عام

قصة رومانسية -العروس الخرساء

الفصل الأول: ثمن الجرح

 

كان الهدوء في الأوضة المغلقة أشد قسوة وأكثر رعب من زغاريد الستات وطبول الفرح اللي كانت مالية الصالة والساحة الخارجية للبيت الكبير من ساعات.

 

واقفة في أقصى زاوية بجوار التسريحة الخشبية القديمة، ضغطت “مريم” بإيديها الاثنين على القماش التل الثقيل الخاص بفستان الزفاف الأبيض. الفستان كان واسع عليها بشكل ملحوظ، لانه ببساطة كان متصمم لواحدة ثانية أطول وأعرض، ملامحها الرقيقة كانت ضايعة وسط كمية المكياج التقيل، وجسمها الصغير اللي لا يتجاوز اتنين وعشرين سنة كان بيترعش برعب ورهبة مكتومة. كل خلية في جسمها كانت تمتص برودة المكان، أنفاسها المكتومة هي الصوت الوحيد المسموع وسط التوتر القائم، وعيونها الواسعة المليانة دموع حبساها بالعافية كانت متثبتة على نقش السجادة المعقودة، خايفة ترفعهم سنتيمتر واحد للي واقف قدامها زي الوحش المتربص.

 

 

 

“آدم” كان واقف عند باب الأوضة المقفول بالمفتاح..نزل إيده ببطء بعد ما قفل الباب وقام بتدوير المفتاح دورتين كاملتين، وعيونه كانت بتطلع شرار. قلع جرافتته بعنف شديد، وزِرار ياقة القميص طار على الأرض . رما الجرافات على الكرسي الخشب الهزاز، وعضلات فكه كانت بارزة من كثر ما هو ضاغط على أسنانه بغضب مكتوم.

 

الصلح.. الكلمة البسيطة دي كانت السبب المباشر في الكابوس اللي بيعيشه حاليا. شهور طويلة من المفاوضات الشاقة، وجلسات كبار العيلتين للبحث عن مخرج ينهي بحر الدم والطار القديم المترسخ بين عيلة “العطار” وعيلة “الشافعي” من أكثر من عشر سنوات؛ حادثة تار قديمة راح ضحيتها رجال من الطرفين، و الأسلحة مهددة بالانفجار في أي لحظة. وكان الحل الوحيد المضمون بالنسبة للكل هو نسب بين العيلتين.

 

 

 

جواز بين “آدم العطار”، الراجل اللي ماسك مقاليد أعمال عيلته وهيبتها بيد من حديد، و “نورهان الشافعي” البنت الكبيرة المتعلمة، التي رُشحت لتكون واجهة ملائمة ومناسبة لبيت العطار.

 

 

 

بس “نورهان” هربت! ، هربت قبل الفرح بساعتين كاملتين، وسابت رسالة جافة ومقتضبة على التسريحة، وسابت العيلتين على وش انفجار ودم جديد هيسيل في الشوارع .

 

 

 

كبار العيلة اتجمعوا في أوضة مقفولة ، والحل السريع والأخير عشان يستروا الفضيحة وما يرجعوش للسلاح وتصفية الحسابات، كان “مريم”.. البنت الصغيرة الهادية، اللي محدش بيعملها اي حساب ، واللي اصغر أختها بعشر سنين.

 

 

 

كانت “مريم” متفرغة لرسوماتها ولوحاتها الصامتة و متوقعتش فى أشد كوابيسها أن تلاقي نفسها خلال ساعات معدودة لابسة فستان أختها الهربانة، وتُساق فدية سريعة عشان تطفي نار الطار بين العيلتين.

 

أما “آدم”، فكل اللي يعرفه لما دخل الأوضة أنهم دبسوه في بنت صغيرة مكملتش 20 سنة بدل من أختها و اللي من وجهة نظره مجرد بنت دلوعة اتجبرت تبقى مكان اختها.

 

خطوات “آدم” كانت ثقيلة وهادية، كل خطوة منها كانت بتعمل صوت زي ضربات المطرقة على أعصاب “مريم” المشدودة. قرب لحد ما بقى واقف قدامها تمامًا، المسافة بينهما ما كانتش تزيد عن خطوات قليلة. ريحة برفانه القوية الممزوجة بريحة السجاير ملت المكان وأربكت أنفاسها .

 

 

 

وقف قدامها وجسمه الضخم يحجب عنها الضوء، وقال بنبرة صوت حادة من قمة الغضب:

 

— “ارفعي وشك كده وبصيلي! إيه ياربي العيلة اللي رموها في وشي دي؟ جايبين لي عيلة صغيرة لا راحت ولا جات عشان يداروا بيها خيبة أختها؟ ارفعي رأسك وردي عليا لما أكلمك!”

 

 

 

“مريم” فضلت باصة للأرض، جسمها بيترعش، وشفايفها مطبقة تمامًا. التوتر خنق أنفاسها وما قدرتش حتى ترفع إيدها تشاور.

 

 

 

اتعصب “آدم” من صمتها، وقرب منها أكتر، ومسك فكها بإيده بقوة، صوابعه الغليظة انغرست في جلدها الناعم، و رفع وشها له بعنف و كمل كلام وهو بيبص في عيونها المرتعبة:

 

— “أنا لما أكلمك تردي! مش هتعيشيلي دور الضحية من دلوقتي؟ اتكلمي بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك!”

 

 

 

هنا، رفعت “مريم” إيدها المرتعشة ببطء شديد، وأشارت بسبابيتها ناحية حنجرتها، ثم حركت إيديها الاثنين بلغة إشارة خفيفة ومفهومة تعني أنها لا تستطيع الكلام.

 

 

 

اتجمد “آدم” في مكانه ثواني. ايده سقطت جنبه و رجع خطويتن لورا بص لإيديها، وبعدين بَص لعيونها المليانة دموع، واستوعب الصدمة. اتسعت عيونه بذهول أتحول في لحظة لسخرية قاسية وغل مكتوم، وضحك ضحكة جافة، مليانة قسوة وازدارء:

 

 

 

— “إيه ده؟ كمان خرصة؟ اهو ده اللي كان ناقصني والله! يعني فوق إنكم عيلة ملهاش كلمة ومفيهاش راجل يٌحكم ستاتها ، مش كفاية اختك و فضيحتها و انهم بعتولي مكانها عيلة صغيرة لا دي كمان طلعت معيوبة ومش بتنطق؟”

 

 

 

ساب فكها بعنف، ودفن إيده في جيبه، الحركة كانت متسلطة لدرجة إن “مريم” اختل توازنها ورجعت خطوة لورا، اتخبط ضهرها في حافة التسريحة الخشبية. أخذت نفس مكسور ومسموع، وحطت إيدها على رقبتها مكان مسكته وهي بتحاول تكتم الشهقة اللي كانت هتقطع صدرها.

 

 

 

كمل “آدم” كلامه وهو بيبص لها من فوق لتحت باحتقار يقطع القلب:

 

“طب اسمعيني كويس بقى .. أنتِ هنا مجرد سد خانة.. شريط شمع أحمر محطوط على باب مانع استمرار التار بين العيلتين. ولا ليكي قيمة، ولا لازمة في البيت ده غير كده .. ومهما صرختِ من الوجع أو انظلمتِ.. وقف كلام و ضحك بسخرية و كمل … و لا صحيح هتصرخي ازاي بحالتك دي!”

 

 

 

“آدم” لف ظهره عنها، مشي ناحية الكنبة الكبيرة اللي في طرف الأوضة، رمى نفسه عليها بإرهاق، وشغل سيجارة وولعها، الدخان الطالع منه كان بيتحرك ببطء في الأوضة. قال وهو بيبص للسقف من غير ما يلتفت ليها حتى:

“نهايته الفستان ده يتخلع، وتقعدي في أي داهية بعيد عن عيني.. وأياكي تفتكري إن الجوازة دي بجد، أو إن ليكي حق عندي كزوجة.”

 

 

 

فضلت “مريم” واقفة في مكانها مش قادرة تتحرك لدقايق . كانت النيران تتأكلها من الداخل، لكن دموعها بدأت تنزل ببطء، دموع ما كانش ليها صوت ، بس كانت بتحرق خدودها. صمتها ما كانش ضعف ولا قلة حيلة، بل كان درعها الأخير للنجاة

بطريقة ثقيلة ومجهدة، مشيت ناحية الحمام المقفول جوه الأوضة. إيديها كانت بترتعش وهي بتحاول تفتح السوستة الطويلة بتاعة الفستان. ما قدرتش توصل لأولها من فوق بسبب توترها، فقعدت على الأرضية الرخامية الباردة، ولمت رجليها لصدرها، وحطت رأسها بين ركبتها وهي بتبكي بالدموع والصمت القاتل. كانت بتفكر في أبوها و امها اللي اتخلو عنها فى سبيل انهم يحافظو على سمعتهم و شكلهم بين الناس، وفي أختها التي اختارت النجاة لنفسها وسابت وراها خراب.

 

مرت ساعات الليلة الأولى بطيئة .

 

 

 

“آدم” كان صاحي على الكنبة، بيبص للساعة الكبيرة اللي على الحيطة وهي بتكتك. كل تكتكة كانت بتفكره بـ “نورهان” وبكسرة كبريائه قدام رجالته وعيلته، بتفكره بالبنت اللي جوه الحمام والتي اتضح أنها حتى ملهاش صوت تدافع بيه عن نفسها. طفى سيجارته الرابعة، وقام وقف بتثاقل بعد أن انقض منتصف الليل.

 

 

 

مشي ناحية باب الحمام، خبط خبطتين خفاف ورجع نبرته القاسية:

 

— “اطلعي .. أنا مش هقعد طول الليل مستني سيادتك”

 

 

 

ما فيش إجابة. ولا صدر أي صوت من جوة.

 

فتح الباب بعصبية، بس اتجمد مكانه لما شافها. “مريم” كانت نايمة على الأرض الساقعة، انكماش جسمها بالكامل جوه الفستان الأبيض، وجهها المجهد كان معلم عليه آثار الدموع المجففة، وشعرها الأسود الطويل كان مفرود حولين رأسها على الرخام البارد. شكلها كان بيعكس حجم انكسار مالوش حدود، وكأنها طفلة تُركت في العراء.

 

 

 

وقف “آدم” في مكانه ثواني. قلبه انقبض … حركة بسيطة وغير مفهومة، و حس بوخزة ذنب حاول سحقها فوراً بمبررات الكبرياء. قرب منها ببطء، انحنى وشالها من على الأرض بكل جفاء، و رماها على السرير .

 

 

 

لما أيديه لمست كتافها، حس ببرودة جسمها الشديدة، ورعشة خفيفة كانت لسه بتمر فيها حتى وهي نايمة . همس بصوت واطي وهو بيبص لوشها الباهت ورموشها الطويلة الندية:

 

— “أنتِ اللي اخترتِ تسدي الفراغ ده .. فاستحملي اللي جاي.”

 

*****-*****–*****

 

 

 

مع أول ضوء للشمس في الصباح الجديد، كان بيت “العطار” الكبير على أهبة الاستعداد. البيت المصمم على الطراز القديم بالدرابزين الخشبي والساحة الواسعة، كان يشهد حركة غير عادية. الأصوات تحت كانت تظهر كأنها يوم عادي، بس كانت مشحونة بالترقب واللغط. عيلة “آدم” كانت مستنية تنزل العروسة الجديدة عشان يشوفوا “البديلة” اللي حلت عليهم، ويشوفو الامور هتمشي ازاي بعد المهزلة اللي حصلت.

 

 

 

“مريم” صحيت قبل ما “آدم” يتحرك من على الكنبة. رغم الم جسمها ورأسها الثقيل، إلا إن كبرياءها رفض أن حد يشوفها ضعيفة. غيرت فستان الفرح اخيرا ولبست جيب أسود طويلاً وبلوزة زيتية بسيطة مقفولة لحد الرقبة، ولمت شعرها الأسود المبلول بكحكة عشوائية بسيطة. ما حطتش أي مساحيق أو تزين، وجهها كان شاحب لكن ملامحها كانت تنضح بنوع من النبل والهدوء الغريب اللي بيفرض نفسه.

 

 

 

نزل “آدم” الأول بعد ما غير هدومه لقميص أبيض وبنطلون قماش غامق، وكانت خطواته على السلم الخشبي الكبير بتعمل صوت مهيب يخرق صمت الممر. في الصالة الكبيرة، كانت أم “آدم” (الحاجة صفية) قاعدة على رأس السفرة الكبيرة، بملابسها السوداء الفخمة ونظراتها التي لا ترحم، وبعض نساء وقرايب العيلة اللي حضروا خصيصاً لمتابعة المشهد.

 

 

 

الحاجة صفية رفعت عيونها الحادة لـ “آدم” أول ما نزل، وقالت بنبرة صلبة ومسموعة للجميع:

 

— “صباح الخير يا عريس.. اومال فين المحروسة؟ ولا هتقضيها حبسة في الأوضة عشان الفضيحة تكبر و نبقى سيرة للي يسوا و اللى ما يسواش؟”

 

 

 

“آدم” قعد على الكرسي الرئيسي التاني للسفرة، ومسك كباية القهوة السادة اللي الخادمة جابتهاله، وقال بنبرة جافة ومحسوبة:

 

 

 

— ” نازلة يا أمي.. والقصة اتقفلت خلاص. اللي حصل حصل ومش عايز حد يفتح الموضوع ده تاني في البيت، ولا عايز أسمع كلمة زيادة من حد.”

 

 

 

في اللحظة دي، نزلت “مريم” على السلم. كانت بتتحرك ببطء وحذر، ماسكة في سور السلم الخشبي بإيد متوترة بس خطوتها كانت ثباتها مدهش. كل العيون اتجهت ليها فوراً؛ نظرات شفقة واستصغار من بعض الخدم، ونظرات احتقار وتقليل واضحة من الحاضرين من قرايب “آدم” اللي كانوا شايفين إن عيلة الشافعي ضحكت عليهم وباعت لهم بنت “طفلة” لتنقذ رقابها.

 

 

 

الحاجة صفية بصت لها من فوق لتحت بنظرة تقييم جافة، وقالت بنبرة حادة وواضحة أمام الجميع و كلها سخرية :

 

 

 

— “أهلاً ببنت الشافعي.. البيت بيتك، بس افتكري كويس إنك هنا عشان نمنع الشَر ونسد باب الدم، مش عشان تبقي ست البيت أو تملي عين حد .. يعني متتعبيش نفسك من الحتة دي.. والرسالة توصل لأبوكي: الجوازة دي وقفت الدم، بس ما شالتش العار اللي أختك سابته في وشنا.”

 

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى