عام

جوزي امي

ضحكنا.

ومشيت معاها ناحية المطبخ.

وقبل أدخل، بصيت مرة أخيرة للفازة.

كانت سليمة.

لكنّي عرفت إن أهم حاجة في البيت مش الفازة

ولا الأثاث

ولا الفلوس.

أهم حاجة إن اللي عايشين فيه يعرفوا قيمة بعض، ويحافظوا على كرامة بعض.

وساعتها قلت لنفسي

يمكن اليوم اللي خرجت فيه من بيت كريم وأنا فاكرة إني خسرت جوازي

كان في الحقيقة اليوم اللي كسبت فيه نفسي.

ومن يومها، ما بقاش عندي خوف من أي بداية جديدة.

لأن اللي قدر يقوم بعد أصعب يوم في حياته

يقدر يبدأ من جديد مهما حصل بعد كام شهر، حياتنا استقرت بشكل كبير.

كنت أنا وكريم بنعيش بهدوء، وأمي بقت تزورنا من وقت للتاني، وكل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي.

لكن في يوم، وأنا براجع أوراق البيت، لقيت ظرف قديم جدًا بين المستندات.

كان مكتوب عليه بخط كريم

لندى ما يتفتحش غير لو حصلت مشكلة كبيرة.

اترددت.

وبعدين فتحته.

جواه كان فيه جواب طويل.

قعدت أقرأه، وكل سطر كان بيكشف حاجة ما كنتش أعرفها.

كريم كان كاتب الجواب قبل الخناقة بحوالي أسبوع.

وكان بيقول إنه اكتشف إن الشركة اللي دخل فيها زمان كان فيها خطأ كبير في الحسابات، وإنه ممكن يخسر جزءًا من فلوسه.

لكن اللي صدمني إن آخر سطر كان

لو حصل لي أي حاجة، ندى لازم تعرف إن الفلوس اللي اتاخدت من حسابنا ما كانتش ضاعت كلها.

وقفت عند الجملة دي.

ناديت كريم فورًا.

إيه معنى الكلام ده؟

جاء وقعد جنبي.

قرأ الورقة.

وسكت.

قلت

إنت كنت عارف إن جزء من الفلوس لسه موجود؟

قال

أيوه.

فين؟

أخرج من المحفظة ورقة صغيرة.

كانت بيانات شهادة ادخار باسم مشترك بيني وبينه.

كان فيها حوالي 250 ألف جنيه.

اتصدمت.

يعني الفلوس دي كانت موجودة طول الوقت؟

أيوه، بس أنا ما كنتش عايز ألمسها. كنت مخليها للطوارئ.

بصيت له.

طب ليه ما قلتليش؟

قال

لأني كنت خايف أقولك إن عندنا فلوس، وإنتِ تعرفي بعدها إن جزء تاني من فلوسنا كان اتصرف.

سكت شوية.

ثم قال

كنت بغطي غلط بغلط.

ابتسمت بحزن.

بس المرة دي على الأقل قلت الحقيقة.

هز راسه.

وبعدها قررنا إن ال ألف يفضلوا في حساب منفصل للطوارئ، لكن باسمي أنا وحدي.

مرت أيام.

وفي ليلة، أمي اتصلت بيا.

صوتها كان غريب.

ندى، تعالي عندي بسرعة.

روحت لها.

لقيتها ماسكة صندوق خشب قديم.

قالت

ده كان عندي من سنين، وكنت مستنية الوقت المناسب أديهولك.

فتحت الصندوق.

لقيت فيه أوراق قديمة تخص والدي.

أوراق ملكية، وإيصالات، ومستندات ما كنتش أعرف عنها حاجة.

بصيت لها باستغراب.

إيه ده؟

قالت

أبوك كان سايبلك حق في قطعة أرض صغيرة.

اتصدمت.

إزاي؟ عمري ما سمعت عن الكلام ده.

قالت

لأن الأرض كانت عليها مشكلة قانونية، وأنا فضلت محتفظة بالأوراق لحد ما المشكلة تتحل.

قلبت الأوراق واحدة واحدة.

وكان واضح إن قيمة الأرض بقت كبيرة جدًا بعد ما المنطقة اتعمرت.

بصيت لأمي.

يعني كل ده كان موجود وأنا ما أعرفش؟

ابتسمت.

كنت خايفة عليكي. ما كنتش عايزة حد يعرف إن ليكي حاجة.

ضحكت.

واضح إن عيلتنا كلها كانت بتحب تخبي الأسرار!

أمي ضحكت هي كمان.

لكن بعد دقائق، وصلنا اتصال من المحامي.

قال إن الأرض اتسجلت رسميًا باسمي، وإن إجراءات البيع ممكن تبدأ لو حبيت.

قفلت المكالمة.

وبصيت لأمي.

ثم لكريم.

وقلت

المرة دي مش هبيع.

استغرب كريم.

ليه؟

قلت

لأن طول عمري كنت بفكر إن الأمان معناه فلوس في البنك.

ابتسمت.

دلوقتي فهمت إن الأمان الحقيقي إن الحاجة تكون باسمي، وقراري أنا.

كريم قال

وأنا أول واحد هساعدك تحافظي عليها.

ابتسمت.

تساعدني، آه. تقرر بدالي، لأ.

ضحك وقال

اتفقنا.

وفي اللحظة دي، فهمت إن حياتي ما بقتش مجرد قصة عن زوج ضرب أم زوجته أو فلوس اختفت.

كانت قصة عن واحدة اتعلمت متأخر

إن الإنسان لازم

 

يعرف قيمة نفسه قبل ما يطلب من أي حد يعرفها.

والأجمل؟

إن كريم نفسه بدأ يفهم نفس الدرس.

لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها

إن الأرض دي هتكون سبب في إنقاذ شخص من عيلتنا من أزمة كبيرة جدًا بعد فترة قصيرة بعد حوالي ست شهور، جالي اتصال من حسام.

صوته كان متوتر جدًا

ندى، ممكن أكلمك؟

طبعًا.

سكت لحظة وقال

أنا في مشكلة كبيرة.

افتكرت كل اللي حصل زمان، لكن المرة دي ما اندفعتش.

قلت

احكيلي الأول.

قال إن المشروع الجديد اللي بدأه اتعرض لخسارة كبيرة بسبب شريك سابق، وإن عليه التزامات لازم تتسدد بسرعة، وإلا هيخسر كل اللي بناه.

ولأول مرة، ما طلبش فلوس.

قال

أنا مش عايز منك حاجة. أنا بس محتاج رأيك.

الكلمة دي فرقت معايا.

قلت له

تعالى أنت وكريم، ونشوف الموضوع مع محامي ومحاسب قبل أي قرار.

اتقابلنا كلنا.

راجعنا الأوراق، واكتشفنا إن جزءًا كبيرًا من المشكلة ممكن يتحل قانونيًا، وإن حسام مش محتاج يدفع المبلغ اللي كان فاكره.

بعد أيام، اتسوت المشكلة.

حسام اتصل بيا وقال

لو كنتي ادتيني فلوس من غير ما نراجع الورق، كنت هزود المشكلة.

ضحكت.

عشان كده لازم نتعلم الأول، وبعدين نساعد.

سكت، ثم قال

فاكرة زمان لما كنتوا بتدفعوا عني من غير ما أسأل؟

فاكرة.

أنا دلوقتي فهمت إن المساعدة مش إنك تشيل مشكلة حد مكانه. المساعدة إنك تساعده يقف على رجليه.

الكلام ده فرحني جدًا.

وفي نفس الأسبوع، جالي اتصال من المحامي بخصوص أرض والدي.

قال

في مشتري عرض مبلغ كبير جدًا، لكن أنا أنصحك ما تبيعيش دلوقتي.

سألته

ليه؟

قال

المنطقة حوالين الأرض داخلة على تطوير كبير، وقيمتها ممكن تزيد بشكل واضح خلال كام سنة.

قفلت المكالمة، وبصيت لكريم.

قال

القرار قرارك.

ابتسمت.

زمان كنت هسألك تعمل إيه.

ودلوقتي؟

دلوقتي هفكر بنفسي، وأستشيرك، وبعدها آخد قراري.

ضحك.

وده بالضبط اللي أنا كنت محتاج أتعلمه.

قررت أحتفظ بالأرض.

وبعد فترة، عملت عليها مشروع صغير باسمي، وخصصت جزءًا من أرباحه لمساعدة أمي، وجزءًا لمستقبلي.

ما

بقيتش أدي فلوسي لأي حد لمجرد إنه قريب.

بقيت أساعد اللي محتاج، لكن من غير ما أظلم نفسي.

أما كريم، فبقى أول شخص يشجعني على ده.

وفي يوم، كنا قاعدين أنا وأمي وكريم، فقالت أمي

فاكرين اليوم اللي اتكسرت فيه الفازة؟

ضحكنا.

قال كريم

أنا مش هنساها طول عمري.

أمي قالت

وأنا كمان.

ثم بصت لي.

بس عارفة يا ندى؟ أنا أكتر حاجة فرحتني مش إنك رجعتي لجوزك.

استغربت.

أمال إيه؟

قالت

إنك رجعتي لنفسك الأول.

سكتنا كلنا.

لأنها كانت الحقيقة.

أنا في البداية كنت فاكرة إن الأزمة بدأت لما كريم أمي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى