
توسل.
لكن أنا ما عملتش أي حاجة من دي.
مسكت القلم.
فتحت على آخر صفحة.
وكتبت بهدوء
يارا منصور.
وبعدين حطيت بصمتي جنب توقيعي.
حسام اتجمد.
وأمه بطلت عياط فجأة.
إنتِ… وافقتي؟
ما رديتش.
قمت ودخلت ناحية الدولاب.
الغريب إني ماخدتش الهدوم القديمة اللي كنت بلبسها كل يوم.
طلعت أغلى بالطو عندي.
قطعة فخمة كنت اشتريتها من سنين، وما لبستهاش غير مرة واحدة.
لبسته.
وبعدين انحنيت وسحبت شنطة سفر كانت جاهزة أصلًا تحت السرير.
وهنا حسام لاحظ.
الشنطة…
كانت متحضرة من قبل الليلة دي.
فضل باصصلي.
إنتِ كنتِ ناوية تمشي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكن ما جاوبتش.
سحبت الشنطة ناحية الباب.
وأنا بقفله ورايا، سمعت نوال بتضحك
الحمد لله! أخيرًا خلصنا من وش النحس!
وبعدها سمعت حسام بياخد نفس طويل…
نفس راجل ارتاح أخيرًا من حمل كان فوق صدره.
قفلت الباب.
وسبت ورايا جواز 3 سنين.
لكن هما ماكانوش يعرفوا…
إن الباب اللي اتقفل في اللحظة دي، ماكانش باب شقتهم بس.
هما بنفسهم كانوا لسه قافلين آخر باب نجاة ليهم.
مشيت في الشارع لوحدي.
الساعة عدت 1 بعد نص الليل.
الهوا البارد كان بيخبط في خدي اللي لسه عليه أثر القلم.
لكن ما بصتش ورايا ولا مرة.
بعد دقايق، عربية سودا فخمة وقفت قدامي.
السواق نزل بسرعة وفتحلي الباب.
حمد لله على السلامة يا هانم.
ركبت من غير ما أرد.
العربية اتحركت ناحية وسط البلد.
وبعد حوالي نص ساعة، وقفت قدام واحد من أفخم فنادق القاهرة.
طلعت لأكبر جناح في آخر دور.
وقفت قدام الواجهة الزجاجية الكبيرة، والقاهرة كلها منورة تحتي.
طلعت شريحة الموبايل اللي كنت بستخدمها طول ال سنين اللي فاتوا.
كسرتها نصين.
ورميتها في الزبالة.
وبعدين ركبت شريحة جديدة في موبايل تاني.
فتحت جهات الاتصال.
كان فيه رقم واحد محفوظ.
ضغطت اتصال.
الرد جه من أول رنة تقريبًا.
صوت راجل كبير، هادي ومألوف، قال
ألو؟
بلعت الغصة اللي في حلقي.
ولأول مرة من 3 سنين، سمحت لنفسي أقول الجملة اللي كنت مأجلاها
أنا رجعت يا بابا.
سكت الطرف التاني ثواني.
وبعدين جه صوته
يارا؟
غمضت عيني.
أيوه خلاص؟
بصيت لانعكاس وشي في الإزاز.
أثر صوابع حسام كان لسه ظاهر على خدي.
قلت
خلاص. نفّذ اللي اتفقنا عليه.
صوت والدي اتغير فورًا.
متأكدة؟
جدًا.
سكت ثانية، ثم قال
اعتبريه حصل.
قفلت المكالمة.
ولأول مرة من 3 سنين…
نمت وأنا مرتاحة.
الصبح، حسام صحي مبسوط.
لبس بدلة جديدة، وحط أغلى برفان عنده، واختار كرافتة كان محتفظ بيها لمناسبة مهمة.
لأن اليوم ده بالنسبة له كان بداية مرحلة جديدة.
المشروع اللي ماسكه في الشركة، واسمه رؤية المستقبل، كان ماشي بشكل ممتاز.
والإدارة العليا كانت مركزة معاه جدًا.
ولو المشروع نجح، حسام كان شبه ضامن ترقية كبيرة وزيادة محترمة في المرتب.
حتى إنه وهو سايق كان بيفكر
بعد الترقية أبيع العربية وأجيب موديل أحدث.
وصل الشركة حوالي 8 ونص.
لكن من أول ما دخل…
حس إن فيه حاجة غلط.
المكان اللي كل يوم مليان كلام وضحك وحركة، كان ساكت بشكل غريب.
الموظفين قاعدين على مكاتبهم ووشوشهم متوترة.
وفيه مجموعة رجالة وستات لابسين بدل رسمية بيتحركوا بين الإدارات.
على الكروت المعلقة في رقبتهم مكتوب
مكتب الرئيس التنفيذي الإدارة المركزية للمجموعة.
قلب حسام اتقبض.
وقف واحد من زمايله وسأله
هو فيه إيه؟
الراجل هز راسه.
معرفش. بس الناس دي وصلت من المقر الرئيسي الصبح بدري، وطلبوا ملفات كل المشاريع والعقود.
مشروعي كمان؟
الراجل بصله لحظة وقال
خصوصًا مشروعك.
الساعة 930 صباحًا، جالهم إيميل عاجل.
اجتماع إلزامي لجميع الموظفين في قاعة الاجتماعات الرئيسية.
دخل حسام القاعة.
بعد دقائق، دخل نائب رئيس تنفيذي تم إرساله مباشرة من الشركة الأم.
حط ملف قدامه وقال بدون مقدمات
بناءً على قرار مجلس إدارة المجموعة، تقرر تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للشركة، وإيقاف عدد من القطاعات والمشروعات وإعادة تقييم القوى العاملة.
القاعة كلها سكتت.
فتح الملف.
الدفعة الأولى من الوظائف التي تقرر الاستغناء عنها تشمل…
وقف لحظة.
ثم قال
جميع أعضاء فريق مشروع رؤية المستقبل.
وش حسام شحب.
ده مشروعه!
مشروع المفروض إنه من أهم مشاريع الشركة!
قام من مكانه
مستحيل! حضرتك أكيد فيه خطأ! المشروع ده الإدارة بنفسها قالت إنه من أهم مصادر أرباح الشركة خلال ال سنين الجايين!
نائب الرئيس التنفيذي حتى ما بصلهوش
مدير المشروع…
رفع عينيه أخيرًا.
الأستاذ حسام الشافعي.
حسام اتجمد.
حس إن الأرض بتتهز تحته.
أنا؟!
نعم.
بس… ليه؟!
الراجل قفل الملف.
وبصله نظرة باردة.
القرار صادر من أعلى مستوى في المجموعة.
حسام قرب منه
مين أصدر القرار؟!
نائب الرئيس سكت لحظة.
وبعدين قال
مكتب رئيس مجلس الإدارة شخصيًا.
حسام رجع خطوة.
لأنه كان عارف كويس مين رئيس مجلس إدارة المجموعة.
رجل الأعمال المعروف…
منصور الدمنهوري.
لكن اللي حسام ماكانش يعرفه…
إن منصور الدمنهوري عنده بنت واحدة.
بنت اختفت تقريبًا من حياته الاجتماعية من 3 سنين، بعد ما أصرت تتجوز راجل بسيط وتحاول تعيش معاه بعيد عن اسم عيلتها ونفوذها.
وكان اسم البنت دي…
يارا منصور الدمنهوري.
حسام فضل واقف في نص قاعة الاجتماعات كأنه فقد القدرة على الكلام.
اسم منصور الدمنهوري كان معروف لأي حد شغال في المجموعة.
راجل أعمال كبير، ومؤسس المجموعة اللي تحتها عشرات الشركات، ومن ضمنها الشركة اللي حسام شغال فيها.
لكن المعلومة اللي خلت الدم يهرب من وشه فعلًا كانت الجملة الأخيرة.
يارا منصور الدمنهوري.
حسام هز راسه بعنف.
لا… مستحيل.
نائب رئيس الشركة بصله باستغراب.
إيه اللي مستحيل؟
حسام قرب منه خطوة.
حضرتك بتقول إن… يارا بنت الأستاذ منصور؟
أيوه.
يارا… مراتي؟
الراجل رفع حاجبه.
على حد علمي، أيوه. أو خليني أقول… كانت مراتك لحد امبارح.
حسام حس إن رجليه مش شايلينه.
مسك طرف الترابيزة بإيده.
وفجأة، حاجات كتير جدًا بدأت تعدي في دماغه.
أول مرة قابل يارا من أربع سنين.
كانت لابسة لبس بسيط جدًا.
بتروح وتيجي بالمواصلات.
بتاكل معاه في مطاعم عادية.
ولما سألها عن أهلها، قالتله إن والدها رجل أعمال، لكن علاقتهم متوترة لأنها رفضت تعيش بالطريقة اللي هو عايزها.
حسام وقتها ما اهتمش.
في دماغه كلمة رجل أعمال ممكن تعني صاحب محل، أو شركة صغيرة.
ولا مرة تخيل إن أبوها هو منصور الدمنهوري.
الأغرب إن يارا عمرها ما استخدمت اسم عيلتها كامل.
في الأوراق العادية كانت بتكتب
يارا منصور.
ولما اتجوزوا، هي اللي أصرت إن الفرح يكون بسيط.
وإن مفيش داعي والدها يتحمل مصاريف حاجة.
حتى الشقة اللي عاشوا فيها…
حسام افتكر فجأة اليوم اللي كان هيخسر فيه مقدم الشقة لأنه ناقصه مبلغ كبير.
بعدها بيومين بالظبط، الشركة أعلنت عن مكافأة استثنائية لفريقه.
المبلغ كان تقريبًا نفس المبلغ اللي ناقصه.
وقتها حسام قال
رزق.
دلوقتي…
بدأ يفهم.
افتكر أول ترقية أخدها.




