
— كريم، أنا…
سمعت صوت رنا وراه في التليفون:
— كريم ممكن تفتحلي قطرة العين دي؟
— هكلمك بعدين يا مريم، رنا محتاجاني.
وقفل.
كنت خلاص هحط الموبايل في الشنطة لما جالي إشعار من الأبلكيشن بتاع البنك.
فتحت البرنامج.
لقيت خصم من الحساب المشترك بتاعنا بمبلغ ضخم.
دخلت على تفاصيل العملية.
تاريخ الشراء كان من 6 أيام قبل السفرية.
تذكرتين طيران لدبي.
واحدة باسم كريم.
والثانية باسم رنا.
كريم كان لسه قايلي إن الموضوع جه بظروفه بالليل قبلها بيوم.
بس هو كان حاجز التذاكر من أسبوع فات.
ودفع ثمنهم من الفلوس اللي كنا بنحوشها سوا عشان نصرفها في جوازنا.ما كلمتش كريم. أخدت “سكرين شوتس” من كل حاجة، ونزلت كشف الحساب. وبعدها قعدت أراجع كل الحركة المالية القديمة في حسابنا المشترك.
لحد اللحظة دي، أنا كنت بستخدم الحساب ده تقريباً عشان مصاريف الفرح ومقدم الشقة بس. كريم هو اللي كان بيمسك الإدارة والتحويلات عشان شغال في المجال المالي وكان دايماً يقولي: “كده أسهل وأعمل عملية تنظيم أسرع”.
في الأول لقيت تذاكر الطيران. بعد كده خصم لغرفة إضافية في الفندق في دبي. وبعدها حجز في مطعم غالي هناك. كل ده اتعمل واتدفع قبل ما أنا حتى أروح مطار القاهرة بأيام. سفرية رنا ماكانتش فكرة جت فجأة في اللحظة الأخيرة.. كريم كان بيخدعني وبيكدب عليا.
تاني يوم الصبح نزلت شغلي عادي. مديرتي في الشركة، مدام ماجدة، أول ما شافتني داخلة سألتني:
— هو أنتِ مش المفروض في إجازة عشان فرحك؟
— أنا لغيت الفرح.
حطت مج القهوة من إيدها على المكتب وبصت لي:
— محتاجة تمشي أو تاخدي إجازة؟
— محتاجة أفكر بس.
ما سألتنيش عن أي تفاصيل، قفلت باب مكتبها وقالتلي بهدوء:
— يبقى تفكري هنا براحتك ومحدش هيضايقك ولا يدخل عليكِ.
ذوق ودعم بسيط جداً، بس كان هيخليني أعيط. بقالي سنين رابطة بين الحب وبين إني أستحمل وأعدي. مدام ماجدة في اللحظة دي أثبتت لي إن احترام البني آدم معناه كمان إنك ترحم مساحته وما تتعداش عليها.
على معاد الغدا كلمت البنك. سألت خصيصاً عن المعاملات اللي تمت في دبي. الموظفة أكدت لي حاجة خليتني أضغط على التليفون بإيدي بجنون. التذاكر اتأكدت من الكارت الإضافي بتاع كريم.
— ممكن تقولي لي لو كان فيه أي تعديل اتعمل على الحجز؟
— أيوه يا فندم، الحجز في الأول كان لـ 3 أفراد.
سكت تماماً:
— ثلاثة؟
— الحجز الأصلي كان فيه تذكرة ثالثة، بس اتلغت بعد كده.
التذكرة دي كانت تذكرتي أنا.
— اتلغت إمتى؟
الموظفة قالت لي على التاريخ.. قبل السفر بيومين كاملين.
طلبت منها تبعث لي إيصالات الخصم والتعديل على الإيميل، ووصلتني في نفس العصرية. كريم ماكانش بس عارف إن رنا هتسافر معاه، ده غير الحجز اللي كنا عاملينه سوا من شهور بقصد ونية مبيتة. كلمت شركة الطيران عشان أتأكد، الكرسي اللي كان جمبه بالظبط في الطيارة اتغير بقى باسم رنا. مكاني أنا.. بالحرف.
بليل، نزلت رحت بيت أمي في مدينة نصر. كانت قاعد بتتفرج على قوائم المعازيم وترتيب التربيزات.
— أخيرًا جيتي! رنا عايزة تغير لون الورد عشان شايفه إن…
— الفرح اتلغى يا أمي.
أمي رفعت رأسها وبصت لي بذهول:
— إيه؟
— أنا لغيت الفرح من كام يوم.
— بلاش هبل يا مريم!
— الموضوع انتهى خلاص.
حطت القلم من إيدها:
— عشان موضوع السفرية؟ يا مريم هتهدي حياه و12 سنة حب عشان خطيبك طلع السفر بدري يوم؟
— هو ما طلعش السفر بدري.
حطيت الورق والإيصالات قدامها على الترابيزة:
— اشترى تذكرة رنا قبلها بـ 6 أيام، ولغى تذكرتي أنا قبلها بيومين.
أمي قرأت الورق وسكتت شوية، وبعدين قالت:
— أكيد فيه سبب أو سوء فهم.
ضحكت بوجع:
— دايماً فيه سبب وسوء فهم!
— رنا خسرانة أهلها من وهي صغيرة يا مريم…
أهو نفس الكارت المحروق طلع تاني.
— الكلام ده حصل من 24 سنة يا ماما!
— فيه جروح ما بتتقفلش بسهولة…
— أنا مش بطلب منكم تبطلوا تحبوها!
خبطت بأصبعي خبطات خفيفة على الورق:
— أنا بس بسأل: هو ليه عشان تحبوها لازم تاخدوا مني حاجة وتكسروني؟
أمي وِطّت عينها في الأرض:
— محدش خد منك حاجة.
— أنتِ أجبرتيني أتنازل عن “سيمبا”، كلبي اللي جدي جابهولي.
ملامحها اتغيرت:
— كنتِ عيلة صغيرة وقتها!
— بالظبط، كنت عيلة.
سكتت، فكملت:
— وإديتيها أوضتي لما جِت تعيش معانا، وأنا قعدت 8 شهور أنام في الصالة. ولما إحنا الاتنين قدمنا على كورس إنجليزي، دفعتوا لها هي وأنا قال إيه “ممكن أستنى عشان الظروف”. ولما تميت 18 سنة، أخدتوا جزء من الفلوس اللي جدي كان شايلها لي عشان تعملوا لها هي عيد ميلاد كبير.
— الكلام ده ما حصلش بالشكل ده!
طلعت الموبايل:
— جدي بنفسه أكد لي الكلام ده إمبارح.
وش أمي اصفرّ. أنا نفسي اتفاجأت لما عرفت. جدي كان شايف كل حاجة بتحصل ومتابها وساكت طول السنين دي عشان ما يعملش مشاكل. كلمني أول ما عرف إني لغيت الفرح.
“ما تتجوزيش حد بيخليكي مطفية ومش متشايفة”، ده اللي قالهولي، وبعدها فكرني بموضوع الفلوس ده. كانت أول مرة أستوعب إن ظلمهم ليا ماكانش مجرد تخيلات في دماغي، كان فيه شهود عليه.
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح. دخل كريم ورنا. كريم كان ماسك في إيده أوراق الفندق والدار.
— كويس إنك هنا يا مريم، عشان نلحق نخلص أوراق…
— ما بقاش فيه حاجة تخلص.
مديت إيدي واديتوله صورة من ورقة إلغاء حجز الدار. قرأ أول صفحة ووشه اتغير تماماً:
— أنتِ لغيتي الفرح؟
— أيوه.
رنا حطت إيدها على صدرها بتمثيل:
— مريم.. هو ده عشان سفرية دبي؟
— جزء منه عشان دبي.
كريم رمى الأوراق على الترابيزة بغضب:
— أنا مش قلت لك إنك ممكن تطلعي الطيارة اللي بعدها وتيجي؟
طلعت كشف الحساب والإيصالات:
— وهل كنت هتفهمني دي كمان بعدها؟
بص للورق، ولأول مرة يتخرس وما يعرفش يرد.
— اشتريت تذكرة رنا قبلها بـ 6 أيام. ولغيت تذكرتي أنا قبلها بيومين. غيرت الكرسي بتاعي وحطيتها هي مكاني، ودفع كل ده من حسابنا المشترك.
رنا بصت لكريم بذهول:
— أنت قلت لي إن مريم هي اللي قررت تسافر بعدينا!
كريم جز على سنانه. النقطة دي صدمتني.. رنا كانت عارفة أنها مسافرة معاه، بس ظاهرياً ماكانتش تعرف إن اسمي اتمسح تماماً من الحجز.
— كريم —قلت له وأنا ببص في عينه دايركت— بص لي هنا.. كدبت عليا ليه؟
— عشان كنت عارف إنك هتعملي الحركة دي!
— ألغي الفرح؟
— تعملي مشكلة من لا شيء عشان رنا!
وده كان الرد. مافيش أي تأنيب ضمير، مافيش كسوف.. كان عنده يقين تام إن المشكلة في حدودي أنا اللي برفض أبقى هامش.
— طب فسر لي حاجة ثانية —قلت وأنا بفتح فايل معايا— ليه الحساب المشترك بتاعنا فيه 4 عمليات سحب ثانية ليها علاقة برنا خلال الـ 7 شهور اللي فاتوا؟
وشه أبيضّ تماماً. أمي عقدت حواجبها ورنا بطلت تمثيل العياط.
أنا فتحت الفايل اللي أخدته معايا من الشركة. ماكنتش فاهمة كل المبالغ دي بتدفع لإيه بالظبط، بس كان فيه تحويل رايح لشركة عقارات، وتحويل شهري ثابت، وأخر تحويل اتعمل من 3 أسابيع بس وكان مكتوب فيه ملاحظة جمدت الدم في عروقي: “مقدم شقة ر. م.”
بصيت لرنا:
— أنتِ تعرفي حاجة عن الشقة دي؟
رنا هزت رأسها بنفي وهي مش فاهمة.
كريم وقف بسرعة وهو متوتر جداً:
— مريم.. الكلام ده ما ينفعش يتقال هنا!
قفلت الفايل بصوت عالٍ:
— تمام أوي.. بكره الصبح هنتكلم في البنك، وبحضور مدير الفرع وخدمة العملاء اللي بيتابعوا القرض العقاري بتاع شقتنا.
كريم وشه اصفرّ وكان هيروح فيها من الصدمة. ومن رد فعله، تأكدت إنه مخبي مصيبة أكبر بكتير أنا لسه ما وصلتلهاش.الجزء الثالث والاخير
كريم حاول يمسك إيدي وهو وشه جايب ألوان:
— مريم، ارجعي لِعقلك، أنتِ فاهمة الموضوع غلط خالص!
— هعرف الصح بكره في البنك —رديت بهدوء وأنا ببعد إيدي عنه.
طلعت من شقة أمي وسيبتهم في حالة ذهول وتوتر. طول الليل، تليفوني ما بطلش رن، كريم اتصل فوق الـ 20 مرة، وأمي تبعت لي رسائل: “يا مريم بلاش تخربي بيتك قبل ما يبدأ، اتفاهمي مع خطيبك”. حتى رنا بعتت لي مسج: “والله يا مريم أنا معرفش حاجة عن موضوع الشقة ده، كريم كان بيساعدني بس!”.
أنا ما رديتش على مخلوق. أخدت دوش دافي، وقعدت ألم حاجتي من الشقة.
تاني يوم الساعة 9 الصبح، كنت واقفة قدام البنك. كريم جه ورايا بعد دقائق، كان شكله ما نامش طول الليل، عينيه حمرا وقميصه مش متوضب.
— مريم، أرجوكي، بلاش نعمل فضايح هنا.. تعالى نقعد في أي كافيه وأنا هفهمك كل حاجة.
— الفضايح أنت اللي عملتها بفلوسي —رديت وأنا بدخل البنك.
سحبنا رقم ودخلنا لمدير الفرع اللي كان بيتابع ملف القرض العقاري لشقتنا.
أول ما قعدنا، طلعت الأوراق ورصيتها قدامه:
— أنا شريكة في الحساب ده، وعايزة كشف حساب تفصيلي بأسماء المستفيدين من كل التحويلات اللي تمت أخر سنة.
كريم حاول يتدخل:
— يا أستاذ سامح، أنا وهي عرسان وفيه بس سوء فهم بسيط…
— لو سمحت يا كريم، الأستاذة مريم من حقها تتطلع على كل حركة في الحساب —مدير الفرع قالها بحزم وهو بيفتح السيستم.
بعد دقائق من السكوت التام، مدير الفرع بصلنا بملامح جادة، وبعدين بص لكريم وقال:
— أستاذ كريم.. التحويلات اللي بتسأل عليها الأستاذة مريم دي رايحة لحساب بشركة تطوير عقاري، باسم الأستاذة رنا.. بس ده مش كل حاجة.
قلبي بدأ يدق بسرعة:
— يعني إيه مش كل حاجة؟
— الحساب المشترك بتاعكم اتبصم عليه بضمان القرض العقاري لشقتكم، وفيه تحويل شهري لشركة إيجار سيارات فاخرة، بالإضافة لأن الحساب تم استخدامه كضمان لشيكات بدون رصيد باسم أستاذ كريم لصالح شخص ثاني.
هنا السر اللي كان مخبيه!
كريم ماكانش بس بياخد من تحويشة فرحنا عشان يشتري رنا بفسح وهدايا.. كريم كان بيلبسني معاه في ديون وقروض عشان يعمل بطل قدام رنا، وكان بيكتب شيكات بضمان الحساب المشترك بتاعنا عشان يغطي مصاريف شقة رنا الجديدة وعربيتها!
بصيت له بحسرة:
— أنت كنت بتسرقني؟ وكمان عايز تلبسني في قضايا وشيكات؟
كريم ارتبك وصوته بدأ يعلى:
— أنا كنت هرد الفلوس دي كلها أول ما الصفقة بتاعتي تكتمل! أنا عملت كده عشان أساعد رنا تقف على رجلها.. هي ما لهاش حد!
— وأنا؟ —سألته بصوت هادي أوي— أنا كان ليا مين وأنت بتلغي تذكرتي وبتسحب شقايا من ورا ضهري؟
ساعتها مدير الفرع اتكلم:
— أستاذة مريم، أنتِ من حقك فوراً تقدمي طلب لفصل الحساب، وتجميد أي تعاملات بضمان اسمك، وتقديم بلاغ بالشيكات دي قبل ما تؤثر على ذمتك المالية.
— أعمل ده فوراً يا فندم —قلت بدون تردد.
كريم اتجنن:
— أنتِ هتدمريني يا مريم! أنتِ كدة هتقطعي عيشي وهتسجنيني!
— أنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن هبلي وطيبة قلبي مالهمش حدود.
خرجت من البنك وأنا حاسة برئة جديدة بتتنفس لأول مرة من 12 سنة.
خلال الأسبوعين اللي بعدهم، الأحداث اتسارعت جداً:
البنك جمد الحساب، وكريم اضطر يبيع عربيته ويسدد المبالغ المكسورة عليه عشان يهرب من قضايا الشيكات.
لما رنا عرفت إن الشقة والعربية اتسحبوا وإن كريم ما حيلتوش حاجة، بدأت تبعد عنه وتتحجج إنها “كانت مخدوعة فيه زيي بالظبط”.
أمي جاتلي الشقة وهي بتعيط، وقالتلي إنها فهمت متأخر أوي قد إيه هي ظلمتني، وأن جدي هدد إنه هيقطع علاقته بالعيلة كلها لو حد ضغط عليا أرجع لكريم.
في اليوم اللي كان المفروض يكون يوم فرحي..
ماكنتش لابسة فستان أبيض، وماكنتش في قاعة أفراح.
كنا أنا ومدام ماجدة وزمايلي في الشغل بنحتفل برياستي للفريق الجديد بعد الترقية، في مطعم بسيط على النيل.
تليفوني رن، كان رقم كريم.
ما ردتش.. عملت بلوك للرقم، ولأول مرة في حياتي حسيت إن الرقم الأول في حياتي بقى: أنا.




