركة والقوة اللي هتعدينا من الأزمة دي.

ومن تاني يوم الصبح، البيت اتقلب لخلية نحل بجد!

أنا أخدت إجازة بدون مرتب من شغلي، وقعدت مع مصطفى وظبطنا صفحة على الفيس بوك باسم *”أكل سعاد.. طعم زمان”*. مصطفى استغل خبرته في البرمجيات والتسويق، وأنا عملت التصاميم وشكل العلب والتغليف, وطنط سعاد كانت هي “المايسترو” في المطبخ؛ واقفة على البوتاجاز بكل شموخ، بتوجهنا ونشتغل تحت إيدها.

بقينا نمر بـ مراحل تجهيز العزومات والطلبات الكبيرة..

أنا ومصطفى ننزل من الفجر نشتري الخضار واللحوم النظيفة، ونرجع نلاقي طنط محضرة التوابل والحلل. صوت القرآن شغال من الراديو، ريحة الثوم والبصل والبهارات مالية الشقة، وضحكاتنا مع كركبة الصحون مرجعة للبيت حيوية كأننا عايشين في قلب حارة شعبية مليانة دفا.

أول أسبوع، أصحاب مصطفى في شركته القديمة طلبوا غدا لـ 20 موظف. طنط عملت لهم طواجن بامية باللحمة الضاني، وصواني مسقعة بالبشاميل، ورز بشعرية.

الطلبات وصلت، وبعد ساعتين بس.. التليفون ما بطلش رن!

ناس بتتصل تشكر، وشركات تانية بتطلب اشتراكات شهرية للغدا! الأكل مش بس كان طعمه حلو، ده كان فيه “نَفَس” بيتي وروح نفتقدها في أكل المطاعم والشارع.

مصطفى بقى هو اللي بياخد العربيات ويطلع يوزع الطلبات وهو طاير من الفرحة. الدخل اللي بدأ يدخل البيت من مشروع “طعم زمان” بقى أكتر من مرتب مصطفى في الشركة القديمة بكتير!

وفي ليلة من الليالي، بعد ما خلصنا تجهيز طلبات اليوم اللي بعده، قعدنا إحنا التلاتة في الصالة بنشرب الشاي بالنعناع.

طنط سعاد كانت مسندة ظهرها على الكنبة، وشها منور ومبتسمة ابتسامة رضا صافية.

بصت لمصطفى وقالتله: “شفت يا بني؟ ربنا لما بياخد حاجة، بيبقى شايل أضعافها.. المهم نكون إيد واحدة.”

وبعدين التفتت ليّ، ومسكت إيدي بالراحة، وبصت في عيني بتركيز غريب.. بصة فيها دفء وامتنان، وكأنها بتقول كلام كتير مش قادر لسانها ينطقه.

فجأة، طنط قامت وقفت بالراحة، ومشيت ناحية الدولاب الصغير اللي في الصالة.. نفس الدرج اللي كان فيه علبة الملح والأجندة القديمة.

أنا ومصطفى حبسنا أنفاسنا وبصينا لبعض بلهفة!

فتحت طنط الدرج، ومدت إيدها لجوه خالص… وأخرجت علبة الملح الصغيره اللي كانت مستخبية!

مسكت العلبة في إيدها، وبصت لها ثواني وهي بتتنهد بحنان، وبعدين مشيت ناحيتنا بخطوة ثابتة…

مشيت طنط سعاد ناحيتنا بخطوات هادية وثابتة، وحطت علبة الملح الصغيره على الترابيزة في وسط الصالة قدامنا، وابتسمت ابتسامة هادية جداً مليانة دفا وذكاء.

بصت لمصطفى، وبعدين بصتلي في عيني، وقالت بصوت دافي ومبحوح من التأثر:

“أنا عارفة إنكم عرفتم يا أولادي.. وعارفة إنكم شفتم التسجيل، وقريتم الأجندة القديمة.”

أنا ومصطفى اتسمرنا مكاننا، ودموعنا نزلت في ثانية! مصطفى مسك إيد أمه وباسها بلهفة: “يا أمي.. إحنا أسفين، إحنا اللي قصرنا في حقك وخليناكي تحسي بالوحدة والوجع ده كله.”

طبطبت طنط على رأس مصطفى وحضنتني بإيدها التانية وقالت:

“ما تتأسفوش يا حبايب قلبي.. أنتم ما قصرتوش، أنتم كنتم فاكرين إن الراحة في السكون والشقة النضيفة. بس الست الكبيرة يا بنتي لما بتكبر، مش بتبقى محتاجة يرتاح جسمها على أد ما محتاجة يحس قلبها إن ليها لازمة.. إن دورها في الدنيا مخلصش، وإن ليها قيمة و’حِس’ في البيت.”

وبعدين مسكت علبة الملح من على الترابيزة، وفتحت الشباك بالراحة، ورمت الملح منها، وبصت للبيت وهو مليان بريحة الأكل والضحكة واللمة وقالت:

“خلاص.. الملح ده كان الاستغاثة بتاعتي يوم ما كنت خايفة أكون نسيان على الرف. دلوقتي أنا مش محتاجة أقول ‘الأكل مالح’ عشان تتلموا حواليا.. أنتم بقيتم حوليّ بقلوبكم وبحبكم، والأكل بقى مظبوط بالسُّكر والرضا.”

ضمينا بعض إحنا التلاتة في لحظة حب صافية، وحسيت إن البيت بقى أخيرًا مليان روح حقيقية.. روح ما بتتمحيش.

##  الحكمة من القصة:

البارّ بأهله مش بس اللي بياكلهم ويشربهم ويحطهم في أحسن البيوت.. **البرّ الحقيقي هو إنك تحسس كبار السن إنهم لسه “سند وبركة”، ومش مجرد ضيوف مستنيين نهاية العمر.**

الكبار في السن ما بيقتلهمش المرض ولا التعب.. **بيقتلهم الشعور بـ “قلة الحيلة” والتهميش والوحدة.**

اسمعوهم، شاركوهم تفاصيل حياتكم، خلوهم يحسوا إن رأيهم ولئمتهم ودعواتهم هي اللي ماشية البيت.. عشان اللقمة لما تتاكل بحُب ولمة، بيبقى طعمها “سُكر”.. حتى لو كانت من غير ملح خالص!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى