قصص من الحياة

كنت لسه حامل

وبالفعل، بعد أقل من ساعة كان واقف قدام البيت.

وصلنا للمركز.

المبنى كان قديم، وبابه الحديد عليه طبقة صدأ.

دخلنا.

استقبلتنا ست كبيرة في السن، ولما شافت الصورة في إيدي، وشها اتغير.

قالت

إنتِ مرات محمود؟

اتجمدت.

إنتِ تعرفيه؟

بصت للصورة، وبعدها بصتلي.

مش هو اللي أعرفه أنا أعرف الطفل اللي في الصورة.

قلبي دق بسرعة.

طفل؟

أشارت لجوزي.

محمود كان بييجي هنا وهو صغير.

بصيت للظابط.

وبعدين رجعت أبص لها.

بس جوزي عمره ما قال لي إنه عاش هنا.

تنهدت الست.

لأنه ماكانش بييجي هنا بمزاجه.

سكتنا كلنا.

وبعد لحظة، قالت

محمود كان واحد من الأطفال اللي اتسجلوا هنا زمان.

حسيت إني مش فاهمة.

يعني إيه اتسجلوا؟

قبل ما تجاوب، دخل راجل كبير من آخر الممر.

أول ما شاف الصورة

وقف مكانه.

وشه اصفر.

وبص للست.

وقال بصوت منخفض

إنتِ ليه وريتيها الصورة؟

الظابط اتحرك ناحيته.

إنت مين؟

الراجل ما ردش.

فضل باصص للصورة.

وبعدين قال

كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

سألته

إنت تعرف جوزي؟

رفع عينيه ناحيتي.

أنا كنت أعرفه قبل ما يعرفك بسنين.

حسيت إن نفسي اتقطع.

مين الراجل اللي واقف معاه في الصورة؟

سكت فترة طويلة.

وبعدين قال

ده كان المسؤول عن المكان زمان.

الظابط سأله

واسمه؟

الراجل بص ناحية الباب.

وكأنه خايف حد يسمعه.

وبعدين قال

الحاج فؤاد.

الاسم وقع على ودني كأنه مألوف.

لكن مش عارفة منين.

وفجأة، الراجل قال

جوزك ماكانش بيدور على الحاج فؤاد.

سألته

أمال كان بيدور على مين؟

قال

كان بيدور على بنت.

اتجمدت.

بنت؟

هز رأسه.

بنت كانت موجودة هنا من سنين.

الظابط قرب منه.

اسمها إيه؟

الراجل بصلي مباشرة.

وقال

اسمها كان مكتوب في نفس السجل اللي كان فيه اسم محمود.

حسيت إن الدم انسحب من وشي.

يعني إيه؟

قال

محمود كان بيحاول يوصل لها قبل ما .

في اللحظة دي، بنتي بدأت تبكي في .

بصيت لها.

وبعدين للرجل.

وسألته

هو كان عايز يوصل لها ليه؟

الراجل ماجاوبش.

لكن الست الكبيرة اللي كانت واقفة جنبنا قالت بصوت مرتعش

لأن محمود اكتشف حاجة عن ماضيه حاجة كان فيه ناس مستعدين يعملوا أي حاجة عشان تفضل مستخبية.

الظابط سألها

فين السجل؟

الست بصت للراجل الكبير.

وبعدين قالت

اتحرق من سنين.

تنفست براحة بسيطة.

لكن الراجل هز رأسه.

وقال

مش كله.

بصينا له.

في نسخة تانية.

فين؟

رفع إصبعه وأشار ناحية آخر الممر.

في غرفة الأرشيف القديمة.

مشينا وراه.

فتح باب خشب تقيل.

ريحة الورق القديم والغبار ضربت في وشي.

فضل يدور بين الرفوف لحد ما سحب صندوق معدني صغير.

حطه على الترابيزة.

فتحه.

وكان جواه ملف واحد.

على الغلاف مكتوب

محمود عبد الرحمن ملف رقم 47

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الملف.

أول ورقة كانت صورة لجوزي وهو طفل.

والورقة اللي بعدها

كانت فيها بياناته.

لكن في خانة واحدة، كان فيه اسم مكتوب بالقلم الأحمر.

اسم شخص.

الاسم اللي جوزي كان بيدور عليه.

والأغرب من كده

إن الاسم كان مرتبط بتاريخ بعد وفاة جوزي ب ثلاثة أيام.

رفعت عيني للظابط.

إيه معنى التاريخ ده؟

قبل ما يجاوب

سمعنا صوت باب المركز بيتقفل بعنف.

وبعدين صوت خطوات سريعة في الممر.

الراجل الكبير بص لنا بخوف وقال

حد عرف إن الملف اتفتح.

وفي نفس اللحظة

اتطفت أنوار المبنى كلها فضلت الست واقفة قدامنا، وإيديها بتترعش وهي ماسكة شنطتها.

الظابط قال لها بحزم

إنتِ سعاد؟

هزت راسها.

أيوه.

أنا قربت منها خطوة.

إنتِ كنتِ تعرفي جوزي منين؟

سعاد بصتلي فترة طويلة، وبعدها قالت

محمود ماكانش بيدور عليا عشان أنا الشخص اللي كان بيدور عليه.

اتوترت.

أمال كان بيدور على مين؟

بصت ناحية الصورة المعلقة على الحائط.

على الحقيقة.

الظابط قال

خلينا نتكلم بوضوح. إيه علاقة الصورة دي بوفاته؟

سعاد قعدت على الكرسي، ووشها كان مليان تعب.

وقالت

الصورة دي اتصورت من أكتر من عشرين سنة. الأطفال اللي فيها كانوا كلهم موجودين في المركز.

سكتت لحظة.

لكن بعد سنين، أغلبهم اختفوا من المكان، وكل واحد راح في طريق.

بصيت لصورة جوزي.

ومحمود؟

قالت

محمود كان مختلف. كان دايمًا بيسأل عن حاجات أكبر من سنه.

زي إيه؟

قالت

كان بيسأل عن أهله وعن سبب وجوده في المركز.

حسيت إني مش قادرة أستوعب.

بس جوزي كان يعرف أهله.

سعاد هزت راسها.

أيوه. بعد ما خرج من المركز، عاش مع عيلته. لكن قبل خروجه حصلت واقعة غريبة.

الظابط سألها

إيه الواقعة؟

بصت للأرض.

في ليلة، اختفى ملف كامل من الأرشيف.

ملف محمود؟

لا.

سكتت.

ملف بنت صغيرة.

قلبي دق بسرعة.

بنت مين؟

سعاد رفعت عينيها ناحيتي.

بنت اسمها ليلى.

اتجمدت.

ده كان اسمي أنا.

إيه؟

سعاد قالت بسرعة

مش إنتِ.

وبعدين أضافت

كانت بنت تانية بنفس الاسم.

حسيت براحة مؤقتة.

لكنها ما استمرتش.

لأن سعاد فتحت درج صغير في الترابيزة، وطلعت منه ورقة قديمة.

مدتها للظابط.

دي الحاجة الوحيدة اللي قدرت أحتفظ بيها.

الظابط قرأها، وبعدها سألها

إنتِ متأكدة من الكلام ده؟

قالت

محمود كان شاف الورقة دي قبل .

بصيت له.

إيه المكتوب؟

ناولني الورقة.

كان فيها أسماء أطفال وتواريخ.

لكن قدام اسم واحد، كان فيه علامة بالقلم الأحمر.

محمود عبد الرحمن.

وتحت اسمه مباشرة

تم نقله السبب غير معروف.

سألت سعاد

نقله فين؟

قالت

دي هي المشكلة.

إيه المشكلة؟

مفيش سجل بعد كده.

الظابط قال

يعني محمود اختفى من السجلات؟

هزت راسها.

بالضبط.

وبعدين سعاد بصتلي وقالت

جوزك عرف الحقيقة من فترة قصيرة قبل . وعشان كده بدأ يسأل عن ناس من الماضي.

سألتها

ليه ماقالليش؟

ردت

يمكن لأنه كان خايف عليكي.

نزلت دموعي.

بس كان لازم يقولي.

سعاد قربت مني وقالت

هو كان ناوي يقولك.

فتحت شنطتها.

طلعت ظرف بني.

وقالت

ده كان محمود سايبه عندي.

أخدته منها.

كان عليه اسمي.

لكن تحت اسمي كانت جملة

ما تفتحيهوش غير لو أنا ما رجعتش.

قلبي وجعني.

فتحت الظرف.

جواه رسالة.

خط جوزي.

حبيبتي لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أشرحلك كل حاجة بنفسي.

وقفت عن القراءة.

كنت محتاجة آخد نفس.

وبعدين كملت

فيه شخص واحد بس يقدر يفسر كل اللي حصل. وأنا كنت بحاول أوصل له.

وتحتها كان اسم.

اسم راجل.

أول ما قرأته

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى