قصص وروايات

بيت العيله حكايات روماني مكرم

ثم تابعت نزولها على السلم.

 

كان صمت البيت في تلك اللحظة مرعباً. صمت لا تشوبه إلا أصوات أقدام شيماء وهي تهبط الدرج الرخامي بخطوات ثقيلة ومتقاربة. نزلتحماتي خلفها خطوات قليلة، وصارخت من أعلى السلم بصوت مبحوح يحاول التغطية على الانكسار: “غوري! غوري في ستين داهية! بكرة تيجي تجري تحت رجلينا وترجينا نرجعك لما تجوعي وما تلاقيش اللقمة! الشارع هيعلمك الأدب يا يتيمة!”

 

لكن شيماء لم تتوقف، ولم تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. فتحت باب البيت الكبير الشارع، وخرجت إلى ظلام الليل.

انقضت ليلة العقيقة بطريقة لم يتوقعها أحد. الضيوف كانوا قد غادروا قبل الأحداث بحديث قصير، لكن الجيران في البيوت المجاورة استشعروا أن هناك أمراً ما يحدث. التفت الحارة الشعبي حول القصة في الصباح الباكر. أين ذهبت شيماء؟ أين نائمة تلك الليلة؟

في اليوم التالي، كانت شقة حماتي تغلي. جلسنا جميعاً في الصباح نرتشف الشاي، لكن الطعم كان مختلفاً. لم يكن هناك أكل شهي نلقيه في الزبالة ونضحك، لم تكن هناك هدايا بسيطة نتطنز عليها، ولم تكن هناك “شيماء” ننادي عليها لتنظيف السلم أو إعداد الشاي للضيوف.

 

قالت حماتي وهي تضرب كفاً بكف: “البت دي راحت فين؟ اتصلت بإخواتها يا أحمد؟”

 

رد أحمد وهو يجلس على الكنبة والجمود يكسو وجهه، عيناه تحتها هالات سوداء جراء السهر: “اتصلت بـ “محمود” أخوها الكبير. أول ما سمع صوتي، قال لي بكل بورد: (شيماء عندنا في البيت، وما تتصلش تاني إلا لما تتفقوا على المأذون). ورزع الخط في وشي!”

 

انقبض قلبي في تلك اللحظة. أخوها الذي كنا نظن أنه بايعها ولا يسأل عنها، فتح لها بابه واستقبلها؟ كيف حدث هذا؟

 

قالت أخت زوجي بحدة: “أكيد هي اللي ملته وعملت له غسيل مخ! هم أصلهم عالم جحدين، بعد ما أكلت وشربت عندنا وعاشت في عزنا، طالعة تعمل علينا هانم وبتتشرط!”

 

لكن الحقيقة التي كنا نتهرب منها جميعاً هي أننا سلبنا من شيماء كل شيء، حتى خيل لنا أنها لم تعد تملك شيئاً تخسره. وعندما لا يملك الإنسان ما يخسره، يصبح أقوى منا جميعاً.

مرت أيام قليلة، والبيت أصبحت جوه مسموماً. الضرة الجديدة، نادية، التي كنا نرفعها فوق الرؤوس، بدأت تظهر طباعها الحقيقية. لم تكن شيماء الطيعة الهادئة. نادية كانت تطالب بالخدمة، ترفض تنظيف السلم، وتصرخ في وجه حماتي إذا انتقدت طريقة تربيتها للطفل أو طبيعة أكلها.

 

في أحد الأيام، بعد أسبوعين من خروج شيماء، كانت حماتي تجلس في الصالة، وأنا أعد القهوة في المطبخ. دخلت نادية وهي تحمل طفلها الذي كان يبكي بحرقة.

 

قالت حماتي بزجر: “ما تسكتي الولد ده يا نادية! الشقة بقت تجيب الصداع طول النهار والليل! ما تديلو اللبنة ولا اعملي له كراوية!”

 

ردت نادية بجفاف وهي تضع الطفل في حضن حماتي بقسوة: “أنا تعبانة طول الليل مانمتش! خذيه أنتِ سكتيه ولا اعملي له أنتِ الكراوية، أنا مش شغالة عند حد هنا! أنا المخدومة في البيت ده عشان جيبت لكم الولد اللي بيض وشكم!”

 

ذهلت حماتي من الوقاحة، واتسعت عيناها بغضب: “انتِ بتكلميني أنا كده؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت؟”

 

ردت نادية وهي تستدير ذاهبة إلى شقتها: “لا مانسيتش، بس أنا مش شيماء اللي كانت بتسكت لكم وتبلع لكم الزلط وترموا أكلها في الزبالة وتضحكوا عليها! أنا ليا ظهر ويا ويل اللي يجي عليا!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى