روايات وقصص

مرات ابويا حكايات انجى الخطيب

سلمى كانت قاعدة على السفرة النحاس، قدامها دفاتر الحسابات، وفي إيدها القلم. شكلها اتغير تماماً؛ هدوء وثقة في ملامحها، وشال حرير خفيف على كتفها، وفي إيدها لمعة الذهب اللي جابوهولها من المركز.

 

أم صابر دخلت الصالة وفي إيدها صينية عليها فطير مشلتت دافي وعسل، حطتها بابتسامة صافية:

 

* “تسلم إيديكي يا ست سلمى، الحسابات بتاعة التاجر اللي جه الصبح طلعت مظبوطة بالميعاد، الحاج راشد كان طاير بيكي من الفرحة وهو طالع المزرعة.”

 

سلمى ابتسمت ابتسامة هادية وهي بتقلّب الصفحة:

 

* “الحمد لله يا أم صابر.. المكان هنا فيه خير كتير، بس كان محتاج شوية تنظيم مش أكثر.”

 

في اللحظة دي، اتسمع صوت خبط خفيف ومتحدد على البوابة البرانية. معوض فتح، ودخلت نوال ومعاها داليا.

 

المرادي ما كانوش داخلين بعصبية أو بقلة قيمة زي المرة اللي فاتت. نوال كانت ماشية بتتلفت حواليها بذهول، عينيها بتاكل النظافة والترتيب اللي بقى في الدوار، وشجر الموالح اللي تقلم وتظبط، والدفء اللي مالي المكان. وداليا كانت ماشية وراها بكسرة عين حقيقية، أخيرًا استوعبوا إن سلمى مش راجعة، وإن المكان ده بقى ملكها.

 

سلمى رفعت عينها من على الدفتر. ما قامتش تجري، ولا اتوترت. فضلت قاعدة بمقامها، وشاورت لأم صابر بهدوء:

 

* “هاتي كباية شاي للضيوف يا أم صابر.”

 

نوال قربت بخطوات متسلسلة، وقعدت على طرف الكرسي بتودد مصطنع وصوت حنين غريب:

 

* “إزيك يا سلمى يا بنتي؟ قلبي كان أكلني عليكي، قلت أجي أطمن عليكي بنفسي ونشوف احتياجاتك.”

 

سلمى بصلتها بنظرة هادية جداً، مفيهاش أي غل، بس فيها مسافة أطول من السكة بين بيت أبوها والمزرعة:

 

* “الحمد لله يا مرات أبويا.. أنا في خير ونعمة، والحاج راشد مش مخلي بيته محتاج حاجة.”

 

داليا قعدت جنب أمها، بصت لإيد سلمى وللغوايش الدهب، وقالت بنبرة خافتة خالية من السخرية بتاعة زمان:

 

* “البيت بقى شكله حلو أوي يا سلمى.. الناس في البلد كلها مبقاش حيلتهم غير الكلام عن شطارتك في حسابات المزرعة، وعن هيبة الحاج راشد وهو بيمشي كلامك قدام الكل.”

 

سلمى حطت القلم على الدفتر، وبصت لداليا مستقيمة:

 

* “عشان الراجل الأصيل لما بيدي الأمان لست، بيخليها تقف على حيلها.. مش بيكسرها يا داليا.”

 

الكلام نزل على نوال وداليا زي المية الساقعة. نوال بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تغير الموضوع:

 

* “أصل أبوكي عبد الرحمن رجله تعبانة شوية، وكان يتمنى يزورك بس…”

 

قبل ما تكمل جملتها، اتفتح باب الدوار الخشب.

 

دخل راشد. هيئته العريضة وجلابيته الكحلي النظيفة

مرات أبويا، “نوال”، شبكت صوابعها قدام صدرها وقالت:

 

“إحنا مش هنقدر نفضل شايلين سلمى طول العمر.”

 

بصيتلها وقلت بهدوء:

 

“أنا بشتغل.”

 

ضحكت بسخرية.

 

“بتخيطي هدوم يعني؟”

 

“وبساعد بابا في الحسابات.”

 

قالت:

 

“وبتاكلي كمان.”

 

الجملة نزلت عليّا أتقل من أي شتيمة.

 

بصيت لأبويا.

 

مستنية منه كلمة واحدة.

 

لكنه ما قالش حاجة.

 

وفجأة…

 

خبط حد على الباب.

 

مش خبطة عادية.

 

تلات خبطات تقيلة، خلت كل اللي في البيت يسكت.

 

الخدامة راحت فتحت الباب.

 

وكان واقف على العتبة راجل طويل وعريض، لابس جلابية صوف تقيلة فوقها جاكت شتوي غامق، وجزمته عليها تراب من الطريق.

 

وشه كان مسمر من الشمس، وملامحه هادية لكن فيها هيبة تخلي أي حد قدامه يحسب كلامه قبل ما يتكلم.

 

أنا عرفته فورًا.

 

“راشد المنشاوي.”

 

أكبر صاحب أراضي ومواشي في المنطقة.

 

كان عنده مزارع كتير، وبيملك أرض واسعة في أطراف البلد، ومخازن غلال، ومزرعة مواشي كبيرة، وعمال بالعشرات شغالين عنده.

 

الناس كلها كانت عارفة حكايته.

 

مراته ماتت من خمس سنين، ومن يومها وهو رافض كل محاولات الجواز اللي كانت بتجيله.

 

أبويا قام بسرعة من مكانه.

 

وقال:

 

“يا أهلا يا أستاذ راشد.”

 

راشد شال الجلابية عن كتفه شوية وخلع الطاقية الصوف من على راسه.

 

وقال:

 

“إزيك يا عبد الرحمن؟”

 

مرات أبويا اتغيرت ملامحها في ثانية.

 

وشها اللي كان مليان تكشيرة بقى فجأة بشوش.

 

وصوتها اتحول لصوت حنين مصطنع.

 

وقالت:

 

“يا أهلا وسهلا، البيت نور والله.”

 

راشد حتى ما بصش لها.

 

عينه لفت في الصالة.

 

وبعدين وقفت عليّا.

 

مش على الفستان القديم اللي لابساه.

 

ولا على إيدي اللي فيها آثار الخياطة.

 

بص في وشي مباشرة.

 

وقال:

 

“دي سلمى؟”

 

البيت كله سكت.

 

أبويا بلع ريقه وقال:

 

“أيوه.”

 

وبعدين، كأنه بيقدم له حاجة بايظة أو ناقصة، قال:

 

“بنتي الكبيرة… أرملة… وماخلفتش.”

 

مرات أبويا دخلت بسرعة في الكلام:

 

“وللأسف، على حسب اللي اتقال، الدكاترة شايفين إنها مش هتخلف.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى