
كنت بقول لنفسي إنه هو كمان غلطان، وإن مش كل حاجة أنا السبب فيها.
لكن مع مرور الوقت، الغضب بدأ يختفي.
وحل مكانه إحساس أسوأ بكتير.
الندم.
قعدت لوحدي في البيت أراجع الخناقة كلمة كلمة.
وكل ما أفتكر بعض الكلام اللي قلته له، كنت أحس بالخجل أكتر.
حاولت أنام.
دخلت السرير، طفيت النور، وغمضت عيني.
لكن مفيش فايدة.
كل شوية أبص على الساعة.
الواحدة إلا ربع.
الواحدة ونص.
الواحدة وخمسين دقيقة.
لحد ما الساعة عدت اتنين بعد نص الليل.
وقتها معرفتش أستحمل أكتر.
قمت من السرير وقلت لنفسي
لأ… أنا مش هستنى للصبح.
أنا غلطت.
وعايزة أعتذر له دلوقتي.
لبست الجاكت بسرعة، خدت مفاتيح عربيتي، وخرجت من البيت.
الشوارع كانت شبه فاضية.
المدينة كلها تقريبًا نايمة، وأنا طول الطريق كنت بفكر في الكلام اللي هقوله له.
كنت متخيلة إني هخبط عليه بهدوء، وهو يفتح الباب ويستغرب لما يشوفني.
هقوله
أنا آسفة يا أحمد… أنا زودتها المرة دي.
ويمكن يفضل زعلان شوية.
يمكن يقولي إن الكلام اللي قلته وجعه.
لكن في الآخر، كنت متأكدة إننا هنرجع البيت مع بعض.
لأن ده أحمد.
ولأن دي كانت طريقتنا دايمًا.
وصلت أخيرًا لبيت والدته.
الشارع كان هادي جدًا.
بيوت متشابهة، أشجار صغيرة قدامها، وعربيات مركونة جنب الأرصفة.
وأول ما دخلت الشارع، شوفت عربية أحمد.
كانت راكنة في مدخل البيت.
بالظبط في المكان اللي بيركن فيه كل مرة ييجي يبات عند أمه.
لسبب ما، مجرد رؤية عربيته ريحتني.
قلت لنفسي
خلاص.
.. هو هنا.
ركنت عربيتي على مسافة صغيرة من البيت ونزلت.
كان الجو هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت خطواتي وأنا ماشية على الرصيف.
مشيت في الممر الصغير المؤدي لباب البيت.
وكان معايا نسخة احتياطية من مفتاح بيت حماتي.
كنت ناوية أفتح الباب بهدوء وأدخل من غير ما أخبط، عشان ما أصحيهاش في الوقت المتأخر ده.
لكن وأنا بطلع درجات المدخل…
لمحت حاجة خلتني أقف.
كان فيه ضوء خافت جاي من ناحية الصالة.
مش نور قوي.
مجرد ضوء ضعيف متقطع، كأنه انعكاس تلفزيون شغال في أوضة ضلمة.
بصيت ناحية الشباك الكبير المطل على الصالة.
الستائر التقيلة كانت مقفولة تقريبًا…
لكن كان فيه فتحة صغيرة جدًا بينها.
وقفت مكاني للحظة.
استغربت.
الساعة بعد اتنين بالليل.
قلت يمكن أحمد مش عارف ينام وقاعد بيتفرج على التلفزيون.
وبدل ما أدخل فجأة وأخضه، فكرت أبص بسرعة أشوفه صاحي ولا نام على الكنبة.
نزلت خطوة من على المدخل، ومشيت على النجيلة ناحية الشباك.
كل حاجة حواليّ كانت ساكتة.
قربت أكتر.
وبعدين وقفت قدام الجزء الصغير المفتوح بين الستارتين.
ميلت رأسي ناحية الزجاج…
وبصيت لجوه.
في الأول، عيني مكانتش شايفة كويس بسبب فرق الإضاءة.
الصالة كانت شبه ضلمة، والنور الوحيد تقريبًا كان جاي من التلفزيون.
فضلت باصة كام ثانية لحد ما عيني بدأت تتعود على الظلام.
وبدأت تفاصيل الأوضة تظهر قدامي واحدة واحدة.
الأنتريه.
الترابيزة.
الكنبة.
وبعدين…
شوفت أحمد.
وفي اللحظة اللي استوعبت فيها بالظبط إيه اللي كان بيحصل جوه الصالة…
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
نفسي اتقطع.
وإيدي اللي كانت ماسكة مفتاح البيت بدأت ترتعش.
لأن المشهد اللي كان قدامي…
كان آخر شيء في الدنيا ممكن أتوقع أشوفه في بيت حماتي الساعة اتنين بعد نص الليل.
وساعتها…
معدتي وقعت في رجلي من هول اللي شوفته.
كان أحمد قاعد على الأرض، ضهره مسنود على الكنبة، ووشه مدفون بين إيديه.
وحماتي، نادية، كانت قاعدة قدامه، وماسكة في إيدها ظرف أبيض.
أول ما شوفته…
عرفته فورًا.
كان شبه الظروف اللي كنا بناخد فيها أوراق ونتائج الفحوصات من مركز الخصوبة اللي بنتابع فيه.
لكن قبل ما أفهم الظرف ده بيعمل إيه معاها، سمعت أحمد بيقول بصوت مكسور
لو سبتها دلوقتي… مريم لسه قدامها وقت تعيش الحياة اللي نفسها فيها.
نفسي اتقطع.
أنا مكنتش سايقة نص المدينة الساعة اتنين الصبح عشان أسمع جوزي بيتكلم عن حياة من غيري.
أنا جيت عشان أعتذر له وأرجعه البيت.
والأغرب إن قبلها بست ساعات بس، مكنتش أعرف أصلًا إن جوازنا وصل للمرحلة دي.
أنا وأحمد متجوزين بقالنا تمن سنين.
خناقاتنا كانت قليلة جدًا، لكن أحمد طول عمره بيكره الصوت العالي.
وكان دايمًا يقول لي
إحنا مش هنحل أي حاجة وإحنا متعصبين لدرجة ممكن نجرح بعض.
في الأول كنت بكره إنه يمشي وقت الخناق.
لكن مع السنين اتعودت.
كان بيروح عند أمه، يهدى، ويرجع الصبح أهدى ونقدر نتكلم.
أو على الأقل…
ده اللي كنت فاكرة إنه بيحصل.
الليلة دي، قبل ما يمشي، كنا قاعدين في المطبخ.
موبايلي كان مفتوح قدامي على التقويم، وأنا من غير ما أحس كنت بحرك قاعدة الكوباية اللي جنب مج أحمد.
فجأة قال
بطلي تعملي كده.
بصيت له باستغراب.
أعمل إيه؟
تحركي الحاجات.
أنا محركتش حاجة.
حركتي قاعدة الكوباية تلات مرات.
بعدت إيدي عنها.
بقالي تلات أسابيع بحاول أخلي أحمد يحدد معاد متابعة في مركز الخصوبة.
إحنا بقالنا تقريبًا سنة بنحاول نخلف.
وكل تحليل كان بيجيب وراه تحليل.
وكل زيارة كانت بتنتهي بجملة
محتاجين نستنى شوية.
أنا كنت أقدر أستحمل خبر وحش.
لكن اللي مكنتش قادرة أستحمله هو الصمت.
قلت
المركز اتصل تاني النهارده.
كتاف أحمد اتشدت.
هنتصل بيهم.
إمتى؟
بكرة.
بصيت له.
قلت كده امبارح.
سكت لحظة، وبعدين قال
مريم، أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده النهارده.
إيدي رجعت ناحية قاعدة الكوباية من غير ما أحس.
وده نفس اللي قلته امبارح. كل يوم بتقول بكرة. أنا محتاجة أعرف يا أحمد… إحنا هنخلف أصلًا ولا لأ؟
فكه اتشد.
مش عايز أتكلم في الموضوع دلوقتي.
كان المفروض أسكت.
لكن خوفي خلاني أضغط عليه أكتر، وكل ما أضغط، هو يدخل أكتر في صمته.
قلت
إنت ليه بتهرب من الموضوع؟
مش بهرب.
حتى معاد مش عايز تحدده.
قلت لك هتصل بيهم يا مريم. خلاص.
طب اتصل دلوقتي.
بص لي.
الساعة قربت على 11 بالليل.
سيب لهم رسالة.
مريم، كفاية.
قلت بانفعال
كفاية إني أسأل؟
كفاية تحاولي تخلي كل حاجة تحصل في الوقت اللي إنتِ محدداه.
وقفت من مكاني.
الموضوع مش موضوع وقتي أنا.
بس أنا حاسس بكده.
إحنا المفروض بنعمل ده سوا.
وإحنا فعلًا سوا.
ضحكت بمرارة.
أمال ليه حاسة إني الوحيدة اللي لسه بتحاول؟
أحمد سكت تمامًا.
وأنا سمعت الجملة بعد ما خرجت من بقي.
كان ممكن أصلحها.
كان ممكن أقول له إني مقصدتش.
لكن بدل كده…
كملت.
يمكن إنت أصلًا مش عايز طفل قد ما أنا عايزة.
وشه اتغير.
ومكانش غضب.
كان شيء أسوأ.
قال ببطء
إنتِ قلتي إيه؟
أحمد…
إنتِ فاكرة إني مش عايز عيلة؟
أنا شايفاك خايف حتى تتكلم عن الموضوع.
إنتِ متعرفيش إنتِ بتقولي إيه.
طب فهمني!
مد إيده ناحية مفاتيحه.
والخوف ضربني مرة واحدة.
إنت ماشي؟
هروح عند أمي.
ضحكت بسخرية وأنا متعصبة
طبعًا… ما هو ده اللي بتعمله دايمًا.
لف ناحيتي.
متعمليش كده.




