قصص وروايات

انا حبيت واحد بقلم زهرة الربيع

قالت

في أول يوم شريف ساب البيت، كان ممكن يرجع لك ويكمل عادي… لكنه اختار يواجه نفسه.

سألتها

يعني إيه؟

ردت

قال لي وقتها أنا مش عايز أهرب من غلط بغلط جديد.

الكلمة دي فضلت ترن في ودني.

لأن شريف اللي كنت أعرفه زمان كان بيهرب من أي وجع…

أما الرجل اللي كانت بتحكي عنه، كان شخص تاني.

بعد فترة، وصلني خبر إن شريف تعب ودخل المستشفى.

رغم كل شيء، قلبي اتوتر.

روحت أطمّن عليه، لكني وقفت بعيد.

ماحبتش أرجع أفتح أبواب قديمة.

شافني من بعيد، وناداني.

قربت.

قال بابتسامة ضعيفة

كنت عارف إنك هتيجي.

قلت

جيت أطمن بس.

هز رأسه

وده كفاية.

سكتنا.

وبعدين قال

تعرفي إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟

بصيت له.

قال

إني خليت الحب يبقى معركة… بدل ما يكون رحمة.

دموعي لمعت، لكني ابتسمت.

قلت

يمكن كل واحد فينا كان محتاج يتعلم.

هز رأسه

يمكن.

خرجت من عنده وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي من سنين بدأ يخف.

لأن النهاية الحقيقية للحكاية ماكنتش إن شريف يرجع لي…

ولا إن نهى تخسر…

ولا إن حد ينتصر على حد.

النهاية كانت إن كل واحد فينا عرف ثمن اختياراته.

أنا عرفت إن مش كل شيء نتمناه يكون خيرًا لنا.

وشريف عرف إن المسؤولية أهم من الهروب.

ونهى عرفت إن القوة مش معناها إننا نفضل عايشين في الماضي.

وفي الآخر…

بعض القصص لا تنتهي بالحب الذي بدأ بها…

لكن تنتهي بالحكمة التي تركتها وراءها كنت فاكرة إن كل الأسرار اتكشفت…

لكن بعد شهور من آخر لقاء بيني وبين شريف، حصل شيء قلب كل الحسابات من جديد.

كنت قاعدة في بيتي لما جالي اتصال من رقم مش مسجل.

رديت

ألو؟

جالي صوت شاب متردد

حضرتك… تعرفي بابا شريف؟

اتجمدت.

قلت

أيوه… مين معايا؟

قال

أنا ابنه.

قلبي دق بسرعة.

فيه حاجة حصلت؟

سكت لحظة، وبعدين قال

أنا محتاج أقابلك… لأن فيه حاجة بابا مخبيها عنك وعن أمي.

الكلمة دي رجعتني سنين للوراء.

مخبي إيه؟

رد

مش هقدر أقول في التليفون.

فضلت طول الليل أفكر.

كنت خايفة أرجع لنفس الدوامة، لكن الفضول غلبني.

تاني يوم قابلته.

كان شاب محترم، ملامحه فيها من شريف كتير.

قعد قدامي وقال

أنا عارف كل اللي حصل زمان.

اتوترت.

قال بسرعة

بس أنا مش جاي ألومك.

سكت شوية، وبعدين طلع ظرف من شنطته.

ده لقيته بين حاجات بابا.

فتحت الظرف…

وكان جواه خطاب قديم.

الخط كان خط شريف.

بدأت أقرأ

لو أنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أقول الحقيقة بنفسي…

إيدي بدأت ترتعش.

كمل الخطاب

أنا ظلمت ناس كتير وأنا بحاول أهرب من وجعي. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها…

وقفت عند الجملة دي.

ابن شريف كان بيراقب تعبير وشي.

قلت

إيه الحقيقة؟

قال

اقري للآخر.

رجعت للخطاب.

أنا ماحبيتش واحدة بس في حياتي… أنا كنت بحاول أعوض إحساس قديم بالنقص. وكل قرار خدته كان له ثمن.

وبعدين جاءت الجملة اللي صدمتني

لكن أكبر سر… إن نهى كانت تعرف حاجة عن عيلتي زمان، وحاولت تخبيها عني عشان تحميني.

رفعت عيني بسرعة.

يعني إيه؟

قال ابنه أنا كمان معرفش… عشان كده بدور على الحقيقة.

في اللحظة دي، أدركت إن الحكاية اللي افتكرتها خلصت…

كانت لسه بتفتح باب جديد.

اتصلت بنهى.

لما سمعت صوتي، سكتت.

قلت لها

لازم نتكلم.

ردت بصوت متوتر

هو عرف؟

سكت.

عرف إيه يا نهى؟

الصمت اللي جه بعدها كان مرعب.

وبعدين قالت

كنت عارفة إن اليوم ده هييجي…

فيه سر عن شريف… لو عرفه، ممكن يكرهني للأبد.

قلت

قولي الحقيقة.

أخذت نفسًا طويلًا وقالت

شريف طول عمره فاكر إن أبوه مات وهو صغير بسبب حادث…

سكتت.

لكن الحقيقة… إن أبوه كان عايش.

شهقت.

إيه؟!

قالت

والأصعب من كده… إن شريف نفسه كان عنده سبب يخليه يصدق إنه مات.

قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة.

بعد كل السنين دي…

طلع فيه جزء من حياة شريف محدش يعرفه.

جزء ممكن يفسر ليه كان بيهرب طول عمره…

وليه كان خايف من المواجهة.

وفي نفس الليلة…

وصلني خبر إن شريف خرج من المستشفى، ولما عرف إني عرفت بالموضوع…

طلب يقابلني.

لكن المرة دي…

ماكانش عايز يعتذر.

كان عايز يعترف قابلت شريف في نفس المكان اللي كنا بنتقابل فيه زمان…

لكن الفرق إننا المرة دي ماكناش اتنين بيحاربوا عشان بعض.

كنا اتنين أشخاص شايلين سنين من الندم والأسئلة.

أول ما قعد قدامي، عرفت من نظراته إنه عارف إن فيه حاجة وصلت لي.

قال بهدوء

ابني كلمك؟

هزيت رأسي.

سكت لحظة، وبعدين قال

كنت عارف إن الحقيقة هتطلع في يوم.

قلت

ليه مخبي عني؟

ابتسم ابتسامة حزينة

لأني كنت تعبت من كشف الأسرار… كل ما أفتح باب من الماضي ألاقي وراه وجع جديد.

قربت منه وقلت

احكيلي يا شريف.

أخذ نفسًا طويلًا وبدأ يحكي…

أنا طول عمري فاكر إن أبويا مات وأنا صغير. أمي كانت بتقولي إنه سابنا ومات في حادث، وعشت وأنا جوايا إحساس إن أي حد أحبه ممكن يختفي فجأة.

سكت.

يمكن عشان كده كنت بتعلق بأي

حد يديني إحساس بالأمان.

الكلمة دي وجعتني.

لأني فهمت وقتها إن علاقتنا ماكانتوش بس قصة حب…

كان فيها احتياج وخوف وهروب.

كمل

بعد ما انفصلت عن نهى، كنت فاكر إنك هتكوني البداية الجديدة… لكني اكتشفت إني كنت باخد بداية جديدة وأنا لسه شايل خراب قديم.

قلت

وأبوك؟

نزل عينه.

أبويا ماكانش ميت.

سكت.

كان عايش في بلد تانية.

اتصدمت

إزاي؟

قال

بعد سنين عرفت إنه حصلت مشاكل كبيرة بينه وبين أمي، وسافر. أمي خبّت عليا الحقيقة لأنها كانت خايفة إني أسيبها وأدور عليه.

قلت

ونهى كانت تعرف؟

هز رأسه.

عرفت بالصدفة قبل جوازنا… لكنها سكتت لأنها كانت شايفة إن الموضوع ممكن يهدمني.

سكتنا.

لأول مرة حسيت إن كل شخص في القصة كان شايل سر، وكل سر كان بيولد وجع جديد.

قلت له

وهتعمل إيه دلوقتي؟

نظر بعيدًا وقال

هقابله.

في اليوم اللي بعده، اجتمعنا كلنا.

شريف وابنه ونهى…

وأنا كنت موجودة لأني حسيت إن لازم أشوف نهاية الحكاية دي.

دخل الرجل الكبير.

كان واضح عليه العمر والتعب.

أول ما شاف شريف، وقف مكانه.

سنين طويلة من الغياب كانت واقفة بينهم.

قال بصوت ضعيف

شريف…

لكن شريف ماجرّيش عليه.

فضل واقف.

قال

أنا ضيعت عمري وأنا فاكر إنك مت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى