
“الله.. الله! عجل بحاله؟ ده إنتوا طلعتوا بتفهموا أهو.. هاتي الأكياس دي كلها يا ياسمين!”
بدأ يلم في اللحمة الكبيرة، والبط، وحطهم في كيس أسود كبير وهو بيقول بانتصار:
“أنا نازل لأمي وأخويا أفرّحهم بالخير ده. قولي لأبوكي المرة الجاية يجيب معاه شكارة رز فلاحي من اللي عنده في المخزن عشان البيت هنا محتاج!”
ياسمين وقفت وكتفت إيديها وبصت له بنظرة قرف واحتقار خلت مروان يستغرب قوتها المفاجئة. قالت له بنبرة هادية بس مرعبة:
“انزل يا مروان.. انزل باللحمة والبط لأمك ومرات أخوك، شبعهم من خير الفلاحين المغفلين. بس افتكر كويس.. اللي بياكل مال الناس بالباطل ويستغل طيبتهم، ربنا بياخد منه غالي قوي.”
مروان ضحك باستهزاء وهو بيشيل الكيس التقيل:
“بقينا بنقول حكم ومواعظ كمان؟ خليكي في خيبتك يا بنت الفلاحين، ورجوعي هشوف حساب التصنت بتاع امبارح ده.”
نزل مروان وهو فرحان بالصيد اللي صاده. ياسمين مدخلتش تعيط المرة دي. دخلت أوضتها، لمت كل لبسها ولبس النونو اللي لسه مجاش في شنطة واحدة. قعدت على السرير ومسكت تليفونها، وكتبت رسالة واحدة لأبوها:
“يا بابا، أنا محتاجاك ترجع تاخدني.. مروان مطلعش ابن ناس، ومروان مطلعش بيصون. أنا مستنياك على السلم.”
في نفس الوقت تحت في شقة حماتها، كان مروان قاعد وسط أمه ومرات أخوه، حاطين اللحمة والبط على الطربيزة والضحكة مالية وشوشهم.
أمه قالت بنبرة حقد:
“والله وطلع وراهم فايدة الفلاحين دول.. بكره لما ياسمين تولد، خليهم يجيبوا دهب للمولود، هما أطيان وعندهم فلوس بالكوم!”
مرات أخوه ضحكت وقالت: “آه والله يا مروان، البيت اتملى خير من ورا زيارات أبوها.. خليهم يجيبوا علطول.”
مروان كان بياكل حتة فاكهة وهو حاطط رجل على رجل وقال بكل غرور:
“متلقوش هم يا جماعة، أنا ممشيها على العجين متلخبطوش.. كل ما أهلها يجوا، هبهدلهم وهما هيجيبوا أكتر عشان يرضوني.. دول ناس غلابة وبيخافوا على زعل بنتهم.”
لكن فرحة مروان مكملتش.. فجأة، سمعوا برة في الشارع صوت كلاكيت عربيات كتير، وصوت رجالة فلاحين جِديين وصوتهم قوي وهما بينادوا في الشارع بصوت عالي:
“يا ياسمين! يا بنت الحاج صلاح! انزلي يا بنتي أبوكي واقف تحت الشباك!”
مروان اتنفض من مكانه، وبص من الشباك وشه اتخطف تماماً.. الشارع الضيق كان واقف فيه تلات عربيات نص نقل مليانين رجالة من عيلة ياسمين، وفي النص واقف الحاج صلاح بجلبابه وهيبته، وعينه بتبص لفوق والغضب مالي وشه.
ملامح مروان اتغيرت في ثانية، واللون هرب من وشه وهو شايف هيبة الحاج صلاح والرجالة اللي معاه ماليين الشارع الضيق. تليفونه في جيبه كان بيرن، بص للشاشة لقى اسم ياسمين، كنسل عليها بسرعة وبص لأمه اللي وقفت وراه عند الشباك تلطم على صدرها وتقول بخوف:
“يا مصيبتي يا مروان! إيه الرجالة والهمج دول اللي واقفين تحت بيتنا؟ دول جايين يتخانقوا ولا إيه؟ كلم أخوك يجي بسرعة!”
مروان حاول يتماسك ويرجع لوش الهدوء والبرود اللي بيستخبى وراه، وقال بنبرة مهزوزة:
“متخافيش يا أمي.. تلاقيهم جايين يوصلوا ياسمين ولا حاجة، أنا هطلع أشوف في إيه.”
طلع مروان جري على السلم، وبمجرد ما وصل للدور بتاعه، اتصدم لما لقى باب شقته مفتوح على آخره. ياسمين كانت واقفة على باب الشقة، لامة شعرها، ولابسة عبايتها، وفي إيدها شنطة هدومها الكبيرة، وعينها مفيهاش ولا دمعة.. كانت بتبص له بنظرة قوة وتحدي أول مرة يشوفها فيها.
مروان اتعصب ومسك الشنطة من إيدها بقوة وقال بصوت واطي واش ومكتوم عشان الجيران ميسرعوش:
“إنتِ رايحة فين بالشنطة دي؟ وإيه المهزلة اللي أبوكي عاملها تحت في الشارع دي؟ إنتِ اتجننتي؟ عاوزة تفضحيني وسط منطقتي وأهلي؟”
ياسمين زقت إيده ببرود تام وقالت بصوت قوي وواضح سمع الجيران اللي بدأت تفتح شبابيكها:
“الفضيحة هي عيشتي معاك يا مروان. الشنطة دي فيها لبسي، والشارع تحت فيه كرامتي وأهلي اللي إنت فكرتهم مغفلين. انزل كلم أبويا لو عندك ركن راجل وقادر تقف قدامه!”
مروان حس برعب حقيقي من النبرة دي، وحاول يلعب بلعبة التهديد اللي دايماً بتجيب معاها نتيجة، مسك دراعها ولواه ورا ضهرها وهمس بغل:
“لو خطيتي خطوة واحدة برة الباب ده، مش هتشوفي ابنك اللي في بطنك ده تاني، وهحرمك منه طول عمرك.. انزلي هاتي الشنطة دي وادخلي جوة!”
في اللحظة دي، مروان مسمعش غير صوت خطوات تقيلة وسريعة طالعة على السلم، وصوت عصاية غليظة (شومة) بتخبط على الدرج بقوة. قبل ما مروان يستوعب، لقى الحاج صلاح ومعاه اتنين من أخواته الرجالة الكبار واقفين قدامه على البسطة.
الحاج صلاح بص لإيد مروان اللي لاوية دراع بنته، وعينه طق منها الشرر. وبصوت زي الرعد هز العمارة كلها، قال:
“سيب إيد بنتي يا مروان.. بدل ما أخلي السلم ده ينزل عليه دمك!”
مروان ساب إيد ياسمين بسرعة ورجع خطوتين لورا وهو بيبلع ريقه، وبدأ يتكلم بلباقته المزيفة اللي ضاعت نصها:
“يا حاج صلاح.. أهلاً بحضرتك، بس مش كده.. دي بيوت ليها حرمة، ومينفعش تدخل بالطريقة دي وتاخد مراتي من غير إذني.. ياسمين مراتي وعلى ذمتي وفي بيتي!”
الحاج صلاح قرب منه، وبص له بصه خلت ركب مروان تتخبط في بعضها، وقال بنبرة تقطر هيبة وقسوة:
“بيتك؟ البيت اللي أنا دافع تمن نصه ومجهزه بدم قلبي عشان أصون بنتي؟ والذمة اللي بتتكلم عنها دي، هي الذمة اللي تخليك تستخبى في الأوضة لما أدخل بيتك، وتسمينا فلاحين ومغفلين وإحنا جايبينلك خير أرضنا لحد عندك؟”
مروان وشه اتخطف وبص لياسمين بغضب، وعرف إن المكالمة بتاعة امبارح وصلت لأبوها. حاول ينكر بسرعة وقال بلجلجة:
“يا حاج.. دي ياسمين بتتبلى عليا.. ده كلام حريم ووقيعة، أنا عمري ما أقول كده عليكم.. ده إنتوا أهلي وناسي!”
هنا ياسمين اتكلمت بصوت عالي وواضح وسط ذهول حماتها ومرات أخوه اللي كانوا واقفين على سلم الدور الأرضي يتفرجوا:
“أهلك وناسك يا مروان؟ والبط واللحمة اللي أهلي بيجيبوهم لبيتي وتنزله لأمك وتقول عليا بخيلة وجايبين قليل؟ والدهب اللي أمك كانت بتقولك تخليهم يجيبوه لما أولد؟ إنت مفكرنا مش سامعينكم؟ إنت واخدني عشان طمعان في قرشين أبويا وأرضه، وبتعاملني كأني جارية عندك!”
الحاج صلاح شاور لبنته تطلع برة الشقة وتنزيل مع عمامها، وياسمين نفذت فوراً ونزلت وهي رافعة راسها لفوق.
مروان حاول يجري وراها ويمسكها: “استني هنا! إنتِ مش هتخرجي من هنا!”
لكن عم ياسمين الكبير، راجل عريض المنكبين ووشه قاسي من شمس الغيط، وقف قدام مروان وزقه في صدره زقة رجعته لآخر الصالة وقال بصوت غليظ:
“الزم حدودك يا روح أمك.. الكلمة هنا للحاج صلاح، والراجل فيكم يقرب خطوة واحدة من البنت!”
الحاج صلاح وقف على عتبة الباب، وبص لمروان وبص لشقة أمه اللي تحت، وقال بوضوح شديد سمعته المنطقة كلها:
“بنتي غالية يا مروان.. غالية قوي ومجبتهاش من الشارع عشان يربيها واحد زيك ميعرفش الأصول ولا شبع في بيت أبوه. الخير اللي كنت بتاكله وتذم في أصحابه.. اتحرمت منه ليوم الدين. وبنتي مش هتعتب البيت ده تاني.. والولد اللي في بطنها ده، هيتولد في وسط رجالة وسيد الرجالة يعرفوه يعني إيه أصل وكرم.”
مروان صرخ بغل وحقد وهو شايف كل حاجة بتضيع من إيده:
“هطلقها! ومش هتشوفوا مني مليم واحد.. والولد ده مش هتشوفوه، وهرفع عليها قضايا طاعة وأبهدلها في المحاكم!”
الحاج صلاح ابتسم ببرود وثقة، وحط إيده على كتف مروان وقرص عليه بقوة وجعته لدرجة إنه تأوه، وقال له همس مسموع:
“المحاكم دي للي زيك يا مروان.. إحنا فلاحين وبنعرف نجيب حقنا بالقانون وبالأصول وبحاجات تانية كتير إنت متستحملهاش. طلقها بالمعروف واستر نفسك.. لإن لو المحاكم بدأت، أنا مش هسيب في جيبك الأبيض ده مليم واحد، وهخليك تمشي تتسول تمن البدلة الشيك اللي إنت لابسها دي.. ومؤخرها وقائمتها وكل قرش دفعته هيطلع من عينك وعين أهلك.”
الحاج صلاح التفت ونزل السلم بكل هيبة، ومروان واقف مكانه في الصالة جسمه كله بيترعش من الغيظ والخوف. نزل وراهم يبص من البلكونة، شاف العربيات بتتحرك وياسمين راكبة جنب أبوها في العربية الأولى، والناس في الشارع واقفة تتفرج وتتوشوش عليه وعلى أهله بعد ما الفضيحة بقت بجلاجل.




