قصص وروايات

أهان زوجته أمام عائلته وقال لها: “اشتري أكلك بنفسك”… وفي عيد ميلاده اكتشف أن للكلمات ثمنًا!

لا أحمل كاش.

قال سعد

التحويل موجود.

خرجت الجملة جافة، فالتفت إليه الجميع.

حك سعد رقبته وقال

يعني إذا هو دعا، فليدفع.

أشار إليه حسام بغضب.

وأنت أيضًا ستبدأ؟

لا يا أخي. أنا كنت جبانًا يوم سمعتك تكلمها هكذا وسكتّ. لكن هناك فرق بين أن أسكت، وبين أن أتصرف كأنني لم أفهم.

جلست أم حسام.

كانت صينية الحلوى التي أحضرتها ترتج على الطاولة، لامعة وغريبة وسط المشهد. فكرت للحظة في كل العزائم التي تتحول إلى محاكم دون أن يخطط أحد القدر في المنتصف، الخبز ملفوفًا بقطعة قماش، الكراسي المستعارة، النساء يعلقن، والرجال ينتظرون أن يقدّم لهم أحد الطعام.

لكن هذه المرة لا.

هذه المرة لم يكن أحد يقدّم

شيئًا.

بقي الموقد مطفأً كشاهد.

اقترب حسام مني.

خفض صوته.

أنتِ تجاوزتِ حدودك.

قلت

لا. أنا أخرج منها.

لم يفهم.

أخرجت ملفًا ثانيًا.

أزرق.

هذا لم يره أحد.

أمس وقّعت عقدًا لمكان صغير داخل سوق الحي. أم فاضل، صاحبة محل الألبان، ستؤجرني المساحة الخلفية صباحًا لأبيع الحلويات. وعندي طلبات للأسبوع القادم.

فتح حسام عينيه.

ماذا؟

وفتحت حسابًا باسمي فقط. من اليوم، ما أربحه لن يدخل في مصاريفك، ولا حفلاتك، ولا رغباتك.

ضحك غير مصدق.

ومن أعطاك الإذن؟

هنا انكسر شيء داخل أم حسام.

قالت بصوت منخفض

حسام.

التفت إليها.

ماذا؟

من تظن نفسك حتى تكلمها هكذا؟

سكن المطبخ كله.

لم أكن أنتظر دفاعًا. ليس منها. المرأة نفسها التي قالت كثيرًا الرجال هكذا، كانت الآن تنظر إلى ابنها كأنها ربته بعينين مغلقتين.

زمّ حسام شفتيه.

أمي، لا تتدخلي.

أنا تدخلت منذ جئت آكل في هذا البيت دون أن أسأل من دفع. تدخلت منذ فرحت أن ابني عنده زوجة تطبخ جيدًا، وتنظف، وتعمل، ولم أقل لها شكرًا. لذلك سأتدخل الآن.

ثم نظرت إليّ.

سامحيني يا مريم.

لم أعرف ماذا أفعل بهذه الكلمة.

لم تشفني.

لم تمسح كل مرة جاءت فيها دون موعد تنتظر الطعام، ولا نقدها للرز، ولا تعليقاتها عن أن المرأة يجب أن تكرم زوجها. لكنها كانت شقًا صغيرًا. وأحيانًا يدخل الهواء من شق صغير.

شعر حسام أنه محاصر.

فهاجم.

طبعًا. الآن الجميع ضدي. مريم تتصرف كضحية، لكنها تعيش في بيتي.

أخذت نفسًا عميقًا.

ها هي الجملة التي تركتها للنهاية.

ليس بيتك.

توقف الضيوف عن التنفس.

ضحك حسام.

ماذا يعني ليس بيتي؟

عقد الإيجار باسمي. والتأمين دفعته أنا. عندما انتقلنا إلى هنا، أنت لم تستطع التوقيع بسبب ديون البطاقة التي أخفيتها. هل نسيت؟

فرغ وجهه من التعبير.

أغمضت أم حسام عينيها.

وتمتم سعد بكلمة غاضبة.

أخرجت نسخة من العقد.

وضعتها بجانب الإيصالات.

هذا البيت ليس ملكي. لكن قانونيًا أنا المسؤولة عنه وقد أخبرت صاحب البيت أنني من الشهر القادم سأجدد وحدي. يمكنك أن تبحث عن مكان تعيش فيه إذا لم تقبل احترام قواعدي.

وقف حسام فجأة.

هل تطردينني في عيد ميلادي؟

قلت

لا. أعطيك الهدية التي أعطيتني إياها قبل ثلاثة أسابيع كل واحد يدفع ثمن ما يخصه.

حاول أن يدفع الكرسي بعصبية، لكن سعد وقف قبله.

لا تفكر حتى.

نظر إليه حسام بحقد.

أنت مع من؟

تأخر سعد في الإجابة.

مع الجهة التي لا تهين امرأة تطبخ للجميع.

بدأ أحد الأطفال يبكي، فأخرجته أمه إلى الفناء. انتهت الحفلة. لا دولمة، لا تمن، لا كيك. فقط حقيقة كبيرة موضوعة على الطاولة، بإيصالات وتسجيلات وموقد مطفأ.

وقفت أم حسام.

هيا نذهب.

تحرك بعضهم فورًا كأن بابًا فُتح لهم. وبقي آخرون في حرج، ينتظرون

أن ينقذ أحد اللقاء. لم يفعل أحد.

حملت عمته حقيبتها.

أنا جبت الحلوى. أتركها لمريم.

قلت

لا داعي.

قالت

بل هناك داعٍ. ولو هذا فقط.

شعرت بحنان وحزن في الوقت نفسه.

بدأت العائلة تخرج.

من دون طعام.

من دون أغنية عيد ميلاد.

من دون صورة قرب الكيكة التي لم تكن موجودة.

بقي حسام في وسط الصالة، يشاهد عيد ميلاده يتفكك بصمت. عادت المشروبات إلى الأكياس. حملوا الأطفال من فوق الأرائك. وخرج الأعمام إلى الزقاق وهم يتجنبون النظر إليّ، لا احتقارًا، بل خجلًا.

وعندما أُغلق الباب، بقينا وحدنا.

هو وأنا.

كانت رائحة البيت لا شيء.

وهذا بدا جميلًا جدًا.

لا زيت محترق.

لا مرق يغلي.

لا غاز.

لا عرق.

لا شيء.

قال

لقد حطمتِني.

بدأت أجمع أوراقي.

لا. فقط تركتك من دون أن أكون ديكورًا لك.

أنتِ ناكرة للجميل.

أنا امرأة تعبت.

أنا أعطيتك كل شيء.

رفعت نظري.

أعطيتني الإحراج أمام أخيك. أعطيتني الأوامر. أعطيتني الديون. أعطيتني جوعًا للاحترام. أما الباقي فقد دفعته أنا.

اقترب.

ليس كثيرًا.

ربما لأنه رأى هاتفي ما يزال فوق الطاولة.

وربما لأنه فهم لأول مرة أنني لم أعد وحدي داخل خوفي.

سأل

وماذا الآن؟

قلت

الآن ستنام في غرفة الضيوف حتى تبحث عن مكان تذهب إليه. أو تذهب الليلة مع أمك. أنت تختار.

وإذا لم أقبل؟

أمسكت الهاتف.

عندها أتصل بصاحب البيت وبالشرطة. لن أناقشك كأن كرامتي عرض في سوق.

نظر إليّ طويلًا.

لسنوات ظننت أن تحت غروره رجلًا طيبًا، فقط أخرق، فقط مضغوط، فقط تربى بشكل خاطئ. تلك الليلة رأيت شيئًا آخر رجلًا يفهم جيدًا، لكنه يفضّل ألا يتغير ما دمت أقدم له الطعام ساخنًا.

صعد إلى الغرفة دون أن يقول شيئًا.

لم يحزم حقائبه تلك الليلة.

وأنا لم أنم.

جلست في المطبخ المطفأ، قرب النافذة. كان يصل من الشارع صوت دراجة نارية، ونباح كلب، وجيران يرفعون الكراسي من مناسبة كان فيها طعام فعلًا. فتحت الحلوى التي تركتها عمته وقطعت منها قطعة صغيرة.

لم تكن المفضلة لدي.

لكنها كانت أول شيء آكله منذ سنوات دون أن أفكر إن كان سيكفي له.

يوم الاثنين بدأت في المكان الصغير.

كان السوق يستيقظ مبكرًا، مع أبواب المحلات المعدنية وهي ترتفع، ورائحة الشاي والقهوة، واللحم الطازج، والبقدونس المبلل، والصمون الساخن. أعارتني أم فاضل

طاولة بلاستيكية، ورتبت عليها أطباق المهلبية، وقطع الكيك، والبسكويت، وعلب الحلوى الصغيرة.

في البداية كانت يداي ترتجفان.

ثم بعت أول قطعة.

ثم الثانية.

ثم طلبت مني امرأة ثلاث صواني حلوى ليوم الجمعة.

وعندما وضعت المال في صندوقي الجديد، شعرت بشيء لم أشعر به منذ كنت صغيرة.

فخر بلا إذن.

بقي حسام في البيت تسعة أيام.

تسعة أيام من الصمت، وإغلاق الأبواب بقوة مكتومة، وطعام يشتريه من مطعم قريب. في اليوم العاشر، خرج بحقيبتين. لم يعتذر. ليس بصدق. فقط قال

سترين أن لا أحد سيتحملك.

كنت أغلق صندوق بسكويت لأحد الطلبات.

قلت

لا أحتاج أن يتحملني أحد. أحتاج أن يحترمني.

خرج.

أُغلق الباب.

وسكن المطبخ.

أشعلت الموقد لأول مرة منذ عيد ميلاده. ليس لأطبخ الدولمة.

ولا لأطعم عائلته. ولا لأثبت حبي.

وضعت الماء ليغلي من أجل القهوة.

ثم سخنت خبزًا، وحضرت لنفسي بيضتين مع صلصة خضراء وفاصوليا وقطعة جبن اشتريتها من السوق. جلست وحدي على الطاولة.

وحدي.

لكنني لم أكن فارغة.

بعد أشهر، كبر عملي. ليس كثيرًا. بما يكفي. كنت أبيع الحلويات ثلاث مرات في الأسبوع، وأعمل في القرطاسية، وبدأت أوفر المال.

كانت أم حسام تمر أحيانًا على السوق.

في البداية كانت تمر من بعيد فقط.

وفي يوم اقتربت واشترت علبة حلوى.

قالت

لي أنا. ليست لحسام.

حاسبتها.

دفعت دون نقاش.

تمتمت

فهمت الدرس جيدًا.

لم نصبح صديقتين.

ولم يكن ذلك ضروريًا.

حاول حسام أن يعود مرتين.

الأولى بالورد.

والثانية بالجوع.

قال لي

أفتقد طعامك.

نظرت إليه من عند الباب.

هذا لم يكن يومًا مثل أن تفتقدني أنا.

لم يعرف كيف يرد.

أغلقت الباب.

اليوم موقدي يشتعل.

أحيانًا لأجلي. وأحيانًا للعمل. وأحيانًا لصديقاتي اللواتي يأتين مساء الجمعة ومعهن خبز وضحك وحكايات. لم يعد مطبخي محكمة، ولا مصنع خدمات مجانية. صار مكاني.

ما زلت أحتفظ بالملف الأخضر.

الإيصالات.

قائمة عيد الميلاد.

والورقة التي كتبت فيها المبلغ الذي لم أدفعه.

أحتفظ بها لا من باب الحقد، بل من باب الذاكرة.

لأن ذلك السبت كان الجميع ينتظر وليمة.

وقد حدثت الوليمة فعلًا.

لكنها لم تكن من الدولمة، ولا الكباب، ولا الكيك.

كانت وليمة حقيقة قُدمت باردة، بلا مفرش، وبلا موسيقى.

قال حسام إنني إذا أردت أن آكل، فعليّ أن أدفع ثمن طعامي.

وأنا أطعت.

وحين تركت الموقد مطفأً، اكتشفت أنني لم أكن أفقد عائلة.

كنت أفقد جوعي للإهانة.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى