
طلعنا الشقة وكسرنا القفل بأمر النيابة، وأول ما دخلت شميت ريحة الخيانة في كل ركن، السرير اللي كنت نايمة عليه بأمان وهو بيغدر بيا، المطبخ اللي صورني فيه وأنا بضهر.. كل حتة كانت بتفكرني بوجعي، بس في نفس الوقت كنت بحس إن كل قطعة عفش بتنزل من الشقة دي كأنها قطعة من هم تقيل بيتشال من فوق صدري.
نزل العفش كله قطة ورا تانية، من أصغر كوباية لأكبر جهاز كهربائي، مسبتش ورايا غير الحيطان العريانة، وأهله كانوا واقفين بعيد في أول الشارع، أمه بتعيط بحرقة وخوف، وأبوه كان ساند على عمود نور في الشارع وعينيه في الأرض مش قادر حتى يقرب ولا يفتح بقه بنص كلمة بعد ما شافوا المحضر والشرطة اللي بتنفذ الحكم بالقوة الجبرية. بعدها بأيام، جه معاد جلسة تجديد الحبس أمام قاضي المعارضات، وجلسة محكمة الأسرة للنطق بالحكم في قضية الطلاق للضرر ومؤخر الصداق.
في محكمة الأسرة، القاعة كانت زحمة، وقف المحامي بتاعي قدام المنصة وقدّم صورة رسمية من تحقيقات النيابة، واعتراف المتهم، وقرارات حبسه الاحتياطي، وقال بصوت هز جدران القاعة:”سيدي القاضي.. إن ما ارتكبه المدعى عليه لا يمت للدين ولا للأخلاق ولا للرجولة بصلة، لقد انتهك أقدس رابطة شرعية، وباع ستر زوجته وعرض بيته، والضرر هنا ليس مادياً أو لفظياً فحسب، بل هو خيانة عظمى تستحيل معها العشرة وتأباها النفوس السوية، ونطلب تطليق المدعية طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها المالية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة.
“القاضي بص في الأوراق للحظات، وشه كان بيعكس مدى اشمئزازه من تفاصيل المحضر، ونطق بالحكم في نفس الجلسة:”حكمت المحكمة بتطليق المدعية على المدعى عليه طلقة بائنة للضرر، وإلزامه بأن يؤدي لها مؤخر الصداق المسمى بينهما وقدره مائة وخمسون ألف جنيه، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة.”أول ما القاضي نطق بالحكم، حسيت إن روحي رجعتلي، رفعت راسي للسما ودموعي نزلت مش حزن، دموع خفة وراحة ونجاة، اتطلقت منه ورجعت حرة، وأخدت كل مليم من حقوقي بالقانون.
بس اليوم مكنش خلص لسه، لأن على بُعد أمتار في نفس المجمع، كانت جلسة تجديد الحبس الجنائي لطارق وشبكته شغالة. اتحركت مع محمود والمحامي ودخلنا قاعة الجنايات والجنح المستأنفة، ووقفنا في الصفوف الخلفية. بعد دقايق، دخل القفص طارق ومعاه الاتنين التانيين، متكلبشين مع بعض في سلسلة واحدة. طارق كان لابس ترينج الحجز الرمادي، وشه شاحب، خاسس للنص، وعينيه تايهة ومرعوبة، وأول ما لمحني واقفة برة القفص رافعة راسي ولابسة أبيض في أبيض، مسك في أسياخ الحديد بإيديه المرتعشة، ونادى عليا بصوت يائس بيقطع القلب بس مكنش يحرّك فيا ساكن:”سمر!
سمر أبوس رجلك! اسمعيني بس.. أمي جالها جلطة وأبويا مش قادر يرفع عينه في الناس، وأنا حياتي ادمرت وشغلي طردني، هتحبس سنين يا سمر، تنازلي وخدي اللي انتي عايزاه، والله لو عايزاني أكتبلك الشقة وكل ما أملك هكتبهولك بس طلعيني من القبر ده!”المحامي بتاعه حاول يدخل يقدم طلب إخلاء سبيل بأي كفالة مالية معللاً إنه عائل لأسرته وإن الواقعة مكنتش تتعدى هزار عابر، لكن ممثل النيابة العامة وقف واعترض بشدة وصرخ في القاعة:”إن النيابة العامة ترفض إخلاء سبيل المتهم أو شركائه، وتؤكد أن الجريمة المرتكبة هي اعتداء صارخ على المجتمع وقيمه وأعراضه، ونعلن إحالة أوراق القضية رسمياً إلى محكمة الجنايات الاقتصادية بتهم جنائية مشددة، والمتهم وشركاؤه يشكلون خطراً داهماً ويجب استمرار حبسهم.
“القاضي خبط بالشاكوش وصرخ بصرامة:”قررت المحكمة رفض الاستئناف، واستمرار حبس المتهمين جميعاً خمسة وأربعين يوماً على ذمة القضية وإحالتهم إلى محاكمة الجنايات العاجلة.”الصوت رن في القاعة، وطارق صرخ ومسك دماغه ووقع في أرضية القفص بيصرخ كأنه اتصاب برصاصة، والعساكر شدوهم للنزول للتخشيبة وهو بيتشد على الأرض ومذلول. خرجت من مجمع المحاكم في شمس النهار، الهوا كان نقي، وأبويا مسك إيدي وباس راسي وقالي: “رفعتي راسنا وخدتي حقك بأدب وبأصل وبقوة القانون يا بنتي.
“ركبنا العربية ورجعنا بيتنا، والكل كان عارف إن الخطوة الجاية هي القاضية، محاكمة الجنايات اللي هتحدد مصيره النهائي في السجن المشدد، والستار اللي هينزل على أبشع كابوس عشته في حياتي. مرت الأسابيع اللي سبقت الجلسة الفاصلة في محكمة الجنايات الاقتصادية وكأنها سنين، لكنها كانت سنين بتبني فيا شخص جديد تماماً. الضعف والخوف اللي حسيت بيهم وأنا بسمع صوت المية في الحمام زمان، اتبدلوا تماماً بقوة وهدوء مخيفين.
في الفترة دي، أهله مسبوش باب إلا وخبطوا عليه. وفود من كبارات عيلتهم، ناس من أصحاب والدي القدامى، وحتى إمام المسجد اللي في منطقتنا جابوه وجه يتوسط. قعدوا في صالون بيتنا، يعرضوا شيكات على بياض، تنازل كامل عن الشقة، وفلوس فوق المؤخر والقايمة أضعاف مضاعفة، وأبوه كان قاعد يبكي بدموع حارقة ويقول لأبويا:”يا حاج.. ابني غلط وأذنب ويستاهل ضرب النار، بس مستقبله هينتهي.. بدلة السجن الزرقا دي لو اتلبسها هيموت بالحيا، والمهنة هتسحب ترخيصه ونقابة المهندسين هتشطبه، استروا عليه ربنا يستر ولاياكم.
“لكن رد أبويا كان ثابت ومفيش فيه مساومة، بصلهم وقال ببرود يقطع الشك:”اللي باع ستر بيته عشان رهان وفلوس رخيصة ميطلبش الستر لما يقع تحت سيف القانون. اللي بيننا مش فلوس ولا شيكات، اللي بيننا حق شرف وكرامة بنتي والمجتمع كله، والكلمة بقت للقضاء مش للمجالس.”خرجوا يجروا أذيال الخيبة، وبدأ العد التنازلي ليوم المحاكمة. يوم الجلسة، صحيت من الفجر، اتوضيت وصليت ركعتين شكر وراحة، ولبست هدوم هادية ومحترمة، ونزلت ومعايا والدي ومحمود والمحامي.
مجمع المحاكم كان زحمة، بس القاعة اللي فيها القضية كانت واخدة اهتمام غير عادي، صحفيين من مواقع الحوادث بدأوا يشموا خبر عن القضية اللي بتجمع بين انتهاك حرمة الحياة الخاصة والإتجار بالصور والابتزاز الإلكتروني داخل مسكن الزوجية. أول ما دخلنا القاعة، كانت أسر المتهمين التانيين موجودة كمان، وشوش مكسورة وعيون تايهة، وأمه كانت قاعدة في الزاوية، شكلها هدّه المرض والجلطة اللي خلت مشيتها تقيلة ولسانها بيتلعثم. أول ما شافتني بصتلي بنظرة كلها كسر ورجا، بس عنيا مكنتش بتنزل ولا بتتهز.
اتفتح باب القفص الحديدي، ودخل الحرس المتهمين التلاتة. طارق كان لابس الأبيض الخاص بالحبس الاحتياطي، دقنه طويلة ومهملة، عيونه غائرة وسودة من قلة النوم في الحجز، ورجليه مكنتش شايلاه، متكلبش في إيد زمايله الاتنين اللي كانوا بيتفادوا حتى يبصوا في وشه، وكل واحد فيهم محمل التاني مسؤولية الخراب اللي هما فيه.




