عام

قصة رومانسية -العروس الخرساء

 

وقفت “مريم” عند آخر درجة في السلم. الكلام كان زي ضربات الخناجر المتتالية، والموقف كان كفيل بكسر أي أثر من كبرياء أعتى النساء. لكن “مريم” أخذت نفسًا عميقًا، ولم تفرك يديها ولم تبكِ. رفعت رأسها ببطء شديد، وبصت في عيون الحاجة صفية مباشرة ببرود وثبات غير متوقع، ثم هزت رأسها بتحية هادئة ورسمية، ومشت بصمت ناحية المطبخ الداخلي تساعد في تحضير الطعام، من غير ما تستنى إذن من حد أو تبين ذرة ضعف واحدة قدامهم.

 

 

 

“آدم” كان بيبص عليها وهو ماسك فنجان القهوة، وعيونه متثبتة على أثر خطواتها. نظرتها الهادية وثباتها غير المتوقع قدام إهانة أمه أثاروا داخلة حالة من الاستغراب والارباك. كان متوقع تنهار، تصرخ، أو حتى تعيط وتجري على أوضتها عشان تحتمي بجدرانها.. بس الثبات ده كان أشد تأثيراً وأقوى من أي رد لفظي.

 

 

 

دخلت “مريم” المطبخ الكبيرة، وبدأت تشتغل مع شغالات البيت بكل خفة وهدوء. الخادمات كانوا بيبصو ليها بحذر، لكن هي أشارت بإيدها تفهمهم أنها تريد المساهمة، وبدأت ترتب الأطباق وتقطع الخضار بمهارة، ووجهها الشاحب هادي تماماً وكأن شيئاً لم يكن.

بعد حوالي نصف ساعة، دخل “آدم” المطبخ بحجة أنه عايز كوباية ماية لنفسه، لكن في الحقيقة كان بيحركه فضول فظيع عشان يشوف بتعمل ايه … شافها واقفة بتحضر صينية الشاي الكبيرة، و بترص الكوبايات بانتظام، وأصابعها ثابتة.

 

 

 

قرب منها وقف جنب الطاولة الرخامية، وقال بنبرة تحكم وتحذير و نيعرفش هو ليه اصلا راح يوضح لها:

 

“أمي كلامها دايماً دبش وحاد، بس هو ده الواقع هنا ولازم تفهميه.. مش عايز  مشاكل، ومش عايز حد من الشغالين أو الناس يحس إن فيه حاجة ناقصة أو إني جايب واحدة تفرض شروطها. مفهوم؟”

 

 

 

“مريم” سابت الكوبايات من إيدها ببطء شديد. التفتت له وقفت قدامه مباشرة، والتقطت عيونه الحادة. لم تبدِ أي اضطراب، بل أخرجت من جيب جيبتها مفكرة صغيرة جداً وقلم جاف كانت تحتفظ بهما دائماً للتواصل مع العالم.

 

كتبت بخط إيد جميل، متناسق وواضح، ورفعت الورقة لوشه بثبات:

 

 

 

“انا هنا مش عشان اعمل مشاكل .. أنا هنا عشان أحمي عيلتي من سلاحكم و اوقف الدم بين العيلتين …. اللي عليا و واجبي هعمله على اكمل وجهة غير كده مش مضطرة اسمع اي كلمة متعحبنيش من اي حد مهما كان.”

 

 

 

قرأ “آدم” الجملة، وحس بكبرياء غريب ينضح من كلمات الورقة الصغيرة دي. عيونه اتسعت حركة بسيطة من جراءة الإجابة، وبص في وشها اللي مكنش فيه أي أثر للخوف منه أو من سلطته.

 

 

 

شد الورقة من إيدها بعنف وعصرها جوه كفه القوي، وقرب منها خطوة زادت من حظر المسافة بينهما، وقال بنبرة منخفضة ومصحوبة بتهديد واضح:

 

“أنتِ بتعاندي مين يا بنت الشافعي؟ فاكرة نفسك مين … انتي هنا تحت طوعي … كلمتي تتسمع و يتقال عليها امين .. مش عايز جدال و فراغة عين … هتقومي بواجبك في البيت ده و تحترمي قوانينه من سكات مش عايز وجع دماغ ”

 

 

 

“مريم” مرجعتش خطوة واحدة لورا، ولا اتهزت بصت له بثبات عميق، وأخذت القلم مرة ثانية وكتبت على ظهر الورقة المتبقية في مفكرتها وهي باصة في عيونه بثقة مدهشة:

 

 

 

“قول اللي انت عايزه بس خليك فاكر طول ما انا صح و مغلطتش يبقى ملكش حاجة عندي .. و زي ما مليش حقوق عندك انت كمان ملكش حقوق عندي غير اللى قدام الناس و اظن انت فاهم قصدي كويس .. عن اذنك”

 

 

 

رمت القلم على الطاولة الخشبية برفق، وأخذت صينية الشاي الثقيلة بين إيديها ومشت من جنبه بهدوء تام، وسبته واقف في نص المطبخ، ماسك الورقة المعصورة في كفه المغلق، وقلبه بيضرب بنبضات حادة وغير منتظمة. أول مرة في حياته حد يواجهه بالشجاعة و الندية دي ..

 

يتبع …..

الفصل الثاني: جدار من ثلج.. وشخص لا ينحني

 

مرت الأيام الأولى على البيت الكبير بطيئة وتقيلة، كأن الوقت حلف ما يتحركش عشان يختبر قدرة كل واحد فيهم على التحمل. البيت مكنش مجرد حيطان وعفش قديم من أيام الجدود، ده كان زي ساحة حرب ساكتة.. الخطوط فيها مشحونة بنظرات الترقب والهمس المكتوم من الخدم في الرايحة والجاية، وقسوة موجهة بذكاء من الحاجة صفية، والجدار العالي اللي بناه “آدم” حوالين نفسه عشان يداري بيه جرح كبرياءه وكرامته اللي اتداست في الأرض بعد هرب عروسته “نورهان” ليلة الفرح.

 

من الصبح بدري كل يوم، كانت “مريم” ملتزمة نظام صارم فرضته على نفسها عشان تحمي روحها من نظرات الشفقة أو الإهانة. تصحى قبل الكل مع آذان الفجر، تلبس هدومها البسيطة الغامقة المقفولة ، وتنزل على المطبخ الكبير. تصبح على الشغالين بابتسامة هادية، وتبدأ تساعد في توضيب الفطار وتنضيف السرايا. عمرها ما اشتكت ولا أبدت أي اعتراض على أوامر الحاجة صفية.

 

كانت “مريم” بتتعامل مع كل شيء بهدوء، بس وراه عزة نفس أصلب من الحديد. لو محتاجة حاجة من الخدم تشاور بذكاء، ولو الموضوع محتاج شرح طويل، تطلع الكشكول الصغير والقلم الجاف اللي دايماً في جيب جيبتها، وتكتب كلمات معدودة، قصيرة ومباشرة، مفيهاش أي شحتفة ولا انكسار ولا ترجي.

 

أما “آدم”، فكان بيقضي أغلب نهاره في المقر الإداري بتاع أعمال العيلة وفي الأراضي الزراعية، بيهرب من البيت واللي فيه عشان ما يواجهش السكوت ده، السكوت اللي بدأ يربكه ويقلقه أكتر من أي هيصة. كان يحاول يغرق نفسه في الحسابات وعقود التوريد عشان ينسى السيرة اللي بقت على كل لسان في البلد، بس لما كان يرجع بليل كان يلاحظ نفسه بيكتم أنفاسه وهو طالع على السلم، و بيدور بعيونه عليها من غير ما يقصد.

 

وفي صباح يوم من الأيام، حبت الحاجة صفية تكسر غرور “مريم” قدام الخدم في المطبخ. دخلت المطبخ وهي ماسكة ميدالية مفاتيح الخزينة والمخازن اللي بتورثها ست البيت الكبيرة، ورمتها على الطاولة الخشب الكبيرة بصوت رنان هز المكان، وقالت بحسرة مصطنعة قدام الشغالين كلهم:

 

“المفاتيح دي كانت المفروض تستلمها مرات الكبير و تملى السرايا بحسها وكلامها وتستقبل الضيوف و تشيل المسئولية شوية من عليا .. بس هقول ايه ادي الله و ادي حكمته طالما الدار بقت هُس هُس و مفيش حد يقوم بده غيري فالمفاتيح دي هتفضل معايا أنا لغاية ما كبيرنا يشوفله اللى تملا البيت ده بحسها و تبقى ست البيت اللي بجد … و بعدين بصت ناحية مريم و كملت بحدة و قسوة … أما أنتي شغلك هنا تحت إيد الشغالة الكبيرة، تمسحي وتجمعي الصحون وتوضبي البيت طالما مفيش منك منفعة .. مفهوم يا بنت الشافعي؟”

 

الشغالين وطوا عينيهم في الأرض بخجل شديد من الموقف الصعب والإهانة المباشرة.

“مريم” ما اترعشتش ولا نزلت دمعة واحدة من عينها. بصت للحاجة صفية في عينها بثبات وشموخ، وبكل هدوء جابت كشكولها الصغير من جيبها وكتبت جملة واحدة بالخط العريض وورتها لها:

 

“البيت بيعمر بأهله وبأصلهم مش بمفاتيح خزنة يا حاجة .. وأنا هنا عشان أمنع الدم بين العيلتين، مش عشان أنافس حد في حٌكم السرايا ”

 

الحاجة صفية وُشها جاب ألوان، واتنرفزت جداً من ثباتها اللي ما انكسرش، وأخدت المفاتيح ونفخت ومشت وهي بتقول بصوت عالي للشغالين:

 

“بنت الشافعي لسانها مقطوع بس لا ناقصة ايد و لا رجل شغل البيت كله تقوم بيه من تنضيف و اكل و شرب و انتو يا دوب تشرفو عليها … سامعييين !”

 

ثم اكملت بهمس بينها و بين نفسها

 

” لما نشوف اخرتها معاكي يا بنت ال*** ياانا يا نتي و مبقاش صفية العطار ان مكسرتش مناخيرك دي اللى رفعهالي السما ”

 

*********

في نفس اليوم الضهر، كان آدم في سوق البلد، بيتابع حركة بيع محصول القصب والفاكهة مع كبار تجار الصعيد، وبيخلص كذا حساب في نفس الوقت.

 

من ساعة ما دخل السوق، وهو ملاحظ النظرات اللي بتتبادل حواليه، والهمسات اللي بتسكت أول ما يعدي جنب حد …كان عارف السبب.

 

خبر هروب نورهان سبقَه للسوق، والحكاية ما بقتش سر بين العيلتين وعيلة الرواشدة، اللي بينه وبينهم عداوة قديمة، ما صدقت لقت الحكاية دي عشان تستغلها.

 

كان آدم واقف بيتكلم مع واحد من التجار، لما سمع ضحكة جاية من وراه، وبعدها صوت هنادي الرواشدة وهو بيتكلم بصوت مسموع متعمد يخلي اللي حواليه يسمعوه:

 

“الدنيا اتغيرت يا رجالة… الواحد كان فاكر إن آدم العطار لما يناسب عيلة الشافعي النسب ده هيهز البلد، أهو في الآخر العروسة الأولى اختفت، وأختها دخلت مكانها.”

 

ضحكات خافتة خرجت من كذا ناحية .. آدم سكت مبصش وراه.

 

هنادي كمل، وهو مستمتع إنه أخيرًا لقى حاجة يقدر يضغط بيها على آدم:

 

“بس بصراحة، مش كل يوم الواحد يشوف كبير عيلة ياخد اللي يتقدم له كده من غير حتى ما يسأل هي مين ولا كانت إزاي عايشة قبل ما تدخل بيته.”

 

واحد من الرجالة ضحك وقال:

 

“أهو المهم الجوازة كملت”

 

رد هنادي:

 

“كملت إيه بس؟ دي حتى البنت نفسها ما بتعرفش تقول كلمتين على بعض. شكلهم لقوا إنها أسهل من أختها، فقالوا نخلص بيها الموضوع و نخلص منها بالنرة و ياعالم سكوتها ده مخبي ايه”

 

توقفت الضحكات لما آدم لف ببطء ..كانت عينيه اتغيرت مكانش في وشه غضب صريح كان فيه حاجة أبرد وأخطر.

 

اتحرك ناحية هنادي

 

“قول تاني.”

 

ابتسم هنادي، ولسه مش مستوعب إنه لمس حاجة مكانش المفروض يقرب منها.

 

“بقول إنك بدل ما تخليهم يعتذروا عن اللي حصل، رضيت تاخد…”

 

ما كملش … آدم اندفع عليه فجأة.

 

مسك فيه قبل ما يوقعه على الأرض، واللكمات نزلت عليه وسط صدمة كل اللي واقفين.

 

“سيرتها متجيش على لسانك!”

 

حاول كبار التجار يفصلوا بينهم، لكن آدم كان خارج عن السيطرة.

 

“آدم! كفاية!”

 

“سيبوني!”

 

“هتولعها بين العيلتين! مش ناقصين دم”

 

“هو اللي بدأ و جاب سيرتها!”

 

اتنين من كبار البلد مسكوه من كتافه وشدوه بالعافية بعيد عن هنادي

 

كان صدره بيطلع وينزل بعنف، وعينيه لسه ثابتة عليه.

 

هنادي مسح الدم من طرف شفته وقال بسخرية:

 

— “مالَك؟ هي الغربال الجديد له شدة للدرجة دي؟”

 

آدم حاول يرجع له تاني، لكن الرجالة مسكوه أقوى

“خدوه من هنا! و انت يا آدم، امشي معانا!”

 

وبعد شد وجذب، قدروا يبعدوه عن السوق قبل ما الموضوع يتحول لمعركة أكبر.

 

—

 

رجع آدم السرايا ووشه متخبط، وجرح صغير مفتوح عند شفته بس اللي كان مولع جواه ماكانش الجرح.

 

من ساعة ما خرج من السوق، وهو مش قادر يفهم ليه فقد أعصابه بالشكل ده.

 

اتقالت عليه حاجات أسوأ واترمى عليه كلام كتير طول عمره.

 

وخصومه حاولوا يستفزوه أكتر من مرة و هو كان زي الجبل مبيتأثرش و لا يتهز لكن المرة دي كانت مختلفة.

 

مجرد ما جابوا سيرتها… اتجنن.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى