
كانت نائمة في سرير المستشفى، ولا تزال ترتدي فستان زفافها الأبيض. فتحت عينيها بتعب، ورأت حولها بالونات بيضاء ومحاليل معلقة. لم تتذكر سوى الخناقة التي نشبت بين شقيقها وأخت زوجها، ثم لا شيء بعد ذلك. نظرت إلى زوجها الذي اقترب منها أول ما أفاقت، فبكت.
وقف أمامها بحزم وقال: “مفيش داعي للعياط. أخوكي أخد جزاته، والبوليس جه خده إمبارح.”
تكلمت وسط بكائها، مصدومة من تهوّر أخيها: “أنا آسفة على اللي حصل.”
استدار بضهره وقال بحزم ورحمة: “أبويا وأبوكي لا يخليهم يتربوا بالتربية اللي أبوكي معرفش يربيهاله، وهخليه يندم على اللي عمله فيكي أو في أختي.”
هزت رأسها بالنفي وهي ما زالت تبكي، لكن دخول الممرضة قطع حديثهما: “دكتور كريم، أنا جايه أسحب عينة دم من المدام علشان نعرف سبب الإغماء.”
أشار لها بصمت، فقربت الممرضة وسحبت العينة وخرجت.
غمضت مليكة عينيها بتعب وسألت: “هخرج إمتى؟”
رد: “لما المحلول يخلص.”
فتحت عينيها ونظرت إلى المحلول، ثم عادت وأغمضتهما بحزن.
بعد فترة، وصلت إلى المنزل. رفعت طرف فستان زفافها ودخلت، ونظرت إلى تفاصيله بحزن على كسرتها أمام زوجها وعائلته. أغلق كريم الباب وأشار إلى غرفة النوم: “دي الأوضة… هسيبك تغيري براحتك.”
خرج من الغرفة، فنظرت إليه بطرف عينها المنتفخة من البكاء. غيرت ملابسها، ودخل كريم فوقف مبهورًا بجمال شعرها المتوسط الطول والبجامة التي ارتدتها.
قال: “خدي أدويتك ونامي، بكره الصبح.”
قربت من السرير من الجهة الأخرى، أخذت أدويتها وأطفأت الأباجورة، وأخذت وضع النوم. نظرت إليه وهو مديرًا لها ظهره، فبدأت دموعها تنزل بصمت على حفل زفافها الذي خربه شقيقها الطائش، وعلى معاملة زوجها الجافة التي لم تعتاد عليها. هو معه حق بسبب الجريمة التي قام بها شقيقها الأكبر. التفتت على السرير وأدارت له ظهرها، وكتمت بكاءها في المخدة.
تفاجأت بكريم يهمس بصوته الدافئ: “مش عايزك تعيطي تاني طول ما أنا معاكي.”
التفتت إليه وهي تبكي: “أنا مكنتش أعرف إنه ممكن يعمل كده.”
رفع يديه بحنان مفرط، ومسح دموعها: “هو خد جزاته، مش عايزك تجيبي سيرته تاني.”
احمر وجهها خجلًا من قربه الشديد: “أنت هتسجنه بجد؟”
رد بتوهان في ملامحها الجميلة: “أسئلتك كتيرة. نامي دلوقتي علشان أنتي تعبانه، ونكمل كلامنا بكره. تصبحي على خير.”
قالت: “وأنتي من أهل الخير.”
غمضت عينيها بتعب، وهي تشعر براحة شديدة لأول مرة داخل حضنه. كانت تحتاج إلى هذا الحضن الدافئ منذ موت والدها ووالدتها، ولم ترَ يومًا عدلًا مع أخيها سوى الضرب والشتيمة. نام كريم من إرهاق اليوم.
استيقظت في اليوم التالي على صوت جرس الباب. نظرت إلى كريم النائم بعمق، وقامت بتعب وخرجت من الغرفة. فتحت الباب وهي تفرك عينيها من النوم لإنه لا يزال باكرًا.
قالت بابتسامة: “إزيك يا طنط؟ عاملة إيه؟”
ردت حماتها: “كنت كويسة، لغاية ما عمل أخوكي إمبارح.”
احمر وجهها خجلًا: “أنا مش عارفة أقولك…”
قاطعتها حماتها: “تعالي ورايا، عايزاكي.”
قالت باستغراب: “دلوقتي؟”
“أه، دلوقتي. عندك مانع؟”
“لا، بس هغير وأنزل وراكي.”
“لا، انزلي كده.”
شدت مليكة الباب خلفها ونزلت خلف حماتها خوفًا من أن يراها أحد بشعرها. دخلت شقة حماتها، فتجهزت زينب نحو المطبخ. نظرت مليكة بصدمة إلى امرأة تقف تعمل طعامًا في صباحها.
رفعت حماتها حاجبها بجبروت: “أوعي تكوني فاكرة نفسك عروسة. متنسيش الفضيحة اللي أخوكي عملها أمبارح في الفرح، هو ولا البلطجية اللي كان عزمهم في فرح ابني الدكتور كريم. بس ما علينا، كل حاجة هتعوزيها عندك. تعملي الأكل قبل الضهر، في ضيوف جايين يباركوا لابني.”
أمالت رأسها خجلًا من أفعال أخيها الطائشة: “بس أنا مش بعرف أعمل المحشي.”
“نعم… تتعلمي، هيبقى من كلو لا علام ولا طبيخ؟ أمال كنتي بتعملي إيه في بيتكم؟”
رفعت رأسها وهي تحاول التحكم في نفسها: “مش ذنبي إن أمي ماتت قبل ما تعلمني. مش حضرتك عايزاني أخلص قبل الضهر؟ الضهر هكون مخلصة.”
نظرت إليها حماتها بضيق من وجودها في حياة ابنها، وخرجت من المطبخ. تنهدت مليكة بحزن من معاملة حماتها القاسية من أول يوم جواز. بدأت تقلب في التليفون عن الطريقة. بعد فترة، كانت قد أنهت كل شيء، لكنها اصطدمت بيدها في حلة الشوربة وهي تشوف الأكل، فسقطت على رجليها. صرخت بألم وبكاء شديد.
دخلت عليها حماتها وخلفها كريم الذي نزل يبحث عنها. دخل المطبخ فوجدها جالسة على الأرض ممسكة برجليها بوجع ودموع. جرى عليها بسرعة وجلس أمامها بخوف شديد: “إيه اللي حصل؟”
تكلمت وسط شهقاتها: “الشوربة وقعت على رجلي، مش قادرة، بتوجعني أوي.”
حملها برفق وخرج من الشقة، صعد إلى شقته ووضعها على السرير بحنية مفرطة. قام وأحضر علبة الإسعافات من الحمام وجلس بجانب رجليها، بدأ يضع المرهم برفق.
صرخت بألم ومسكت يديه تمنعه بدموع: “لا لا، استنا، مش قادرة، رجلي وجعاني أوي.”
، وهي تبكي بألم شديد وتنظر إلى قدمها المحروقة.
قال بهدوء: “متحمليش عليها كتير علشان متوجعكيش.”
ردت بدموع: “حاضر.”
نظر في عينيها المليئتين بالدموع: “لسه بتوجعك؟”
ارتفع صوت شهقتها: “مش قادرة.”
مد يده وأحضر مسكنًا من درج الكومودينو: “خدي المسكن ده، هيسكن الوجع.”
أخذت منه المسكن وتناولته. قام من مكانه وجلس بجانبها، فأسندت رأسها على كتفه.
قالت: “أنا آسفة على اللي حمزه عمله أمبارح، مش عارفة أودي وشي فين من أهلك بعد اللي عمله، خلى نفسي مكسورة قدامهم.”
رد: “أنتي مالكيش ذنب في اللي أخوكي عمله.”
“كنت محتاجة ماما وبابا يكونوا جنبي في الفترة دي… كانوا هيشيلوا عني كتير أوي. كفاية إنهم كانوا هيغيروا حياة حمزه، مكانش هيمشي في الطريق ده.”




