
قالت: “يوم الحادثة لما روحنا المقابر بالليل نقرأ الفاتحة، وأنا سرحت منك ولقتوني مغمى عليا جوة تربة. فاكرة؟ يومها شوفت ست سودة هي اللي استدرجتني وخدتني جوة التربة. بس قبل ما تمسكني، جت واحدة تانية وضربتها بسوط من نار وقالتلها: متقربش. وفضلت جنبي وقالت إنها هتحميني طول عمري منها بشرط إني مكذبش ولو بكلمة. وكانت بتقولي على أي شر ممكن يحصل لحد قريب مني، وأنا بقول اللي بتقوله. لحد اليوم اللي سمعت صوت في نومي بيقول إن أبويا بيخون أمي. مكنش صوتها. بس خوفت مبلغش، رسالتها تغضب. ومسافة ما بلغت الرسالة، جتلي وهي غضبانة وقالت: عقاب الكذب إنها هتسبني للست السودة. ومن يومها والست السودة بتخليني أعمل حاجات وحشة وأخوفكم. وكمان هتخليني أعمل حاجات أوحش. وليها شرط إنك تروحي المقبرة اللي أنا وقعت فيها زمان وتسترضيها، وإلا هتدمر حياتك.”
وقتها بس عرفت مقدار الجريمة اللي عملتها. أنا اللي حبيت حسين أوي من ورا جوزي. ولما اتفقنا نتجوز ونخلص من جوزي، فكرت كتير. وفي الآخر قررت أهمس لبنتي وهي نايمة عشان تصحا تقول الكلام ده، وكأني الصوت اللي بتسمعه.
وفعلًا قامت قالت كده. وكنت مفبركة شات بين جوزي وبين أكونت تبعي، بما إن موبايله معايا على طول. واتطلقت منه بعد ما عملت فضيحة، واتجوزت حسين. بس خليت بنتي تكذب، واتسلمنا للشيطانة اللي كانت بتحمينا منها الست التانية. ودلوقتي لازم، لازم أروح المقبرة وإلا هيكون عقابي شديد.
وبعد تفكير ومواقف أبشع من البشاعة، روحت للمقبرة إياها. وطول ما كنت ماشية في المقابر، وأنا كنت حاسة بصوت خطوات ورايا، خطوات تقيلة ومخيفة أوي. لحد ما وصلت للمقبرة، وزي ما شوفت في الحلم، كانت الست فوق المقبرة واقفة زي الغراب، وبتبص ناحيتي بثبات مخيف. وقبل ما أنطق، قالت جملة واحدة بس:
“هلا زمك طول عمرك، وهعفو عن بنتك.”
ومحستش بنفسي غير وأنا بتنفض مرة واتنين وعشرة. وفضلت نايمة ليلة كاملة في المقابر، لحد ما شافوني ورجعوني لأهلي. ومن يومها وبقت ملازماني. بس مش بتحذر من الحاجات الوحشة، دي بتبشرني بالحاجات الوحشة: هتقعي، فلان هيموت، فلان هيعمل حادثة. وكانت بتقول بعد وقوع الحادث عشان تعذبني وتوريني كمان اللي بيحصل. جوزي خد بنتي اللي بقت بتتكلم واتعافت تمامًا، وأنا وقعت في شر أعمالي.
سنين طويلة وأنا على الحال ده، لحد ما قربت أتجنن وأفقد عقلي تمامًا. بقيت بشوفها في كل حتة، صوتها بشع، شكلها صعب، وأخبارها شؤم. يقال عنها النوّاحة، وبتعيش في المقابر. بنتي نجت منها بسبب شيء خير، بس أنا منجتش منها. بسبب الكذب، الكذب اللي ربنا نهانا عنه تمامًا، الكذب اللي بيضر بصاحبه مهما توهم إنه بينجيه. يارتني صدقت مع جوزي وبنتي ومخدعتهمش. يارتني مخلتش بنتي تكذب بكلمة واحدة. يارتني.
عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: “عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا.” (صحيح الترمذي).
بقلم / أحمد محمود شرقاوي




