قصص وروايات

حكايات انجي الخطيب

الدنيا دارت بيا، وصوت ضربات قلبي بقى أعلى من أي حاجة حواليا. سمعت صوت خطوات سريعة وتقيلة طالعة على السلم بره، وصوت خبط متواصل وقوي على الباب: “افتحي يا بنت… افتحي في إيه?!”

بصيت للباب وبصيت ليها، لقيتها واقفة بتبتسم بثقة وثبات جمد الدم في عروقي. في اللحظة دي بالذات، ورغم الخوف والرعب، افتكرت كلمة واحدة بس كانت بتتردد في أذني بصوت خطيبتي الأولى: “ربنا ياخدلي حقي..”

في ثانية واحدة، كانت مسكت ياقة بلوزتها وقطعتها، وهرشت في رقبتها بأظافرها لحد ما علمت دم، وكل دا وأنا واقف مذهول مش قادر أنطق كلمة.

فتحَت الباب بسرعة، وأول ما الباب اتفتح رمت نفسها على الأرض وهي بتصرخ: “الحقني يا بابا! الحقني يا حسام! جايبني بيتنا وبيهددني إنه هيفضحني لو ما تنازلتش عن كل حقوقي!”

دخل أبوها وأخوها حسام زي الثيران الهاجة. حسام هجم عليا بضربة قلم نزلت على وشي طيرت نظارتي، ومسكني من قميصي وزقني في الحيطة. صرخت بكل صوتي: “يا جماعة افهموا! والله العظيم هي اللي عملت كده! هي اللي طلبت مني أجي!”

لكن مين يسمع؟ أبوها مسك عصايا وقرب مني وهو بيتنفض من الغضب: “إحنا أمناك على بنتنا، تقوم تدل البيت في غيابنا وتيجي تهددها؟ إنت قدامك خيار واحد مفيش غيره.. توقع على إقرار التنازل وتسيب الشبكة والقايمة، غير كده أنا طالع على القسم فوراً ومعايا تقرير طبي.”

حسيت إن الفخ اتطبق عليا بإحكام. الموقف مكنش فيه أي مساحة للمفاوضة.. موبايلي وقع على الأرض وانكسرت شاشته، ومفيش أي دليل معايا. إيدي كانت بترعش وأنا بمسك القلم وبصمت على الورقة وأنا حاسس إن كل حرف بكتبه بيقطع جزء من كرامتي.

سبت علبة الشبكة وقمت ماشي. نزلت على السلم وأنا بجر رجلي بالعافية، دخلت عربيتي وقعدت ورا الدركسيون.. بصيت في المراية وشفت وشي المورم، وبكيت بكاء عمري ما بكيته في حياتي. مكنتش ببكي بس من الظلم، كنت ببكي لأني لأول مرة حسيت بمرارة الوجع اللي تسببت فيه لغيري.. حسيت بالحرقة اللي خطيبتي الأولى عاشتها بسبب جبروتي وقسوتي.

رجعت البيت وحكيت لأمي وأختي كل اللي حصل. أختي حضنتني وقالتلي بحزن: “البنت دي لما سيبتها زمان كانت مكسورة القلب، والنهاردة ربك رد لك كل اللي عملته.. العدالة الإلهية مش بتمشي بمزاجنا يا أخويا.”

عدى أسبوع طلقت فيه البنت رسمياً ودفعت المؤجل عشان أشتري دماغي، وخسرت كل تحويشة عمري وكرامتي. في يوم، وبسبب إحساسي بالذنب، طلبت رقم خطيبتي الأولى.. رن كتير ومحدش رد، فبعت لها رسالة بقول فيها:
“أنا اتبهدلت يا بنت الناس، وخسرت كل حاجة.. أنا عرفت يعني إيه ظلم، مش بطلب منك ترجعيلي، أنا بس بترجاكي توقفي دعا عليا.”

بعد ساعتين، شفت العلامتين الزرق.. وجه الرد في كلمة واحدة هزت كياني:
“القصة لسه ما خلصتش.”

تاني يوم، اكتشفت إن طليقتي وعيلتها بيشهروا بيا في المنطقة وبيقولوا كلام كذب عشان يغطوا على الحكاية. وفي وسط القهر، جالي اتصال من والد خطيبتي الأولى بيطلب يقابلني.

رحت وقابلته في كافيه. الراجل بص لي نظرة حزن وقال لي: “أنا عرفت كل اللي حصل معاك.”
وطلع من جيب مظروف بني حطه قدامي وقال: “دا حقك.. دي فلوسك وقيمتك اللي طليقتك التانية نصبوا عليك فيها.”

فتحت المظروف ومريت بصدمة؛ لقيت القايمة والشبكة وفلوس كاش! سألته باستغراب شديد عن اللي وصل الحاجات دي ليه.
ابتسم وقال: “أختي متجوزة عم طليقتك الجديدة.. ولما بنتي عرفت باللي حصل معاك من قرايبنا، وإنهم عملوا عليك تمثيلية، بنتي هي اللي اتحركت! قدرت توصل لتسجيلات ومحادثات قديمة بتثبت أنهم متفقين يعملوا كدة لابتزاز الناس، وراحت واجهت أهلها بالدلايل وقالتلهم: (يا إما ترجعوا للراجل حقه، يا إما الفضايح والنيابة هتبقا مصيركم). بنتي هي اللي جابتلك حقك وكرامتك عشان تثبت إن ربنا ما بيسيبش مظلوم.”

كلمات الراجل نزلت زي الصاعقة. البنت اللي أنا دست على قلبها زمان، هي اللي وقفت وجابتلي حقي!

جريت على بيتها، ونزلت على ركبي قدامها بعيط: “سامحيني.. أنا عرفت قيمتك وأسف على كل حاجة.. مستعد أعيش خدام تحت رجليكي بس ارجعيلي.”

بصتلي بهدوء شديد وقالت: “أنا سامحتك لوجه الله عشان أعرف أكمل حياتي، لكن الرجوع مستحيل. أنا جبتلك حقك عشان ربنا أمرنا بالعدل ومش أقبل بظلمك، وعشان أثبت لنفسي إن دعوة المظلوم بتجيب حقها، بس مشاعري ماتت ومش هترجع. أنت بالنسبة لي بقيت مجرد درس قاسي اتعلمت منه، والدرس انتهى.”

سيبت البيت وأنا حاسس إن الفلوس اللي في إيدي ملهوش أي طعم قصاد الخسارة الحقيقية. مرت الأيام، صلحت ديوني، وبدأت أفتح صفحة جديدة في مكان تاني بعيد، وأنا بجدد نيتي وأتوب ربنا في كل خطوة.

بعد فترة، سمعت إنها اتخطبت لمهندس محترم وكتبت كتابها وبتسافر الخليج. وقبل خطوبتها بكتير، بعتلها هدية بسيطة مع كارت مكتوب فيه: “شكراً إنك علمتيني أكون راجل.. ربنا يسعدك.”
وردت عليّا برسالة أخيرة تحت دبلة خطوبتها: “عفواً.. ودعواتي لك بالهدى.”

قفلت الموبايل وحسيت براحة غريبة.. راحة الإنسان اللي اتقضى دينه وتاب بصدق. اتجوزت بعدها بسنين بنت أصول، وعرفت معنى السكينة والتقوى بجد.

القصة ما ختمتش بالنهاية اللي كنت بتتمناها وأنا مكسور، بس ختمت بالنهاية اللي كانت محتاجاها روحي عشان أتغير وأكون إنسان بجد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى