
إخواتي التلاتة جم عشان ياخدوني من السجن بعد سبع سنين، وسلّموني طوق كلب وقالولي البسيه لو عايزة ترجعي واحدة من العيلة. لبسته من غير ما أجادل، وخبيت في جيبي كارت محامية. هما لسه ما يعرفوش إن فاضل 12 ساعة بس قبل ما أختفي ولا مين اللي كان على وشك يلاقيني.
الجزء الأول
البسي الطوق. لو بجد عايزة ترجعي واحدة من العيلة، اثبتي إنك تستاهلي.
كان حسام السيوفي واقف قدام بوابة سجن القناطر للنساء، وبيقول الجملة دي بمنتهى البرود، كأنه بيديني هدية، مش بيحط آخر حلقة في سلسلة إهانات عشتها بعد سبع سنين كاملة ورا القضبان.
كان عندي وقتها خمسة وعشرين سنة.
وأخويا واقف جنبه، محمود وكريم، بيضحكوا ضحكة متوترة، وكأن اللي بيحصل قدامهم هزار تقيل شوية.
الغريب إن ملامحهم ما اتغيرتش.
نفس النظرات اللي شفتها يوم ما ودّعوني وأنا عندي تمنتاشر سنة.
قبل سبع سنين، لارا، البنت اللي العيلة ربتها من وهي صغيرة، حطّت مادة سامة في مشروب ندى، زميلتها في الجامعة، بسبب إنها كانت بتنافسها على منحة دراسية.
ندى دخلت المستشفى بين الحياة والموت.
وقتها حسام وعدني بحاجة واحدة
لو اعترفتي إنك إنتِ اللي عملتيها، محدش في العيلة هيعتبرك غريبة تاني.
أنا كنت طول عمري في دار رعاية في طنطا، ومن كام شهر بس اكتشفت إن عيلة السيوفي ممكن تكون عيلتي الحقيقية.
كنت مصدقة إني أخيرًا لقيت أهلي.
وأخيرًا هيبقى ليا بيت.
فوافقت أتحمل الجريمة مكان لارا.
المحامي وقتها طمّني وقال إن الحكم هيبقى كام سنة وأخرج.
لكن السنين بقت سبعة.
سبع سنين كاملة.
ولا واحد فيهم زارني.
ولا واحد حاول يستأنف الحكم.
ولا حتى سأل أنا عايشة ولا مت.
لارا كانت قاعدة جوه عربية سودا فخمة، نزلت الإزاز وبصتلي بابتسامة مستفزة.
الطوق ده مستورد مخصوص. بصراحة كان هيليق على روكي أكتر بس قولت إنتِ أولى بيه.
مديت إيدي وخدته.
ولبسته.
مش عشان كنت لسه عايزة أبقى واحدة منهم.
كنت بس مستنية.
في جيبي كان فيه كارت صغير عليه رقم تليفون وميعاد.
الساعة 8 بالليل، محامية من جمعية لإعادة تأهيل السجينات كانت هتقابلني في مكان متفقين عليه في القاهرة.
كانوا موفرين لي شغل، وأوضة مؤقتة، وبداية جديدة بعيد عن عيلة السيوفي كلها.
كان فاضل 12 ساعة بس.
وبعدها كنت ناوية أختفي من حياتهم للأبد.
وأنا طالعة أركب العربية، لارا قفلت مناخيرها وقالت
إيه الريحة دي؟ إنتِ هدومك ريحتها سجن!
وبعدين بصت لإخواتي وضحكت.
أنا مش هركب جنبها.
حسام قال بمنتهى البرود
خليها تقعد ورا.
ولما لقت إن المكان مش عاجبها، بصتلي وقالت
طب اركبي في الشنطة.
سكت.
ما كانش قدامي غير إني أستحمل كام ساعة.
فتحت شنطة العربية.
لكن أول ما قربت منها، روكي، كلب لارا، نط عليّا فجأة وغرز سنانه في دراعي.
صرخت من الألم.
الدم غرق كمّ القميص.
لارا بصت للجرح وقالت بكل برود
أوووه نسيت إنه جوه الشنطة.
وبعدين ضحكت.
شكله افتكرك كلبة غريبة.
ولا واحد فيهم حتى فكر يوديني مستشفى.
وصلنا الفيلا بتاعتهم في التجمع الخامس.
وأول ما دخلت، اكتشفت إن أوضتي القديمة بقت أوضة روكي.
السرير اللي كنت بحلم أنام عليه وأنا طفلة اختفى.
المكان كله بقى مليان ألعاب الكلب.
ولما بصيت تحت الترابيزة، لقيت الحاجة الوحيدة اللي كانت فاضلة لي من دار الرعاية
أرنبي القماشي القديم.
المديرة كانت خيطاهولي بإيديها قبل ما أمشي.
كان متقطع ومترمي وسط ألعاب الكلب.
فضلت باصة له ثواني.
بس ما عيطتش.
أنا كنت خلاص قربت أخرج.
بالليل، لارا عملت حفلة كبيرة عشان ترحب بيا.
رجال أعمال.
قرايب.
مشاهير سوشيال ميديا.
وكاميرات شغالة لايف.
دخلت الصالة وأنا لابسة هدومي القديمة، لقيت لارا بتعزف على البيانو وسط التصفيق.
وبعد ما خلصت، بصتلي قدام الناس.
يلا يا صوفيا ورينا بقى إنتِ بتعرفي تعملي إيه.
قلت بهدوء
أنا محضرتش حاجة.
ابتسمت.
وبعدين بصت ناحية روكي.
خلاص ارقصي معاه.
الناس ضحكت.
محمود قرب منها وقال بصوت واطي
لارا، كفاية في كاميرات.
لكنها فجأة بدأت تعيط.
حسام ساب الكوباية من إيده وبصلي بنظرة خلت قلبي ينقبض.
انزلي على ركبتك يا صوفيا.
فضلت واقفة ثواني.
وبعدين نزلت على ركبي.
مش عشانهم.
كنت بفكر في الساعات القليلة اللي فاضلة.
فاضل كام ساعة وأمشي.
كام ساعة وأرمي الطوق ده في الزبالة، وأرمي معاها كل حاجة تربطني بيهم.
لكن قبل ما أحط إيدي على الأرض
اتسمعت من عند باب الفيلا صوت راجل جهوري، قطع الضحك والكلام كله
أنا عايز أعرف مين اللي سمح لنفسه يخلي بنتي تنزل على الأرض وتتذل بالشكل ده؟!
الصالة كلها سكتت.
الناس اتلفتت ناحية الباب.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة غالية، ووشه عليه ملامح غضب تخلي أي حد يسكت.
كان فارس المنشاوي.
واحد من أكبر وأشهر رجال الأعمال في مصر.
بص ناحية الأرض
وبعدين عينه وقعت عليّا.
وشه اتغير.
اتقدم ناحيتي بسرعة، خلع الجاكت بتاعه وحطه على كتافي.
وبعدين عينه وقعت على اللوحة المعدنية المعلقة في صدري.
قرأ اسمي.
صوفيا.
إيده بدأت تترعش.
فضل ساكت كام ثانية، كأنه مش قادر يستوعب اللي شايفه.
وبصلي في عيني.
وصوته خرج مبحوح
صوفيا
بلع ريقه، والدموع لمعت في عينه.
أنا أبوكي.
وقتها حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
أنا كنت فاكرة إن الليلة دي هتعدي وأنا مجرد واحدة منسية
وإن بعد كام ساعة هختفي من حياة عيلة السيوفي للأبد.
لكن ما كنتش أعرف
إن اللي دخل من الباب ده هيقلب حياتي كلها في لحظة.
وإن الحقيقة اللي هتظهر بعدها
كانت أخطر بكتير من مجرد معرفة مين أبويا الحقيقي.
الجزء التاني في التعليقات
إخواتي التلاتة جم عشان ياخدوني من السجن بعد سبع سنين، وسلّموني طوق كلب وقالولي البسيه لو عايزة ترجعي واحدة من العيلة. لبسته من غير ما أجادل، وخبيت في جيبي كارت محامية. هما لسه ما يعرفوش إن فاضل 12 ساعة بس قبل ما أختفي ولا مين اللي كان على وشك يلاقيني فضلت واقفة مكاني، وأنا مش عارفة أبص لمين.
أنا أبوكي.
الجملة فضلت ترن في ودني، لكن قبل ما أقدر أنطق، حسام اندفع ناحيته.
فارس! إنت بتقول إيه؟
فارس ما بصلهوش حتى.
كان عينه ثابتة عليّا.
أنا سألت سؤال واضح مين عمل فيها كده؟
حسام وقف قدامه.
دي واحدة من عيلتنا، وإحنا أحرار فيها.
فارس لف وشه ببطء وبص له.
عيلتكم؟
ابتسم ابتسامة باردة.
إنت متأكد إنك عايزني أتكلم قدام الناس؟
الصالة كلها سكتت.
لارا كانت واقفة عند البيانو، ووشها اتحول من الاستفزاز للهلع.
محمود قرب منها وهمس
هو يعرفها منين؟
لارا ما ردتش.
أما كريم فكان ماسك تليفونه بإيد بتترعش.
فارس رجع بصلي.
صوفيا مين قالك إن اسمك صوفيا؟
سؤاله لخبطني.
بصيت للوحة المعدنية اللي في صدري.
اتكتبلي في دار الرعاية.
مد إيده ناحية اللوحة، لكنه وقف قبل ما يلمسها.
دار الرعاية قالتلك إنك اتلقيتي هناك؟
هزيت راسي.
قالولي إن مفيش بيانات كافية عن أهلي.
غمض عينه للحظة.
وبعدين قال بصوت منخفض
كانوا كدابين.
حسام صرخ
فارس!
فارس لف له.
اسكت.
الكلمة كانت بسيطة، لكنها خلت حسام يسكت فعلًا.
بعدها فارس مد إيده لجيبه وطلع صورة قديمة.
صورة بنت صغيرة.
نفس العينين.
نفس العلامة الصغيرة فوق الحاجب.
ناولني الصورة.
إيدي بدأت تترعش.
دي أنا؟
فارس قال
دي بنتي اللي اختفت وهي عندها تمنتاشر سنة.
رفعت عيني له.
بس أنا ما اختفتش.
قال
عارفة.
اتجمدت.
إزاي؟
سكت ثواني.
وبعدين بص ناحية إخواتي التلاتة.
لأن بنتي ما اختفتش من نفسها.
حسام اتراجع خطوة.
لارا وقعت منها المنديل.
أما أنا، فبدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد عيلة لقيت بنتها بعد سنين.
فارس قرب مني وقال
وإنتِ ما دخلتيش السجن بالصدفة.
قلبي دق بعنف.
إنت عارف قضية ندى؟
ملامحه اتغيرت.
عارف أكتر مما تتخيلي.
سألته
طب ليه ما دورتش عليا؟
قبل ما يجاوب، صوت تليفون رن.
كان تليفون محمود.
بص للشاشة، ووشه اصفر.
فارس لاحظ.
رد.
محمود بلع ريقه.
مش مهم.
فارس مد إيده.
هاته.
محمود رفض.
وفي اللحظة دي، فارس قال
لو المكالمة دي ليها علاقة بصوفيا، يبقى أنا هاخد التليفون منك بالقوة.
محمود اضطر يديهوله.
فارس فتح المكالمة.
الصوت اللي طلع من السماعة كان منخفضًا، لكن واضح
لقيناها.
فارس اتجمد.
فين؟
الصوت رد
في الفيلا.
بص فارس حواليه.
وبعدين قال
متقربوش.
لكن الصوت رد بسرعة
مش إحنا اللي بندور عليها.
سكت لحظة.
الشرطة وصلت.
حسام بص لفارس.
شرطة؟
فارس شد على التليفون.
مين بلغهم؟
الصوت رد
البلاغ اتقدم من سبع سنين واتفتح من جديد من ساعة واحدة.
أنا حسيت بالدم بيجمد في عروقي.
سبع سنين؟
يعني حد كان بيدور عليا من أول يوم دخلت السجن؟
بصيت لفارس.
مين؟
لكنه ما ردش.
لأن في اللحظة دي، سمعنا صوت سيارات كتير قدام الفيلا.
ثم طرقات عنيفة على الباب.
لارا بدأت تبكي.
بابا أنا خايفة.
فارس بص لها لأول مرة.
ونظرته كانت مختلفة تمامًا.
إنتِ؟
لارا ما فهمتش.
أنا إيه؟
قرب منها خطوة.
إنتِ كنتِ عارفة إنها بنتي؟
لارا سكتت.
حسام تدخل بسرعة
فارس، الموضوع مش زي ما إنت فاكر.
فارس صرخ
أنا ما سألتكش!
وبعدين رجع بص للارا.
من سبع سنين إنتِ كنتِ عارفة؟
لارا بدأت تهز راسها.
أنا أنا مكنتش أعرف إنها هتدخل السجن.
أنا بصيت لها.
يعني كنتِ عارفة إني بريئة؟
لارا ما قدرتش تبص في عيني.
الصمت كان كفاية.
حسيت إن كل حاجة جوايا انهارت.
لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت من عند الباب
الشرطة! افتحوا الباب!
فارس مسك إيدي.
تعالي معايا.
شد إيدي ناحية باب جانبي.
قلت
رايحين فين؟
قال
للمكان الوحيد اللي مش هيعرفوا يلاقوكي فيه.
بصيت له باستغراب.
مين؟
فارس قرب مني وقال جملة خلتني أنسى كل حاجة
الناس اللي حبسوكي سبع سنين مش عايزينك تخرجي حرة.
وقبل ما أقدر أسأله عن السبب
وصل صوت تكسير الباب الرئيسي.
وفارس سحبني بسرعة ناحية ممر سري خلف المكتبة.
لكن وأنا بدخل، وقعت عيني على لارا.
كانت واقفة بعيد.
وبتعيط.
وفي إيدها
كان فيه نفس الكارت اللي في جيبي.
عرفت وقتها إن الكارت اللي كنت فاكرة إنه سرّي
ما كانش سرّي أصلًا.
وإن الشخص اللي كنت متفقة أقابله الساعة 8 بالليل
يمكن يكون هو نفسه الشخص اللي العيلة كانت مستنياه يوصل من زمان اتجمدت وأنا باصة للكارت اللي في إيد لارا.
نفس اللون.
نفس الشعار.
نفس الرقم المكتوب بخط صغير في الأسفل.
حطيت إيدي في جيبي بسرعة.
الكارت اللي معايا لسه موجود.
طلعتُه وبصيت عليه.
بعدين بصيت للكارت اللي في إيدها.
نسخة طبق الأصل.
رفعت عيني لفارس.
هي معاها نفس الكارت.
فارس ما استغربش.
وده كان أكتر حاجة خوفتني.
قال بهدوء
عارف.
عارف إزاي؟
لأن الكارت ده مش بتاع جمعية.
قلبي وقع.
أمال بتاع مين؟
قبل ما يجاوب، اتسمعت خبطات جديدة على الباب الرئيسي.
فارس فتح باب صغير في الحائط وسحبني لجوه.
دخلنا ممر ضيق ومظلم.
الباب اتقفل ورانا.
فضلنا ثواني من غير كلام.
وبعدين قلت
أنا عايزة أعرف الحقيقة.
فارس بصلي.
هتعرفيها.
دلوقتي.
تنهد.
الحقيقة مش دايمًا بتكون نجاة يا صوفيا.
وأنا قضيت سبع سنين في السجن بسبب كذبة. أظن إني استحملت كفاية.
سكت.
ثم قال
يوم ما اختفيتي، كنتِ راجعة من الجامعة.
وبعدها؟
عربيتك اختفت.
وإنت دورت عليا؟
سبع سنين.
ضحكت بمرارة.
سبع سنين؟ أنا كنت في السجن!
قال
وأنا كنت بدور على بنتي الحقيقية.
اتصدمت.
يعني إيه؟
مد إيده لجيبه وطلع ملف صغير.
فتحه.
كان فيه صورة قديمة، وتحليل نسب، وشهادة ميلاد.
كلهم باسمي.




