قصص وروايات

سلفتى حكايات رومانى مكرم

مسكت إيد ابني وبستها بحب ودموع في عيني:

 

— “ربنا يباركلي فيك يا تامر يا ابني.. أنت كبرت بينا وصنت كرامتنا، وجبت لنا حقنا وزيادة من غير ما نعمل مشاكل ولا نعلي صوتنا. المصيف بقى مصيف بجد من بعد ما تدخّلت.”

 

نسرين بصت له وبكل امتنان قالت:

 

— “ربنا يخلك لينا يا تامر، والله لولا موقفك ورجولتك كنا زماننا لحد النهاردة واقفين بنغسل في رملة عيلة طنط فريدة ونطبخ في الحر، ومكنش حد هيحس بينا.”

 

تامر بص لي بعيون جادة ونبرة حاسمة:

 

— “الموضوع ما انتهى يا أمي.. اللي فريدة عملته ده مش مجرد سوء معاملة، دي قلة أصل وإهانة متعمدة. عمي “عادل” جوزها راجع من السفر النهاردة بالليل زي ما عرفت، وأنا مش هسيب حقكم يضيع بالساهل ولا هعديها لها كأن مفيش حاجة حصلت.”

هدى (بقلق أمومة):

— “بلاش مشاكل يا ابني.. خلاص احنا أجرنا وعشنا أيام حنيّة ومبسوطين، وهي أكلت جزاءها في العجمي وأهلها بهدلوها وقضتها نكد وطبيخ.”

 

تامر (بثقة ورزانة):

 

— “لا يا أمي، مش هنعمل مشاكل، بس الأصول لازم تتفق عليها. عمي عادل راجل طيب وابن أصول وما يرضاش المهزلة دي. لازم يعرف مراته بتستغل الناس إزاي وبتعامل أهله إزاي من وراه، عشان محدش يفكر يقل منكم تاني.”

 

دخلنا ارتاحنا وأخدنا دش، وقضينا بقية الليلة في هدوء وراحة. ثاني يوم الضبح، وعلى الساعة 12 الظهر، الباب خبط خبطات متقطعة ومترددة.

 

تامر فتح الباب، وكانت المفاجأة!

 

كانت فريدة واقفة على الباب، بس مش فريدة البجاحة والاستغلالية بتاعة العجمي.. كانت ماشية بضهر محني، وشها أصفر، وتحت عينيها هالات سوداء من قلة النوم وتعب السفر والخدمة، وجنبها جوزها عمي “عادل” وهو شايل شنطة سفره وشكله متضايق وعصب جدًا.

 

أول ما عادل شاف تامر وشافني قاعدة في الصالة، دخل وبان على وشه الخجل الشديد.

 

عادل (بصوت مبحوح ومليان إحراج):

 

— “السلام عليكم يا أم تامر.. إزيك يا تامر يا ابني. حمداً لله على سلامتكم.”

 

هدى (وقفت باستقبال هادي ورزين):

 

— “أهلاً يا أخي عادل.. حمد الله على سلامتك من السفر، كفارة الغربة.”

 

عادل بصل لفريدة بنظرة نارية ناطقة بالغيظ، وبعدين قعد على الكرسي وهو بيتنهد بحسرة وقال:

 

— “أنا نزلت من المطار على الشقة في العجمي امبارح بالليل يا أم تامر.. كنت فاكر هلقى البيت هادي ومرتي مستنياني بلقمة نظيفة وراحة بعد السفر. لقيت الشقة زريبة! رملة مغرقة السيراميك، زبالة ورا الأبواب، مواعين متكومة في الحوض ريحتها طلعت، والبيت مليان ناس نايمة على الكنب والأنتريه كأنه موكب! ولما سألتها فين هدى ومرت ابنها؟ قالت لي مشيوا وزعلانين!”

فريدة كانت واقفة ورا جوزها بتبص للأرض، صوابعها بتترعش وما قادرة ترفع عينها في عيني ولا في عين نسرين اللي خرجت من المطبخ وهي شايلة صينية العصير بكل ثبات.

 

تامر قعد قصاد عمّه عادل وقال بنبرة رجولية هادية:

 

— “يا عمي عادل.. أنت راجل كريم وأخو أبوي المتوفي، ونفسنا دايماً على بعض بالخير. بس مرتك عمتي فريدة اتصلت بأمي ونسرين وعزمتهم على أساس يجوا يغيروا جو ويصيفوا معاها، وأول ما وصلوا بعد سفر خمس ساعات في الحر، استقبلتهم كأنهم خدامين متأجرين لحسابها ولحساب عيلتها!”

 

عادل ضرب على ركبته بقوة وزعق:

 

— “سخرة؟! عزمتكم عشان تخليكم تطبخوا وتغسلوا هدوم أهلها المبلولة بالرملة؟! دي قالت لي في التليفون إنكم قعدتم يومين ومشيتوا عشان الفلوس حرقاكم وعاوزين تأجروا على البحر!”

 

هدى (رديت بوضوح وبدون مواربة):

 

— “لا يا عادل.. الفلوس ما حرقاتناش، ابني تامر بعت لنا من عرق جبينه عشان نكون عزاز المكرمين. مرتك رميت لينا جردل الهدوم الزفرة تحت رجل نسرين وقالت لها اغسلي وانشري عشان الناس طالعة من البحر تعبانة! وصحتني الساعة 6 الصبح تحكم عليا أصحّي مرات ابني تقلي بطاطس وطعمية لأختها وعيال أخوها النايمين! وقالت لي بكل بجاحة: ‘اللي يقعد في شقتنا يمشي بقوانيننا والشارع واسع!’”

 

عادل وشها أحمر دم، ووقف من طوله وبص لفريدة وهو بيترعش من الغضب:

 

— “الكلام ده حصل يا فريدة؟! أنتِ تجيب مرت أخويا المتوفي ومرت ابنها الشابة النظيفة عشان يخدموا على أختك سحر وعيالها؟! الشقة دي أنا شقيان فيها في الغربة عشان ترتاحي وتستقبلي أهلك بالمعروف، مش عشان تعمليها تكية وتهيني أهلي فيها؟!”

 

فريدة (بكت بصوت واطي وبقت تحاول تبرر بلهجة متقطعة):

— “والله يا عادل أنا.. أنا كنت تعبانة والأكل كان كتير.. وأنا قولت نساعد بعضنا، هما كبروا الموضوع و…”

 

تامر (قاطعها بصرامة وقوة):

 

— “لا يا عمتي، احنا ما كبرناش الموضوع. أنتِ اللي استصغرتِ أمي ونسرين، ونسيتِ إن عندهم راجل في القاهرة يسد عين الشمس وميرضاش بالدنية. أمي مش محتاجة شقتك، ولا نسرين شغالة عند حد. احنا أجرنا أحسن شقة في البيطاش بفلوسنا، وأكلنا من أنظف مطاعم، وروحنا بيتنا ورأسنا في السماء.”

 

عادل بصل لمراته بجمود وقسوة وقال لها أمامنا كلنا:

 

— “تطلعي حالاً تعتذري لأم تامر وتتأسفي لنسرين وتدوسي على راسك قبل إيديهم! وإن ما عملتيش كده النهاردة، حلفان يمين طلاق لا أنتِ مرتي ولا أعرفك، وتروحي تقعدي في بيت أهلك اللي عزمتيهم يكركبوا شقتي ويهينوا قرايبي!”

 

فريدة اتصدمت، دمعت عيونها بالخزي والندم الشديد، وقربت مني وهي بتبكي بجد المرة دي…

 

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

وقفت “فريدة” وهي من جوزها “عادل” ، كانت إيديها بتترعش ودموعها نازلة على وشها المجهد اللي بان عليه التعب والخزي. قربت مني بخطوات بطيئة وراسها مكسورة للأرض، بصلتي بنظرة رجاء واستعطاف ومسكت إيدي بالراحة:

 

— “سامحيني يا هدى.. حقك عليا يا أختي، الشيطان غواني وعماني، وقسوة قلبي واستغلالي هربوا مني العقل. أنا والله اتعلمت أدب العمر في الكام يوم دول، وأهلي اللي عزمتهم وشلتهم على رأسي ما حدش فيهم شال عني قشة ولا قدر تعبي، وفي الآخر سابوني في الهم والكركبة ومشيوا. أنتِ ونسرين أطهر وأطيب قلب، وحقك على رأسي من الفوق.”

 

وبعدين التفتت لـ “نسرين” اللي كانت واقفة جنب تامر ثابته وهادية، وقالت لها بصوت بالدموع:

 

— “سامحيني يا بنتي.. يا نسرين يا أصل يا طيبة، أنا عاملك زي الخدامة وأنتِ بنت ناس وأصول، سامحيني عشان خاطر عمك عادل وعشان ربنا ما يخربش بيتي.”

 

نسرين بصت لي الأول بتشاورني بعينيها، وأنا أخدت نفس طويل وقلت لها برزانة وقوة أمهات الأصول:

 

— “المسامح ربنا يا فريدة.. احنا مش بتوع خراب بيوت، ولا جيناتنا فيها الشماتة ولا الغل. بس الدرس ده يفضل علم في راسك طول العمر؛ الكرامة والناس الطيبين مش لعبة في إيدك، واللي يجيلك بيتك زائر تخدميه على رأسك من فوق، مش تستغليه وتفتكري إن الفقر أو الحوجة هي اللي جابته لك! احنا معززين بفضل ربنا وبرجولة ابني تامر، ومش محتاجين شقة ولا أكل من حد.”

 

عادل بصلها بجمود وقسوة وقال لها بصوت صارم:

 

— “اسمعي يا فريدة.. الاعتذار ده بداية الحساب مش آخره! الشقة بتاعة العجمي دي تقفليها، وما فيش مصيف تاني لأهلك فيها ولا دخول ليها إلا بإذني ورأيي! والبيت هنا ترجعيلها خدمتك وحشمتك، ولو سمعت إنك قللتِ من أم تامر أو نسرين بكلمة أو بنظرة تاني، مالكيش عتبة معايا، فاهمة ولا لأ؟!”

فريدة هزت رأسها بالوافقة بسرعة وهي بتعيط ومسحت دموعها بطرف طرحتها: “فاهمة يا عادل.. فاهمة وحقكم عليا كلكم.”

 

عادل اتطلع في تامر وأخد نفس مليان احترام وتقدير، وقرب منه وحضنه بجدية وشهامة:

 

— “تسلم إيدك يا تامر يا ابني.. أنت طلعت راجل وسد في ظهر أمك ومرتك، وما سمحتش لحد يقل منهم حتى لو كانت عمتك ولا أنا شخصياً! أبوه الله يرحمه ساب راجل يوزن بلد. أنا فخور بيك يا ابني، وأنا بنفسي هعوضكم عن النكد اللي شفتوه، وعزومتكم الجاية في المصيف هتكون على حسابي أنا شخصياً في أكبر فندق، عشان تشوفي يا فريدة الفرق بين الأصول وبين البجاحة!”

 

تامر رد عليه بأدب وشموخ:

 

— “تسلم يا عمي عادل، أنت على رأسنا من فوق وعارفين أصلك ورجولتك، والموضوع انتهى لحد هنا، وكرامة أمي ومراتي ردت وزيادة برضاهم وراحتهم، ومش عاوزين غير سلامتك ورجوعك ببيتك عالي ومستور.”

 

قعدنا كلنا شربنا العصير، وفريدة استأذنت ودخلت المطبخ بتوسل تحاول تساعد نسرين في تحضير الضيافة عشان تغسل خطيتها، بس نسرين بكل رقي أخدت منها الحاجة وقالت لها: “ارتاحي يا طنط، أنتِ جاية من سفر وحنا أصحاب البيت النهاردة.”

 

الموقف ده فتح عين فريدة على الفرق بين الأخلاق والعز الحقيقي، وبين البخل والاستغلال اللي كان عمي عينها. حسيت برضا وسكينة ملوا قلبي، وبصيت لنسرين وتامر وهم قاعدين جن بعض ايديهم في إيدين بعض مرفوعين الراس.

 

خرج عمي عادل وفريدة من بيتنا، والباب اتقفل وراهم، بس المرة دي اتقفل على صفحة سوداء وانطوت للأبد. قعدت في صالوني النظيف، والهواء العليل من البلكونة بيلف الشقة، وأنا حاسة إن حسرتي وقهرتي في العجمي تحولوا لتاج عزة وفخر بابني وتربيتي.

 

نسرين جابت لي كوباية شاي بالنعناع وقعدت تحت رجلي على السجادة، ومسكت إيدي وقالت لي بابتسامة صافية:

— “تعرفي يا طنط.. أنا حاسة إن الأسبوع ده رغم تعب أول يومين فيه، كان أحسن أسبوع في حياتي. اتعلمت فيه يعني إيه راجل يصون مراته وأمه، ويعني إيه أم زوج تكون ظهر وسند لمرات ابنها وما ترضاش عليها الإهانة.”

 

ابتسمت وطبطبت على كتفها بحنان:

 

— “أنتِ بنتي يا نسرين، وتامر ابني، والبيت اللي يتبنى على الأصول والكرامة ما تهزوش أي ريح ولا تكسره أي بجاحة. عيشي وافرحي يا بنتي، والعز اللي احنا فيه بالرضا ونظافة القلب أكبر بكتير من شقق ومصايف الناس!”

 

تامر دخل علينا الصالة وضحك بصوت عالي وهو بيحط إيده على كتفنا الاثنين:

 

— “يلا بقى يا جماعة سيبكم من السيرة دي خالص! الشنط لسه فيها هدايا وأسماك العجمي اللي جبناها، نسرين تقوم تعملنا أكلة سمك رايقة من اللي قلبكم يحبها، ونقعد نتفرج على فيلم سوا ونستمتع ببقية الإجازة في بيتنا المعزز المكرم!”

 

وضحكنا كلنا من قلبنا، ضحكة صافية مفيهاش حسرة ولا وجع، ضحكة ناس عرفوا قيمة نفسهم، وصانوا كرامتهم، وخرجوا من التجربة أMethod وأقوى وأقرب لبعض من الأول بكثير.

 

رجعت فريدة لبيتها مع جوزها “عادل” وهي حاسة بكسرة عين لم تذوقها في حياتها قبل كده. دخلت شقتها في القاهرة، وكانت حاسة إن الجدران بتضايق عليها، وكل زاوية افتكرت فيها عمايلها البشة واستغلالها لـ “هدى” و”نسرين” بقت تشهد عليها. عادل ما بقاش يكلمها إلا على قد الكلمة، وكان زعل رجل الأصيل والشهامة بيبان في صمته ونظراته الجافة، وده كان أشد عليها من الضرب والشتيمة.

 

في الوقت ده، كان بيتنا إحنا ماليان بالدفا والراحة. نسرين وُضعت في مكانة أرقى وأعلى في نظري ونظر تامر. أثبتت في الموقف ده إنها مش بس بنت أصول صبورة، دي كمان كانت سند ليا وعقلانية ومبتكبرش المشاكل على الفاضي.

بعد مرور حوالي أسبوعين من السفرية اللي غيّرت مجرى علاقتنا، وفي يوم الجمعة بالليل، التليفون رن وكان المتصل “عادل”.

تامر فتح السبيكر واستقبل عمّه بترحاب شديد:

 

— “أهلاً يا عمي عادل.. جمعة مباركة عليك، اخبارك إيه؟”

عادل (بصوت مليان ود واحترام، بس فيه نبرة جدية):

 

— “أهلاً يا تامر يا ابني.. الله يبارك فيك. أنا متصل بيك وبأمك الغالية عشان أبلغكم بحاجة، وأخد رأيكم في موضوع مهم جداً.”

 

هدى (قربت من التليفون وقالت بصوت هادي):

 

— “خير يا عادل يا أخي؟ اتفضل، البيت بيتك والكلام معاك على راسنا.”

 

عادل:

 

— “الله يعزك يا أم تامر.. أنا بعد اللي حصل، لقيت إن الواجب والأصول يتحتموا عليا أرد كرامتكم قدام العيلة كلها. الشقة بتاعة العجمي دي أنا بعتها خلاص وببيع عقودها الأسبوع ده، ومبقتش عاوز أي حاجة تفكرني بالمهزلة اللي حصلت فيها من ورايا.”

 

هدى ونسرين اتصدموا وبصوا لبعض بذهول!

 

تامر (باندهان):

 

— “بعتها يا عمي؟! ليه بس؟ دي شقتك وتعُبت فيها في الغربة!”

 

عادل (بإصرار):

 

— “بعتها يا ابني عشان اللي ميعرفش يصون الشقة ويستقبل فيها أهلي الأكابر بالمعروف، ما يستاهلش تقعد في إيده. وبفلوسها أنا أجرنا شاليه فندقي على البحر مباشرة في شاطئ خاص في الساحل الشمالي لمدة أسبوع كامل، والعزومة دي مش عزومة فريدة.. العزومة دي من عادل شخصياً لأم تامر وتامر ونسرين بنت الأصول!”

 

هدى (بحرج وأدب):

 

— “يا عادل يا أخي، ربنا يزيدك من نعيمه، بس احنا خلاص صيفنا وأخدنا كفايتنا ومش عاوزين نكلفك حاجة، والحمد لله كرامتنا ردت بيك وبرجولتك.”

 

عادل (بصرامة وتوسل):

 

— “والله العظيم يا أم تامر، لو رفضتم العزومة دي لتكونوا بتكسروا بخاطري وبترفضوا اعتذاري! أنا أخدت إجازة مخصوص من شغلي في الخليج، وهنطلع كلنا بعربيتي الخاصة، وفريدة جاية معاكم، بس المرة دي جاية وهي عارفة مقامها وقيمتكم، ومفيش ولا مخلوق من أهلها هيهوب ناحية الشاليه ولا حتى يشم ريحته! الشاليه فيه خدمة فندقية، أكل جاهز بيوصل لحد السفرة، وتنظيف يومي من الفندق، وأنتِ ونسرين هتروحوا تقعدوا أميرات، ولا تشيلوا كوباية ولا تقفوا أمام بوتاجاز دقيقة واحدة!”

تامر بص لي ولنسرين، ولقى في عيوننا التردد، فحب يطيب خاطر عمّه ويحفظ هيبته:

 

— “خلاص يا عمي.. مادام حلفات وبقت عزومة راجل لأهله، احنا تحت أمرك، وما نرضاش نكسر بخاطرك أبداً.”

 

فريدة أخدت التليفون من جوزها، وصوتها كان منكسر ومختلف تماماً عن فريدة القديمة:

 

— “هدى.. يا أم تامر، أرجوكي اقبلي، أنا والله العظيم حاسة بذنب كبير، ونفسي من قلبي أخدمكم بعيني وأشوفكم مبسوطين عشان ربنا يرضى عني ويصلح حال بيتي مع عادل.”

 

هدى:

 

— “خلاص يا فريدة.. اللي فات مات، وربنا يهديكِ ويجعل بيتك عامر بالخير والأصول.”

 

اتفقنا على السفر بعد يومين. يوم الأحد الصبح بدري، جت عربية عادل الفخمة المكيفة لحد باب البيت عندنا. نزل عادل بنفسه وأخذ الشنط، وفريدة نزلت من العربية، وجت لحد عندي واستقبلتني بالبوس والأحضان، وسلمت على نسرين بكل احترام وتقدير وقالت لها: “نورتي يا نسرين يا حبيبتي، الشاليه ينور بيكي.”

 

ركبنا العربية، وتحركت بينا على طريق الساحل الشمالي السريع. الطريق كان سلس ومريح، والتكييف مغرق العربية بالهواء البارد، وعادل مغير الجو بالضحك والحكايات الكريمة، وفريدة طول الطريق بتوزع علينا عصاير وفواكه ومستعدية لخدمتنا بابتسامة خفيفة ورزينة.

 

وصلنا الشاليه في الساحل.. كان حاجة من الخيال! شاليه أرضي بحديقة خاصة بتطل مباشرة على الرملة الناعمة والبحر المفتوح الصافي. الشاليه جواه تكييفات مركزية، أثاث مودرن نظيف جداً، وحمامات فندقية بريحة اللافندر، وعاملين الفندق واقفين برة مستنيين إشارتنا عشان يشيلوا الشنط ويوصلوا الأكل.

 

دخلت أنا ونسرين أوضتنا الرئيسية المطبّة على البحر، ونسرين بصت لي وهي مش مصدقة التغير العجيب اللي حصل:

— “سبحان مغير الأحوال يا طنط! من شقة العجمي الكركبة ورملة الهدوم والمطبخ السخن، لشاليه الساحل والخدمة الفندقية!”

 

هدى (بطمأنينة ورضا):

 

— “ده فضل ربنا يا بنتي.. لما ترفضي الإهانة وتصوني كرامتك بالحق ومن غير قلة أدب، ربنا بيرد لك حقك بأضعاف ما كنتِ تتمني. عادل راجل أصيل، وفريدة أخذت الدرس اللي يخليها تمشي عدل بقية حياتها.”

 

في نفس اليوم على الساعة 5 المغرب، قعدنا كلنا في الحديقة الخشبية بتاعة الشاليه على البحر. الشاي بالنعناع اتخدم علينا من خدمة الفندق، والحلويات والمكسرات محطوطة على السفرة.

 

وفي وسط الروقان ده، وفريدة قاعدة جنبنا بكل أدب وبتحاول تعوض كل كلمة قاسية قالتها زمان، لقينا تليفون فريدة بيرن!

 

بصت فريدة للشاشة، ووشها أصفر شوية وظهر عليه الارتباك.

 

عادل بص لها بنظرة حادة وقال:

 

— “مين بيكلمك يا فريدة؟”

 

فريدة (بتردد وصوت خافت):

 

— “دي.. دي سحر أختي يا عادل.”

 

عادل بصلها بثبات وقسوة وقال:

 

— “افتحي السبيكر يا فريدة.. خلينا نسمع أختك الكريمة عاوزة إيه المرة دي!”

 

فريدة فتحت الخط وفتحت السبيكر والإيدين بتترعش…

 

سحر (بصوت فيه هيصة ودوشة وطمع باين من بعيد):

 

— “أيوة يا فريدة! إيه يا أختي أنتِ فين؟ اتصلت بيكي على شقة العجمي البواب قالنا إن الشقة اتباعت وناس غريبة استلموها! هو إيه اللي حصل؟! وأنتِ فين دلوقتي؟ سمعنا إن جوزك أجر شاليه في الساحل الشمالي، إحنا أهو لمينا العيال وركبنا الميكروباص وجايين لكم على الساحل نسهر معاكم ونقضي كام يوم، ابعتي لي العنوان بسرعة عشان الميكروباص يوصلنا للباب!”

كلنا سكتنا وبصينا لفريدة ونشوف رد فعلها.. يا ترى هترجع لضعفها واستغلال أصلها، ولا الدرس عمل فيها إيه؟!

ساد الصمت في الحديقة الخشبية للشاليه، ومفيش صوت طالع غير حركة الموج الخفيفة ونسمة الهواء الصافية. كلنا بصينا لـ “فريدة”.. عيون جوزها “عادل” كانت متثبتة عليها بنظرة حادة زي السيف، وتامر قعد حاطط رجل على رجل بكل ثبات، وأنا ونسرين بنراقب المشهد برزانة وهدوء.

 

فريدة مسكت التليفون وإيدها كانت بتترعش في الأول، بس أخدت نفس طويل، ووشها اتحول من الخوف والارتباك لصرامة وقوة عمرنا ما شفناهم فيها قبل كده.

 

فريدة (بصوت حاسم وقاطع هز أركان المكان):

 

— “اركبوا الميكروباص وارجعوا على القاهرة فوراً يا سحر! مفيش ساحل، ومفيش مصايف، ومفيش دخول هنا لأي حد!”

 

سحر (بصدمة وذهول من ورا التليفون):

 

— “جرى إيه يا فريدة؟! أنتِ بتتكلمي كده ليه؟ ده احنا إخواتك وعيلتك! يعني أجرتم شاليه فخم في الساحل وسيبتونا في الحر بالقاهرة، وجاية تقفلي الباب في وشنا؟!”

 

فريدة (برد قاسي ودرس خرج من قلبي موجوع):

 

— “أيوة بقفل الباب في وشكم يا سحر! عشان لما جيتوا لي العجمي، دخلتم بقلة أصول، استغليتوني ودبستوني في خدمتكم وخدمة عيالكم، رميتم زفركم ورملكم عليا وعلى ناس أكابر أطهر وأحسن منكم، وفي الآخر خربتم بيتي ومشيتم ولا حد فيكم شال قشة ولا جاب علبة عصير! الشاليه ده جوزك ما دفعش فيه جنيه، والعزومة دي مش ليكم.. العزومة دي لأم تامر ونسرين بنت الأصول اللي أنا ظلمتهم وافتريت عليهم، وجوزي بيصون كرامتهم وبيصلح عمايلي البشعة. إياكِ تتصلي بيا تاني يا سحر ولا تفكري تفتحي بيتي استغلال وتكّية!”

 

وقبل ما سحر تنطق بكلمة ثانية، فريدة قفلت الخط في وشها بقوة، وعملت للرقم بلوك قدامنا كلنا، وحطت التليفون على السفرة وهي بتتنفس بصعوبة، بس عينها كانت مرفوعة المرة دي بنظرة ندم وتوبة حقيقية.

عادل أخد نفس طويل، ونظرة الغضب اللي في عيونه تحولت لراحة وابتسامة رضا، وطبطب على إيد مراته وقالها:

 

— “دلوقتي بس يا فريدة أقدر أقول إنك عقلتِ وعرفتي قيمة بيتك وأهلك الحقيقيين. اللي يبيعك ويستغلك اقفلي الباب في وشه، واللي يصونك ويرعى أصولك حطيه فوق رأسك.”

 

فريدة بصت لي ولنسرين والدموع في عينها:

 

— “حقكم عليا للآخر يا هدى.. أنا النهارده بس حسيت بالراحة لما قطعت دابر الاستغلال، وعرفتي يعني إيه الناس المقامة والناس الشبعانة من جواها زيكم.”

 

هدى (ابتسمت لها بقلب صافي وقبلت اعتذارها):

 

— “عفا الله عما سلف يا فريدة.. اللي يعرف غلطه ويصلحه يبقى ابن أصول، والصفحة القديمة اتقفلت وأترمى سرها في البحر، والنهارده بنبدأ على نظافة وإحساس.”

 

قضينا بقية الأسبوع في الساحل الشمالي كأنه حلم جاعلينه من الخيال. ننام ونصحى براحتنا، ننزل البحر النظيف الصافي، الأكل الفندقي الجاهز يوصل لحد عندنا على السفرة، ضحك وهزار وروقان بال مفيش بعده. نسرين كانت طايرة من الفرحة، ووشها نور ورجع لها حذق الشباب، وكانت طول الوقت متدندنة ومتعززة بحب جوزها تامر ورجولته.

 

وفي آخر ليلة لينا قبل ما نرجع القاهرة، كنا قاعدين كلنا في حديقة الشاليه بنشرب شاي بالنعناع وبنتفرج على القمر وهو منور على سطح المية. تامر مسك إيدي وإيد مراته نسرين وقال بتأثر:

 

— “الحمد لله يا أمي.. ربنا رد لكم حقكم مضاعف، وخرجنا من تجربة العجمي دي وأحنا أقوى وأقرب لبعض، وعمتي فريدة اتعلمت الدرس اللي هيحفظ لها بيتها وعزها.”

 

الحكمة والنعمة:

 

خرجت من التجربة دي بدرس عمري ما هنساه وبنصيحة أكتبها بماء الذهب لكل أم وكل زوجة وكل بيت:

 

* الكرامة خط أحمر: الطيب مش معناه الهبل أو السكوت عن الإهانة. لما ترفض الاستغلال بقلب قوي وأدب عالي، ربنا بيرد لك حقك ويديك فوق ما تتمنى.

* الرجولة أفعال مش كلام: الزوج أو الابن الأصيل هو اللي يكون ساتر وظهراً لأهله ومراته، وما يرضاش عليهم الدنيّة ولا يسمح لمخلوق يكسر بخاطرهم، زي ما عمل تامر وعادل.

 

* الاستغلال بياكل صاحبه: فريدة لما حبّت تجيب عيلتها على حساب كرامتنا، اتدبست هي في الخدمة والنكد، ولما وقفت الاستغلال رجع لها بيتها وهيبتها.

 

* بنات الأصول ألمس: المعاملة بالراحة والرضا ونظافة القلب بتكشف الدهن الصافي من المزيف، واللي يشتري خاطرك اشتريه بعينك، واللي يستغلك حط بينك وبينه الف سد وباب.

 

رجعنا القاهرة مرفوعين الرأس، بقلوب مليانة رضا وحب وثبات، وعرفنا إن العز الحقيقي مش بالشقق ولا بالمصايف.. العز بالنفس الشبعانة، والرجولة اللي تصون، والكرامة اللي ما تتباعش بأي ثمن.

 

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى