Uncategorized

رجعت بيتنا

“في إيه يا عم صبحي؟”

بص حواليه، وبعدين قال: “أبوك وأمك محدش شافهم بقاله شهور.”

ياسين حس إن الدم اتسحب من وشه. “شهور؟!”

“أيوه.”

“يعني إيه محدش شافهم؟”

“لا بيروحوا الجامع ولا أبوك بيفتح الدكان ولا أمك بتروح للدكتورة ولا حتى بيظهروا في المناسبات.”

ياسين اتوتر. “ونجلاء قالت إيه؟”

ضحك عم صبحي بسخرية وحزن. “كل مرة تقول كلام شكل. مرة تقول سافروا. مرة تقول تعبانين. مرة تقول قاعدين عند قرايبهم. ومرة تقول مش عايزين حد يزورهم.”

ياسين سكت.

عم صبحي قرب أكتر وقال: “وقبل ما الست زينب اللي كانت بتساعد أمك تمشي من البيت بأربع شهور، جاتلي وهي بتعيط.”

“قالت لك إيه؟”

الراجل اتردد. “قالت إن أبوك وأمك في مشكلة وإنك لو بتحبهم لازم ترجع.”

ياسين حس بقشعريرة في جسمه. “وليه ماحدش كلمني؟”

عم صبحي بص في الأرض. “قالت إنها حاولت، بس أختك منعتها.”

رجع ياسين البيت وهو عامل نفسه طبيعي. لكن جواه كان مولع.

على العشا، حاول يفتح الموضوع تاني. “أنا عايز أكلم بابا.”

نجلاء ردت فورًا: “الشبكة وحشة عندهم.”

“فين يعني؟”

“عند قرايبنا.”

“طيب هاتي رقمهم.”

“مش معايا.”

“رقم بابا مش معاكي؟”

اتلخبطت. “يعني موبايله مقفول.”

ياسين فضل باصص لها. “طيب إمتى راجعين؟”

“بعد رأس السنة غالبًا.”

“غالبًا؟”

“يا ياسين، إنت لسه داخل البيت ومحقق معايا ليه؟”

ابتسم ابتسامة صغيرة. “ولا يهمك.” لكن من جواه كان متأكد إن فيه مصيبة.

الساعة قربت من اتنين بعد نص الليل. البيت كله كان ساكت. نجلاء دخلت أوضتها. وياسين كان نايم على الكنبة في الصالة، لكنه في الحقيقة ماكانش نايم. كان بيفكر. أبوه وأمه اختفوا بقالهم شهور. أخته بتكدب. نضارة أبوه مكسورة. أوضتهم مقفولة. والبيت نفسه بقى غريب.

وفجأة، سمع صوت. خَبطة. فتح عينه. سكت. وبعد ثواني، خَبطة تانية. ياسين قام من مكانه. بص ناحية المطبخ. البيت كله كان ساكت. قرب خطوة. وفجأة، خَبطة تالتة. لكن المرة دي كانت أوضح. الصوت جاي من تحت أرضية المطبخ.

وقف مكانه وقلبه بدأ يدق بسرعة. نزل على ركبته وحط ودنه على الأرض. وسمع حاجة خلدته يتجمد. صوت مكتوم، كأنه حد بيحاول يخبط من تحت.

ياسين همس: “مين هناك؟”

مفيش رد. قرب أكتر. وبعدين سمع نفس الخبطات تاني. ثلاث خبطات.

مد إيده على بلاط المطبخ، وبدأ يتحسس المكان. لحد ما لقى جزء من الأرض صوته مختلف. خبط عليه. طَق. طَق. صوت أجوف. رجع خطوتين. وبص حواليه. وبعدين افتكر حاجة.

كان فيه سرداب قديم تحت البيت، أبوه كان دايمًا يحذره وهو صغير إنه مايقربش منه. قال له وقتها: “المكان ده اتقفل من سنين وممنوع تنزل هناك مهما حصل.”

ياسين بص ناحية الباب الصغير الموجود في آخر المطبخ. كان عليه قفل حديد جديد. قفل مش موجود في ذكرياته. مد إيده ناحية القفل. وقلبه كان بيقول له إن اللي ورا الباب ده هو الإجابة على كل حاجة.

لكن أول ما بدأ يفك القفل، سمع صوت من تحت الأرض. صوت خافت جدًا، لكنه كان حقيقي هذه المرة.

ياسين؟!

اتجمد مكانه. عينيه اتملت دموع. “ماما؟!”

وجاله الرد من تحت: “متصدقش نجلاء…”

بسرعة البرق، التقط ياسين عتلة حديدية صغيرة كانت مرمية جانب خزانة المطبخ، وبكل قوة وغضب، هشم القفل الحديدي الجديد الذي وضدته أخته. اندفع لفتح الباب الخشبي القديم للسرداب، فخرجت منه رائحة رطوبة خانقة.

نزل الدرج المظلم خطوة بخطوة على ضوء شاشة هاتفه، وعيناه تبحثان في زوايا المكان المظلم، حتى وقع نظره على كرسي خشبي قديم مربوطين فيه بحبال سميكة… أبوه الحاج عبد الرحمن وأمه الحاجة سعاد.

كانت حالتهما صعبة جدًا، وآثار الإرهاق والإهمال واضحة عليهما. لكنهما كانا لا يزالان على قيد الحياة، بالكاد.

جري إليهما وبدأ يفك الحبال بسرعة وهو يبكي: “بابا! ماما! أنا جيت، أنا هنا!”

أمه فتحت عينيها بصعوبة، وصوتها كان بالكاد مسموعًا: “ياسين… ابني… كنت عارفة إنك هتيجي.”

أبوه كان أضعف من أن يتكلم، لكنه ضغط على يد ياسين بقوة، كأنه يقول له: “الحمد لله إنك جيت.”

بدأ ياسين يشق طريقه لإنقاذهما، لكن فجأة سمع صوت خطوات ثقيلة خلفه على درج السرداب. التفت ببطء، فوجد أخته نجلاء واقفة عند المدخل. لم تكن تبكي، ولم تكن ملامحها تحمل أي ذرة ندم. كان وجهها باردًا كالحجر، وفي يدها حقيبة جلدية صغيرة ثقيلة.

قالت نجلاء بصوت هادئ ومقشعر للأبدان: “كنت فاكرة إني هعرف أهرب بكل حاجة لوحدي بعد ما يخلصوا، بس إنت اللي جيت برجليك يا ياسين.”

ياسين وقف بينها وبين والديه، وقال بصوت ثابت: “إنتِ مش هتطلعي من هنا يا نجلاء. الشرطة في الطريق، وأنا كنت عارف إنك هتعملي كده.”

نجلاء اتغير وجهها فجأة. “إيه؟!”

ياسين أخرج هاتفه من جيبه، وكانت المكالمة مع الشرطة مفتوحة طوال الوقت. “كل حاجة اتسجلت يا نجلاء. انتظريهم بره، هما واصلين.”

في تلك اللحظة، سمعوا صوت صفارات الشرطة تقترب من البيت. نجلاء حاولت الهرب، لكن ياسين كان أسرع منها، وأمسك بها قبل أن تصعد الدرج.

قال لها بحزن وغضب: “أنا آسف إن الوصول للحقيقة كان بالطريقة دي… بس ده اللي إنتِ اخترتيه.”

وصلت الشرطة، وتم إنقاذ الوالدين ونقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج. وتم القبض على نجلاء، وبدأت التحقيقات في قضية الاحتجاز غير القانوني والاستيلاء على الأموال.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى