Uncategorized

خلفت سبع مرات

ما رديتش.

كنت بدور على العلامة…

ولقيتها.

ثلاث غرز زرقاء صغيرة، جنب بعض.

رفعت عيني لأبوه وقلت بصوت متقطع

البطانية دي كانت بتاعت مين؟

اتوتر للحظة وقال

بتاعت الولد… إيه السؤال الغريب ده؟

قربت منه وأنا مش قادرة أسيطر على رعشة إيدي.

لأ… البطانية دي كانت عندنا من إمتى؟

سكت.

وسكوته كان أخوف من أي إجابة.

فضلت باصة له، وفجأة افتكرت حاجة.

قبل وفاة كل طفل بيومين أو تلاتة، كان بيحصل شيء غريب.

كنت فاكرة إنهم كلهم تعبوا فجأة.

لكن لما بدأت أراجع الأحداث في دماغي، اكتشفت إن فيه شخصًا واحدًا كان موجودًا في كل مرة.

شخص لم أفكر فيه يومًا باعتباره جزءًا من الحكاية.

قلت

إنت فاكر مين كان بييجي لنا قبل عيد ميلاد كل ولد؟

وشه اتغير.

مريم… مش وقته.

صرخت

لأ، وقته! سبعة أطفال ماتوا يا أحمد! سبعة!

اتلفت حوالينا، وكأنه خايف حد يسمعنا.

وبصوت منخفض قال

انتي بتفكري في مين؟

قلت

في الشخص اللي كان بيدخل البيت قبل وفاة كل واحد منهم.

فضل ساكت.

قلت

خالك؟

هز رأسه.

لا.

أختك؟

لا.

أمي؟

مريم، بلاش.

صرخت فيه

أمال مين؟!

سكت ثواني، وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي

الشخص ده… عمره ما كان بيدخل البيت أصلًا.

بصيت له وأنا مش فاهمة.

يعني إيه؟

طلع موبايله، وفتح صورة قديمة.

الصورة كانت لابني الخامس وهو بيحتفل بعيد ميلاده الأول.

أنا كنت حاضناه.

أبوه واقف جنبي.

وفي الخلفية، عند باب الشقة، كان فيه شخص واقف بعيد.

وشه مش واضح.

لكن إيده كانت ظاهرة.

وفي إيده…

نفس العلامة الزرقاء.

اتجمدت مكاني.

قربت الصورة من عيني.

وقلت

مين ده؟

أحمد ما ردش.

قلت تاني

أحمد، مين الشخص ده؟

فضل ساكت لحد ما قال

أنا كنت مستني الوقت المناسب أقولك.

تقولّي إيه؟

رفع عينه ليا، وكان واضح لأول مرة إنه هو كمان كان عايش في خوف.

وقال

أنا عرفت من الطفل الرابع إن موت ولادنا مش صدفة.

حسيت

الأرض بتتحرك من تحتي.

وإنت كنت ساكت؟!

قال بسرعة

كنت بدور على الحقيقة.

ولقيتها؟

سكت.

وبعدين فتح ملف موجود على موبايله.

كان فيه سبع شهادات وفاة.

وتحتهم ورقة واحدة مختلفة.

ورقة قديمة جدًا، مكتوب عليها اسم امرأة لم أسمعه في حياتي.

لكن أول ما شفت الاسم…

اتغير لون وشي.

لأن الاسم ده كان مكتوب في شهادة ميلادي.

رفعت عيني لأحمد وأنا مش قادرة

أنطق.

فقال

ولادنا السبعة ماكانوش أول أطفال في العيلة يموتوا بنفس الطريقة.

بلع ريقه وكمل

كان فيه طفل قبلهم… من أكتر من ثلاثين سنة.

طفل مين؟

بص ناحية القبر، وقال

أخوكي.

حسيت نفسي مش قادرة آخد نفس.

أنا… معنديش أخ.

قال

دي بالضبط الكذبة اللي اتقالتلك طول عمرك.

وفي اللحظة دي، رن موبايله.

بص للشاشة، وشه اصفر فجأة.

قلت

مين؟

ما ردش.

مد إيده بالموبايل ناحيتي.

كانت رسالة من رقم مجهول

لو عايزة تعرفي ليه أولادك بيموتوا عند السنة بالضبط… ما تثقيش في أي حد من عيلتك.

وتحت الرسالة صورة.

صورة لطفل صغير جدًا.

وكان الطفل لابس نفس السلسلة اللي كنت محتفظة بيها في درج ملابسي من يوم ولادتي.

السلسلة اللي أمي قالت لي طول عمري إنها كانت هدية لي وأنا صغيرة.

وقتها فقط فهمت…

إن السر مش بدأ مع أول طفل.

السر بدأ قبلي أنا.

والأخطر من كده…

إن حد لسه بيراقبني لحد النهارده رجعت من المدافن وأنا ماسكة الصورة في إيدي، لكني ما قلتش لأحمد أي حاجة.

كنت حاسة إن لو اتكلمت، هانهار.

طول الطريق كنت ببص للسلسلة اللي في رقبتي.

السلسلة اللي أمي قالت لي إنها هدية من أبويا يوم ولادتي.

لكن دلوقتي بدأت أشك في كل كلمة اتقالت لي عن طفولتي.

أول ما دخلنا البيت، أحمد قفل الباب بالمفتاح مرتين.

بصيت له وقلت

إنت خايف من مين؟

رد

مش عارف.

يعني إيه مش عارف؟ إنت اللي قلتلي إنك بتدور على الحقيقة من سنين!

قعد على الكرسي وحط وشه بين إيديه.

عرفت حاجات… بس كل ما أوصل لحاجة، ألاقي حد سبقني ومسحها.

قربت منه.

طب احكيلي كل اللي تعرفه.

رفع عينه وقال

قبل ما نتجوز، كنت عارف إن في تاريخ غريب في عيلتك.

اتصدمت.

عيلتي أنا؟

هز رأسه.

أيوه.

وإنت كنت عارف وسكت؟

لو كنت قلتلك وقتها، كنتي هتفتكري إني بجنونك.

سكت لحظة، وبعدين أخرج ظرفًا قديمًا من درج مكتبه.

الظرف كان أصفر من القِدم.

ومكتوب عليه بخط اليد

لا يُفتح إلا بعد وفاة الطفل السابع.

إيدي بدأت تترعش.

مين كتب ده؟

أحمد قال

أمك.

وقفت فجأة.

أمي ماتت من سبع سنين.

عارف.

طب إزاي الظرف ده ظهر دلوقتي؟

ما ردش.

فتحت الظرف.

جواه ورقة واحدة.

وكان أول سطر فيها

لو وصلتي للورقة دي، يبقى السبعة ماتوا… والحقيقة لازم تعرفيها قبل ما يحصل اللي حصل لي أنا.

وقفت أنفاسي.

كملت القراءة.

يا بنتي، طول عمري كنت عارفة إنك هتسألي ليه أخوكي اختفى من حياتك، وليه أبوكي كان بيرفض الكلام عنه، وليه كل ما كنتي تسألي عن صور طفولتك كانت الصور تختفي.

وقعت الورقة من إيدي.

قلت

أخويا كان اسمه إيه؟

أحمد بصلي.

كملي.

رجعت للورقة.

وفي آخر السطر كان الاسم

يوسف.

وفجأة افتكرت.

يوسف…

الاسم ده كان دايمًا بييجي في أحلامي وأنا صغيرة.

طفل واقف بعيد عني.

يمسك إيدي.

ويقول

ما تسيبينيش.

لكن عمري ما فهمت مين هو.

قبل ما أكمل، سمعنا صوت خبطة قوية من ناحية باب الشقة.

أنا وأحمد بصينا لبعض.

خبطة تانية.

وبعدين صوت مفتاح بيتحرك في الكالون.

أحمد قام بسرعة.

إنتي ورايا.

همست

مين؟

قال

مش عارف… بس محدش يعرف إننا رجعنا الليلة دي.

المفتاح لف مرة.

ثم توقف.

وبعد ثواني، ساد الصمت.

قرب أحمد من الباب وبص من العين السحرية.

وفجأة رجع خطوتين.

وشه كان أبيض.

قلت

مين؟

ما ردش.

قلت بصوت أعلى

أحمد، مين بره؟

قال بصوت منخفض

أمك.

ضحكت من شدة الصدمة.

إنت مجنون؟ أمي ماتت!

مد إيده ناحيتي ببطء.

وكان ماسك ظرفًا ثانيًا.

قال

أنا مش قصدي صورتها…

ثم أضاف

قصدي الست اللي واقفة بره… شبه أمك بشكل يخوف.

وفي اللحظة دي، جالنا صوت امرأة من خلف الباب

افتحي يا مريم…

صوتها كان نفس صوت أمي بالضبط.

ثم قالت

أنا عارفة إنك عرفتي موضوع يوسف.

ساعتها فهمت إن السر اللي دفنته عيلتنا سنين…

لسه عايش.

والليلة دي، حد

قرر يطلعه للنور في اللحظة دي، أحمد مد إيده وقفل النور.

ما تفتحيش.

همست

بس دي أمي…

رد بسرعة

دي مش أمك.

فضلنا واقفين في الضلمة، وصوت المرأة بره اختفى تمامًا.

ثواني…

دقيقة…

ولا صوت.

وبعدين سمعنا خطوات بتبعد عن الباب.

أحمد قرب من العين السحرية، وبص مرة تانية.

مفيش حد.

قلت

يبقى إزاي صوتها كان بره؟

قبل ما يرد، موبايله اهتز.

رسالة جديدة.

كويس إنك ما فتحتش.

وتحتها رسالة ثانية

بس الوقت خلص.

بصيت له.

مين اللي بيبعتلك؟

قال

نفس الرقم.

طب اتصل بيه!

اتصل.

الموبايل رن ثواني، وبعدها حد رد.

مافيش كلام.

بس كان فيه صوت تنفس.

أحمد قال

إنت مين؟

الصمت استمر.

وبعدين جه صوت رجل عجوز

لو عايز تعرف الحقيقة، روح بيت أمك القديم.

أحمد سأله

وليه؟

رد الرجل

لأن الحاجة اللي بتدوروا عليها مش موجودة في المقابر… موجودة في الحيطة.

وانقطع الاتصال.

بصيت لأحمد.

إحنا هنروح.

قال

دلوقتي؟

أيوه.

وصلنا البيت القديم بعد منتصف الليل.

كان مهجور من سنين، والغبار مغطي كل حاجة.

أحمد فتح الباب بصعوبة، ودخلنا.

أنا كنت فاكرة المكان، رغم إني ما دخلتوش من وأنا طفلة.

وأول ما دخلت، حسيت بحاجة غريبة.

ريحة البيت…

كانت مألوفة جدًا.

مش ريحة تراب.

ريحة صابون أمي.

اتقدمت ناحية الصالة، وفجأة وقفت.

في الحيطة اللي جنب غرفة النوم كان فيه جزء متغير لونه.

أحمد خبط عليه.

الصوت كان أجوف.

قال

هنا.

جاب أداة صغيرة، وبدأ يزيل جزء من الحائط.

وبعد دقائق، ظهر صندوق حديدي صغير.

فتحناه.

جواه صور قديمة، أوراق، وشريط تسجيل.

وأول صورة كانت لامرأة شابة…

كانت أمي.

وفي حضنها طفل صغير.

يوسف.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصورة الثانية.

أنا كنت واقفة جنبها.

عمري تقريبًا أربع سنين.

وممسكة إيد يوسف.

وخلفنا رجل لم أعرفه.

قلبت الصورة.

وكان مكتوب على ظهرها

آخر مرة اجتمع فيها الطفلان معًا.

قلت

ليه محدش قال لي إن يوسف عاش معايا؟

أحمد مسك الشريط.

يمكن التسجيل ده فيه الإجابة.

لقينا جهاز قديم في الدولاب، وبعد محاولات اشتغل.

خرج صوت أمي من السماعة

لو حد

بيسمع التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أقول الحقيقة لمريم.

بدأت أبكي.

صوتها كمل

يوسف ما ماتش زي ما قلتلها… يوسف اتاخد.

اتجمدت.

أحمد بصلي.

والصوت كمل

واللي أخده كان أقرب شخص لينا.

فجأة التسجيل توقف.

أحمد قال

الشريط اتقطع.

لكن وأنا بدور على باقيه، لقيت ورقة مطوية تحت الصندوق.

فتحتها.

كان مكتوب فيها

الشخص الذي أخذ يوسف لم يكن يريد قتله… كان يريد حمايته من شيء أسوأ.

وتحت الجملة اسم واحد فقط.

اسم أبويا.

رفعت عيني لأحمد.

أبويا هو اللي أخد يوسف؟

قال

ممكن.

لكن قبل ما نكمل، سمعنا صوت مفتاح بيدور في باب البيت.

حد دخل.

ثم صوت خطوات بطيئة قربت من الصالة.

أحمد طفى الجهاز بسرعة.

اختبأنا خلف الباب.

والشخص دخل الغرفة.

فضل واقف قدام الحيطة المفتوحة.

وبصوت هادئ قال

كنت عارف إنكم هتوصلوا هنا.

ثم أضاف

بس فيه حاجة واحدة لسه ما تعرفوهاش…

سكت لحظة.

يوسف عايش. دخلت المكالمة وأنا مش قادرة أتكلم.

فضلت ساكتة ثواني، وبعدين قلت

يوسف؟

الصوت رجع تاني، وكان هادي بشكل غريب

أيوه… أنا يوسف.

دموعي نزلت من غير ما أحس.

إنت فين؟

في مكان آمن.

إنت عايش كل السنين دي؟!

أيوه.

صوتي اتكسر

ليه؟ ليه كل الناس قالتلي إنك مت؟

سكت شوية، ثم قال

لأن لو عرفتي إني عايش، كانوا هيعرفوا إنك لسه عايشة.

اتخضيت.

يعني إيه؟

قبل ما يرد، فؤاد شد الموبايل من إيدي.

اقفلِي.

صرخت

لأ!

لكن المكالمة كانت انتهت بالفعل.

بصيت لفؤاد بغضب.

إنت كنت عايز تمنعني ليه؟

قال

لأن يوسف مش هو الشخص اللي لازم تثقي فيه.

أحمد وقف بينا.

وإنت عايزنا نصدقك إنت؟

فؤاد ما ردش.

وبعدين قال جملة خلتني أسكت

لو يوسف فعلًا أخوكي… اسأليه عن علامة النجمة الموجودة تحت كتفه اليمين.

بصيت له.

إيه علاقة ده بكل اللي بيحصل؟

قال

لأنه هيقولك إن العلامة دي موجودة عندك إنتِ كمان.

اتجمدت.

رفعت إيدي ناحية كتفي، وكأنني لأول مرة أنتبه لجسمي.

وأنا طفلة، كانت أمي دايمًا تمنعني من تغيير هدومي قدام أي حد.

كنت فاكرة إنها مجرد أم زيادة في خوفها عليّ.

لكن فجأة بدأت الذكريات ترجع.

باب بيت بيتقفل.

أمي بتعيط.

أبويا بيزعق.

وصوت طفل صغير بيقول

مريم… ماتسيبينيش.

مسكت رأسي.

أنا فاكرة…

أحمد قرب مني.

فاكرة إيه؟

قلت وأنا ببكي

يوسف ما اتاخدش لوحده.

فؤاد سكت.

قلت

أنا كمان كنت معاه.

وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت ارتطام قوي من الدور العلوي.

بصينا كلنا لفوق.

فؤاد وشه اتغير.

قال

مستحيل…

أحمد سأله

إيه؟

قال

البيت ده محدش بيدخله من سنين.

ثم سمعنا خطوات بطيئة تنزل السلم.

خطوة…

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى