
أمه طلعت جري وراه وهي بتصرخ:
“شفت؟ شفت الفلاحين عملوا فينا إيه؟ شفت قلة الأدب والهمجية؟ دول جايين يهددونا في بيتنا يا مروان!”
مرات أخوه قالت بمرارة وهي بتبص للأكياس السودا اللي فيها اللحمة والبط اللي مروان لسه منزلهم:
“طب واللحمة دي هنعمل فيها إيه؟ دول شكلهم مش راجعين تاني يا أمي.. والخير ده كده انقطع خلاص!”
مروان بص لأمه ولمرات أخوه بنظرة مليانة غل وقرف، ولأول مرة يحس بالندم.. مش عشان خسر ياسمين، لكن عشان لقى نفسه فجأة في مواجهة عيلة قوية وصاحبة حق، وعشان عرف إن الأيام الجاية مش هتكون سهلة أبداً، وصوت كلام الحاج صلاح “أنا مش هسيب في جيبك مليم واحد” كان بيرن في ودنه زي جرس الإنذار.
مرت الأيام، وياسمين رجعت بيت أبوها في المنوفية، رجعت للوسط الطيب والأرض والراحة النفسية اللي انحرمت منها لسنة كاملة. ولدت ياسمين وجابت ولد زي القمر سمته “ياسين”. مروان مروحلهاش المستشفى ولا فكر يسأل، بل بالعكس، بدأ يجهز مع محامي عيلته لخطته الجاية عشان ينتقم من ياسمين ويحرق قلبها على ابنها..
مروان كان قاعد مع المحامي بتاعه في مكتبه، والمحامي بيبص في الأوراق وقال بنبرة خبيثة:
“بص يا مروان بيه.. هما فلاحين ومعاهم فلوس، بس القانون معانا في نقطة الحضانة والرؤية.. إحنا هنرفع قض*ية ضم وتخفيض نفقة، ونعملهم إنذار طاعة على الشقة.. ونخليهم هما اللي يجروا وراك عشان يتنازلوا عن كل حاجة مقابل إنهم يخلصوا منك!”
مروان ابتسم بخبث وبص من الشباك وقال: “أنا هخليهم يدفعوا تمن اليوم اللي نزلوني فيه من على السلم قدام المنطقة كلها.. وهعرف الحاج صلاح مين هو المغفل الحقيقي!”
لكن مروان مكنش يعرف إن الحاج صلاح كان مرتب خطوة تانية خالص، خطوة هتزلزل كيان مروان وتخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يتحدّى فلاحين المنوفية..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الخطة اللي جهزها مروان مع المحامي بتاعه كانت بالنسبة له هي ضربة معلم، كان فاكر إن لف ودوران المحاكم والإنذارات هيخلي الحاج صلاح يخاف على سمعة بنته ويجي يترجاه ويبوس على إيده عشان يطلق ياسمين بالمعروف ويتنازلوا عن كل حقوقها.
في نفس الأسبوع، وصل لبيت الحاج صلاح في المنوفية إعلان على يد محضر: “إنذار بالطاعة” يطالب فيه مروان زوجته ياسمين بالعودة لبيت الزوجية في الشقة الشعبية، وإلا هتعتبر “ناشز” وتسقط كل حقوقها النفقة.
ياسمين لما شافت الورقة في إيد أبوها، جسمها ارتعش ودموعها نزلت وهي شايلة ابنها ياسين اللي بقى عنده شهرين دلوقتي، وقالت بكسرة:
“شفت يا بابا؟ شفت الجحود بتاعه وصل لفين؟ باعت لي إنذار طاعة وعايز يجرجرني في المحاكم ويبهدلني وأنا لسه قايمة من ولادتي!”
الحاج صلاح خد الورقة من إيدها ببرود شديد، وبص لها وابتسامة هادية وواثقة مرسومة على وشه الطاهر، وطبطب على كتف بنته وقال بنبرة هادية بس فيها قوة تهز جبال:
“يا بنتي، اللي يربط حمار في ساقية، لازم يستحمل لفه ودورانه. مروان مفكر إن القانون ده اتعمل للناس اللي بتلبس بدل وبس، وميعرفش إن القانون بيحمي أصحاب الحق والناس اللي شقيانة في أرضها ومبتظلمش حد. نامي وارتاحي يا ياسمين، وسيبي مروان يلعب في الطين شوية، لغاية ما أوريه الطينة الحقيقية شكلها إيه.”
في اليوم التاني الصبح، الحاج صلاح مأخدش ياسمين ولا راح للمحامين بتوع قضايا الأسرة؛ راح في سكة تانية خالص مروان عمره ما كان يتخيلها.
دخل الحاج صلاح ومعه المحامي الخاص بالعيلة لمديرية الأمن، وقدموا بلاغات ومستندات تانية خالص مكنتش في الحسبان.
في نفس الوقت، كان مروان قاعد في مكتبه في الوظيفة الإدارية في المدينة، لابس بدلة شيك وحاطط رجل على رجل، وبيشرب قهوته وهو بيكلم أمه في التليفون وبيضحك بصوت عالي:
“يا أمي بقولك متقلقيش، المحامي بعت لها إنذار الطاعة والوقت في صالحنا. هما دلوقتي تلاقيهم بيلطموا ومش عارفين يعملوا إيه. أسبوعين بالكتير والحاج صلاح هيبعت لي ناس كبار من البلد عشان يطلبوا الصلح، ووقتها أنا اللي هحط شروطي.. هخليه يكتب شقة باسمي، ويكتب للولد حتة أرض من بتوعه، وإلا هسيب بنته معلقة لا طايلة سما ولا أرض!”
أمه ضحكت من قلبها وقالت: “تربيتك يا واد يا مروان! أهو كده الرجولة، خليهم يعرفوا إن ولاد المدينة مش ساهلين، وإننا مش هناكل من خيرهم ببلاش.. إحنا ناخد عيونهم كمان!”
وهو لسه بيضحك وبيقفل السكة مع أمه، الباب بتاع مكتبه اتفتح فجأة بقوة.
دخل مدير الإدارة ومعاه اتنين من رجال الشؤون القانونية بالشركة، ووراهم اتنين عساكر وأمين شرطة بملابسهم الرسمية!
مروان اتنفض من على الكرسي والقهوة اتدلقت على بنطلونه الشيك، وقال بلجلجة وخوف:
“في إيه يا فندم؟ إيه اللي بيحصل ده؟”
مدير الإدارة بص له بنظرة قرف واحتقار وقال بوضوح:
“الأستاذ مروان، جالك قرار وقف عن العمل فوراً وتحويلك للنيابة الإدارية والتحقيق العام بتهمة اختلاس وتزوير في محررات الشركة الرسمية واستغلال وظيفتك!”
مروان وشه بقى أصفر زي الليمونة وركبه سابت:
“تزوير إيه واختلاس إيه؟ ده كذب وافتراء! أنا معملتش حاجة!”
أمين الشرطة قرب منه ومسكه من دراعه بقوة وقال بصوت جاف:
“اتفضل معانا من غير شوشرة يا أستاذ، في أمر ضبط وإحضار صادر ضدك بناءً على البلاغ المقدم من المستشار القانوني لشركة (الصلاح للتجارة والتوريدات) اللي بتتعامل مع شركتكم، ومقدمين مستندات وإيصالات رسمية ممضية بخط إيدك وصورتك وصوتك وإنت بتستلم مبالغ ورشاوي لتسهيل عقود توريد وهمية!”
مروان انهار تماماً وبدأ يعرق بغزارة والبدلة الشيك مبقتش لايقة على منظره وهو مكلبش وإيديه ورا ضهرها والكلابشات الحديد بتعور معصمه. وهو خارج من الشركة والكل بيبص عليه وبيتوشوش بنظرات الفضيحة، لمح في آخر الممر واقف عم ياسمين الكبير، وهو لابس جلبابه الصوف وبيبتسم له نظرة سخرية قاتلة، ومسك تليفونه واتصل بالحاج صلاح وقال له جملة واحدة:
“تم يا حاج.. الحمار دخل الساقية.”
مروان مكنش يعرف إن الحاج صلاح، بجانب أرضه وزراعته، هو الشريك الأكبر ومورد المحاصيل الرئيسي للشركة الكبيرة اللي مروان شغال فيها، وإن نفوذ الحاج صلاح وعلاقاته التجارية في السوق أكبر بكتير من مكتب إداري تافه مروان كان بيتنطط بيه على الناس. الحاج صلاح بذكائه قدر يكشف تلاعب مروان المالي اللي كان بيعمله من ورا الشركة ويسرق بيه عملاء التوريدات، وجمع كل الأدلة بالصوت والصورة والمستندات القانونية اللي توديه ورا الشمس!
في نفس الليلة، حمات ياسمين ومرات أخو مروان كانوا قاعدين في البيت مستنيينه يرجع بالبشارة، وفجأة الباب خبط بقوة.
جرت أمه تفتح وهي بتقول بفرحة: “جيت يا مروان يا ابني؟”
لكن الصدمة كانت لما لقت اتنين محضرين ومعاهم قوة من الشرطة واقفين على الباب ومعاهم أمر رسمي:
“تنفيذ قرار تمكين مشترك للزوجة ياسمين صلاح من شقة الزوجية بكامل منقولاتها وأجهزتها، مع طرد أي شاغلين للشقة أو مانعين للتمكين فوراً بقوة القانون!”
أم مروان بدأت تصرخ وتلطم وتصوت وسط ذهول الجيران اللي اتلموا في الشارع:
“شقة ابني يا ناس! عفش ابني! دي شقتنا وعمارتنا! إزاي دي تمكنوها وهي قاعدة في بلدها؟”
المحامي اللي واقف مع المحضرين بص لها ببرود وقال:
“القانون بيمكن الحاضنة وصاحبة الحق يا أمي.. والمنقولات دي كلها مكتوبة في قائمة جهاز الزوجة اللي ممضية من ابنك مروان بمليون جنيه فدي حاجتها وحقها القانوني. اتفضلوا اخلوا الشقة فوراً من أي حاجة تخصكم عشان هنسلمها للأستاذة ياسمين ووالدها رسمي!”
الجيران بقوا يتفرجوا ويقولوا: “يا عيب الشوم! بياكلوا خير الناس ويطمعوا فيهم، وربنا جاب حق الفلاحين الطيبين في ثانية!”
في قسم الشرطة، كان مروان قاعد في الحجز، هدومه متبهدلة والبدلة الشيك اتبقعت بالتراب والعرق، وعينه مكسورة تماماً وهو بيبكي بخوف ورعب من فكرة السجن وضياع مستقبله ووظيفته وفضيحته وسط الناس.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعه دخل له الزيارة، ومروان جرى عليه ومسكه من قميصه وهو بيصرخ:




