
البنت صرخت صرخة شقت الحارة كلها: «لااااااا! يا ماما متخليهوش يمسكني! هيمو. تني يا ماماااا!».
في اللحظة دي بالظبط، اتولدت جوايا وحشية أنثى بتدافع عن وليدها، طاقة عمياء معرفش طلعت منين خلتني أزق طارق بكل قوتي في صدره، الراجل اختل توازنه ورجع خطوتين لورا وخبط في كبوت عربيته، صرخت فيه بصوت مجروح طالع من حشايا:— «إيدك دي لو اتمست على شعرية واحدة من بنتي قسماً برب العزة أكون قاطعاها ومخلصاها منك! البنت لسه خارجة من الإنعاش، سكرها بينهار من الخضة، لو جرالها حاجة دمها هيكون في رقبتك ورقبة الكلب التاني اللي مسلطك عليا!».
أمي كانت واقفة بتصرخ وتلطم وشها بإيديها الاتنين، وشالها وقع على الأرض في التراب: «يا ناس يا هوووو! الحقونا يا ولاد الحلال! الراجل عايز بنتنا! أربع سنين ميعرفش عنها لقمة ولا شربة ودلوقتي جاي يقلب عيشتنا! يا أهل النخوة فينكوا؟!».
الشارع كان بدأ يغلي، الناس في الحواري الشعبية مهما سكتت على كلام الطلاق والجواز، بيقفوا زي الحيطة لما يشوفوا طفلة بتتسلخ من حضن أمها عيني عينك.
الحاج عبد الرازق، صاحب محل البقالة اللي في وش بيتنا، راجل عجوز بضهر محني بس بكلمة تهز الحارة، خرج بعصايته الخيزران وزعق بصوت جهوري:— «جرى إيه يا جدع منك له؟ الحارة دي ليها حرمة ورجالة! إنت جاي تستعرض عضلاتك على ولية وبنتها الرضيعة في عز الضهر؟ ورقة إيه وزفت إيه اللي تخليك تشد عيلة مريضة كدة؟ ما تختشي على دمك يا أخي!».
شباب الحارة بدأوا يتجمعوا ويحاوطوا طارق وعربيته، النظرات كلها كانت بتتوعده، وطارق حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه، بص حواليه بريبة وبلع ريقه، بس كبريائه منعه يتراجع، رفع الورقة المتقطعة اللي لمها من الأرض وزعق وهو بيبص للحاج عبد الرازق:— «دي بنتي! القانون هو اللي بيقول كده، أمها اتجوزت وسقطت حضانتها، وأنا جاي أنفذ حكم المحكمة، انتوا هتقفوا ضد الحكومة ولا إيه؟».
رد عليه الحاج عبد الرازق وهو بيقرب منه وبيشاور بعصايته في وشه:— «الحكومة ليها أقسام ومحاكم، مش بلطجة في الشوارع وخطف عيال على المسا! البنت لسه تعبانة وأهل الحارة كلهم عارفين إنها كانت في الإنعاش أولتيمبارح.. لو ليك حق، تاخده بالأصول وبالقانون من غير ما تبهدل لحمك قدام الغريب والقريب، ودلوقتي اتفضل اركب عربيتك وغور من هنا، وإلا وحياة كتاب الله ما هتعرف تخرج بالعربية دي حتة واحدة!».
الشباب بدأوا يقربوا أكتر، وصوت الهمهمات زاد، طارق بصلي بنظرة كلها غل وحقد، نظرة بتقول إن الحكاية مش حكاية حب في نور، دي حكاية كسر مناخير وتصفية حسابات قديمة وتواطؤ قذر مع عصام عشان يذلوني. ركب عربيته ورزع الباب وراه وفتح الإزاز وصرخ:— «ماشي يا نجوى! عملالي فيها بطلة ومستقوية بالشارع؟ بكرة الصبح محضر عدم تنفيذ وهيجيلك أمين شرطة يكلبشك من قفاكي وهاخد البنت بالقوة الجبرية، ومش هخليكي تشوفي ضفرها لحد ما تمو. تي!».
داس بنزين على آخره، والعربية سابت وراها سحابة دخان خانقة واختفت في أول الشارع. الناس اتنفست الصعداء، وأمي كانت بتترعش ومش قادرة تقف، وأنا كنت قاعدة في نص الشارع حاطة نور جوة هدومي، مش قادرة أفتح إيدي ولا أسيبها، كأن لو رخيت صوابعي ثانية واحدة الهوا نفسه هيخطفها مني.
الجيران قربوا يحاولوا يقوموني، وستات الحارة جابوا مية بسكر لأمي، ونور كانت بتنهنه من العياط ووشها سخن مولع نار وشفافها زرقا تاني من الخضة. دخلت شقة أمي وسحبت رجليا ورايا، قفلت الباب بالترباسين وراه، وسندت ضهري على الخشب المتهالك واتزلقت على الأرض ونور في حضني. قعدت أعيط.. أعيط عياط السنين اللي كتمته، عياط القهر اللي ملوش آخر. بصيت لأمي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتنهج وبتبصلي بعجز:— «هنعمل إيه يا نجوى؟
الراجل مش هيسكت، وطارق طول عمره عينه فارغة ومبيسبش حقه حتى لو كان باطل، وعصام شايط من وراه وهيصرف عليه عش الجزء الخامس الكلام نزل على دماغي زي الرصاص، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي، والتراب اللي في حوش بيت خالتي بهية اتحول لدوامة بتسحبني لتحت. نور كانت شادة في جلبابي المقفل بزفارة السمك، بتعيط بصوت مكتوم وتدفن وشها في فخذي، دراعاتها الصغيرة كانت بتترعش كأن تيار كهربا ماشي في جسمها، وصوت المحامي لسه بيرن في ودني ببرود: «عصام جند نص قرايبكم… وطارق مستني في المديرية».صرخت بأعلى صوتي ودموعي بتطير من عيني:— «حرام عليكم! اتقوا ربنا! البنت دي لو بعدت عني، انتوا معندكوش رحمة؟
دي عيلة لسه خارجة من غيبوبة سكر، هتاخدوها تدمروا نفسيتها عشان تصفية حسابات ورجالة وسخة بتتسلى بقهر الستات؟!».خالتي بهية خرجت تجري من جوة البيت على الصوت، شايلة مقشة قش في إيدها، ووشها انخطف أول ما شافت البوكس والنجوم اللي على كتاف الظابط، لطمت على صدرها وزعقت:— «يا لهوي يا مفرتك! جرى إيه يا باشا؟ البيت ده حرمة وعزبة الصيادين طول عمرها في حالها، البت دي غلبانة وشقيانة على ضناها، هتاخدوها على فين بالحديد والنار ده؟!».
الظابط قرب خطوتين، ملامحه كانت جامدة وخالية من أي تعاطف، بص في الورق اللي في إيد أمين الشرطة وقال بنبرة رسمية صارمة مفيهاش تفاهم:— «يا ست انتي بطلي شوشرة ومتقاوميش تنفيذ حكم قضائي. فيه حكم صادر من محكمة الأسرة بتسليم الصغير لوالده بالقوة الجبرية، وبلاغ رسمي طفلة من تنفيذ أحكام، ومعانا أمر ضبط وإحضار ليكي من النيابة. هاتي البنت بهدوء واركبي البوكس من غير قدام أهل البلد، بدل ما نضطر نكلبشك قدامها ويبقى منظرها أسوأ».
المحامي بتاع طارق ابتسم بخبث وهو بيعدل نضارته الطبية، ومد إيده عشان يشد نور من ورا ضهري:— «يلا يا شاطرة، بابا مستنيكي في القاهرة في شقة نضيفة، مش المرمطة وقرف السمك ده!».أول ما إيده لمست كتف نور، البنت صرخت صرخة قطعت نياط قلبي:— «مامااااااا! متخليهمش ياخدوني يا مامااااا! يا ماما، والنبي متسيبينيش!».في اللحظة دي، طارت من عقلي آخر ذرة خوف أو تفكير في العواقب؛
وطيت بسرعة على الأرض، خطفت كزلك تنظيف السمك اللي كان واقع جنب الجردل المقلوب، ووقفت بضهري ساندة على حيطة الطين ورافعة في وش المحامي، عيني كانت بتطق شرار وصوتي طلع مجروح ومبحوح زي الذئبة اللي هـ،،ـيـ،،ـدبـ،،ـحـ،،ـوا جروها:— «قسماً بعزة جلال الله، اللي هيمد إيده على بنتي لأكون شاقة بطنه قبل ما يلمس شعرة منها!
أنا معنديش حاجة أبكي عليها خلاص.. بس بنتي مش هتدخل حضن غيري إلا وأنا جثة هامدة في الكفن!وروني مين فيكم هيدخل ياخدها مني!».المحامي رجع لورا مفزوع وشه مصفر زي الليمونة، وصرخ في الظابط:— «شايف يا فندم؟! دي شاهرة سلاح أبيض وبتقاوم السلطات وشروع في ! اثبت الحالة دي فوراً في المحضر، دي جناية توديها ورا الشمس بعشرين سنة!».الظابط وشه احمر وغضب، وطلع إيده على جراب سلاحه:— «نزلي دي يا ولية انتي واتعقلي بدل ما تتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك!
متفتكريش إنك هتلوي دراع الحكومة بحتة كزلك مصدي!».في اللحظة دي، دخل «حسن» ابن خالتي بهية يجري من على الترعة، لابس هدوم الصيد المبلولة ومعه شبكة صيد على كتفه، ومعه أربعة من شباب العزبة اللي سمعوا الصريخ ولمّة البوكس. حسن راجل أسمر وقوي زي الحجر، رمى الشبكة ووقف في النص بيني وبين القوة، وبص للظابط باحترام بس بعين مكسورة الغضب:— «اهدا يا باشا، اهدا وصلي على النبي في قلبك..
الست دي بتخرف من خوفها على ضناها ومش دريانة باللي بتعمله، معلش يا حضرة الظابط، إحنا ناس غلابة والحكومة فوق راسنا من فوق، بس الست دي مكسورة، والبنت دي مريضة سكر لو اتفزعت أكتر من كدة هتروح فيها بين إيديكم والمصيبة هتكبر على الكل».حسن لف وشه ليا، ومد إيده بهدوء وقال بصوت واطي حنين:— «ارمي دي من إيدك يا نجوى.. ارميها يا بت خالتي عشان خاطر نور، لو حد ولا اتمسكتي بجناية، بنتك هتروح لطارق وعصام رسمي ومش هتعرفي حتى تبصي في وشها من ورا قفص المحكمة.. ارميها وخلينا نحل الحكاية بالعقل، ربنا مبيسبش المظلوم».
. ارميها وخلينا نحل الحكاية بالعقل، ربنا مبيسبش المظلوم».بصيت للكزلك في إيدي، وبصيت لنور اللي كانت بتنهج وشفايفها بدأت تزرق وعينها تلف لفوق من كتر الرعب.. حسيت بصوابعي بترتخي، وقعت على التراب وعملت صوت خفيف. في ثانية واحدة، كان أمين الشرطة هاجم عليا، لف دراعي لورا بعنف ووجع عظم كتفي، والتكتكة بتاعة الكلبشات الحديد وهي بتتقفل على معصمي حسستني صرخت مش من وجع إيدي، لكن من منظر المحامي وهو بينقض على نور، شالها من وسطه وهي بتضرب برجلها في الهوا وبتصرخ وبتنادي عليا:— «مامااااااا!
مامااااا الحقيييني!».— «نور! متلمسهاش يا كلب! يا ظالمين ي منكم، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم!».حسن حاول يقرب من المحامي عشان يهديه، بس العساكر زقوه لورا، والظابط شاورلهم يركبوني البوكس. اترمت في قاع البوكس الصاج، الحديد بارد وبيسلخ ركبي، ونور اتحطت في العربية الملاكي ورا، شفتها من فتحة البوكس الحديد وهي بتخبط على إزاز العربية ودموعها مغرقة وشها، لحد ما العربية دارت وطارت في السكة وطيرت وراها سحابة تراب عمّت عيني.
مرت الساعات كأنها دهر في جحيم..وصلنا مديرية الأمن في كفر الشيخ، ودخلوني مكتب المباحث وأنا مكلبشة زي تجار المـ،،ـخـ،،ـد،،ـر،،ـات، هدومي مقطعة، عيني وارمة من العياط، وروحي مش في جسمي. رموني على كرسي حديد قدام مكتب كبير، وبعد نص ساعة اتفتح الباب ودخل طارق!كان لابس قميص مكوي ومسرح شعره وريحته برفان رخيص، وشه كان مليان شماتة وغطرسة كأنه كسب معركة حربية، قعد على الكرسي اللي قصادي وحط رجل على رجل، ومسك فنجان قهوة كان على المكتب ورشف منه رشفة ببطء، وقال وهو بيبص للكلبشات اللي في إيدي:— «إيه رأيك بقى في المرمطة دي يا ست نجوى؟
مكنش العشم..هربانة زي الحرامية في عزبة سمك ومطلعة لى الحكومة؟ أنا قولتلك من الأول: بنتي هترجعلي، وإنتي هترجعي لمطرح ما جيتي، تحت الجزم».بصيتله باحتقار وبصقت على الأرض تحت جزمته:— «إنت مش راجل.. ولا عمرك هتكون راجل. اللي يرمي بنته أربع سنين وميسألش فيها برغيف عيش، وييجي عشان يرضي غل عصام وضلاله، ميسواش تلاتة مليم في سوق الكلاب.. بنتي فين يا طارق؟ وديت نور فين يا ؟».طارق عينه برقت بغل، وقام وقف وقرب وشه مني وهمس بفحيح سام:— «نور في العربية مع المحامي ومراتي التانية مستنياها في شقة القاهرة.
. خلاص، اتعلمت، وهتنسى ريحتك.. من هنا ورايح هتناديلها هي “ماما”، وهتربيها على مزاجي، وانتي هتتحبسي هنا عشان قضية خـ،،ـطـ،،ـف القاصر والتعدي على القوة، ومش هتخرجي غير لما تكون بنتك كبرت ونسيت حتى اسمك وملامح وشك! وعصام بنفسه دافع أتعاب المحامي دي كلها، عشان بس يشوفك وإنتي في البدلة البيضا مذلولة ومكسورة الجناح!».الدنيا اسودت في عيني، والدم غلى في راسي لدرجة حسيت إن شرايين مخي .
وفجأة، الباب اتفتح بعنف، ودخل ظابط النبطشية ومعاه شاويش، وشه كان مخطوف وعينيه رايحة جاية بقلق:— «يا طارق بيه! الحق.. البنت الصغيرة اللي في العربية تحت.. البنت اتشنجت تاني وقطعت النفس وفقدت الوعي، وجسمها بيسقع زي التلج!».الجزء السادس (قبل الأخير)الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة، حسيت إن الحديد اللي في إيدي انصهر من حرارة الدم اللي فار في عروقي. طارق وشه اتقلب، الكوباية




