قصص وروايات

بيت العيله حكايات روماني مكرم

 

اتلفتت ليه شيماء. ما كانتش عينها خايفة زي ما الكل اتعود، كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة حد جاب آخره وخلاص ما بقاش فارق معاه حاجة. بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت واطي بس هز الشقة كلها:

 

“أنا عايزه أطلق.. أنا تعبانه ومش قادره أتحمل أكتر من كده.”

 

تجمّد زوجها في مكانه لثوانٍ، واستدار لها ببطء شديد وهو مشدوه، وكأنه لم يستوعب الكلمات التي خرجت للتو من فم السيدة التي اعتادت أن تهز رأسها بالقبول وتصمت أمام أعتى الإهانات. تناثر الصمت في أرجاء الشقة الضيقة، صمت ثقيل يُسمع فيه صوت أنفاسه المتسارعة ونبضات قلبها التي كانت تخفق بقوة لكن دون خوف. كنت أقف خلف الباب الموارب، أتكئ بكتفي على الجدار البارد، أتنفس بحذر كي لا يظهر وجودي، وعيناي معلقتان بتلك اللحظة الفارقة.

 

قال زوجها بحدة وهو يضيّق عينيه، محاولاً استعادة فرض سيطرته التي اعتاد عليها: “أنتِ بتقولي إيه؟ طلاق إيه وزفت إيه اللي بتتكلمي عنه في ليلة زي دي؟ أنتِ اتجننتِ يا شيماء؟ بدل ما تباركي لأخويا وتفرحي بالولد، جاية تنكدي علينا وتفتحي موال جديد؟”

لم ترف لشيماء جفن، ولم تراجع خطوة واحدة إلى الخلف كما كانت تفعل دائماً. تقدمت خطوة واحدة نحو المنتصف، وقالت بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة، صوت يخلو تماماً من تلك الرعشة التي كانت تشوب كلامها في السابق: “أنا مش بنكد على حد، أنا بخلص نفسي. أربع سنين وأنا بقول بكرة هيحسوا، أربع سنين وأنا باكل اللقمة بدموعي وبشرب إهانتي على إنها مكتوبة عليا عشان يتيمة وماليش سند. بس لحد هنا وخلاص يا أحمد.. طاقتي خلصت، وقلبي مات.”

 

ضرب أحمد بيده على الطاولة القريبة فاهتزت المزهرية البلاستيكية الصغيرة، وقال بصوت مرتفع: “ولما تطلقي وتروحي فين؟ هتروحي لإخواتك اللي كل واحد فيهم قافل بابه على نفسه وما بيسألوش عليكِ إلا في المناسبات؟ ولا هتقعدي في الشارع؟ افتكري كويس إنك مالكيش حد يلمك، والبيت ده هو اللي ساترك!”

 

كانت هذه الكلمة تحديداً، “ساترك”، هي السهم الذي اعتاد الجميع رميها به كي تخضع، لكن هذه المرة، لم يصب السهم هدفه. ابتسمت شيماء ابتسامة باهتة مريرة، فيها كمية من الوجع تجعل الجبال تتفتت، وقالت: “الشارع أرحم من بيت كل زاوية فيه بتدبحني. الشارع ما فيهوش ناس بتفرح في كسرتي، ولا ناس برموا نعمة ربنا في الزبالة عشان بس يكسروا نفسي. الشارع فيه رحمة ربنا، لكن البيت ده ما فيهوش رحمة.”

 

مقالات ذات صلة

 

أول حاجة عملها جوزي 1

منذ 17 دقيقة

 

مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 2

منذ 33 دقيقة

 

سلفتى حكايات رومانى مكرم 2

منذ ساعتين

 

حكايات نورهان العشرى1

منذ 5 ساعات

في تلك اللحظة، تعالت الأصوات من الشقة، ووصل الصدى إلى الأسفل. لم تمضِ دقائق حتى سمعت خطوات ثقيلة تتصاعد على السلم الخشبي. كانت حماتي تغلي من الغضب، وتتبعها أخت زوجي وسلفتي الثانية. دخلت حماتي الشقة كالإعصار، دون أن تطرق الباب، ووقفت في الصالة وهي تضع يديها في خصرها، وتنظر لشيماء بنظرة ازدراء وتكبر.

صرخت حماتي بصوت هز الأرجاء: “جرى إيه يا سنيورة؟ صوتكم جاب آخر الشارع ليه في ليلة فرحتنا؟ جاي تطلبي الطلاق دلوقتي عشان تديري العيون عليكِ وتسرقي الفرحة مننا؟ فاكرة نفسك مين؟”

 

تراجعت أنا خطوة للخلف وأنا أدعي الإرتباك كأنني وصلت للتو، بينما وقفت شيماء تواجه هذا الهجوم الجمعي بثبات غريب. نظرت لحماتي مستقيمة القامة، وقالت: “أنا ما بسرقش فرحة حد يا حاجة. أنا بطلب حقي في إنه يطلقني بالإحسان، زي ما دخلنا بالإحسان. أنا خدمتكم بعيني، ونضفت تحت رجليكم، وتحملت القهر والرمي في الزبالة والتريقة، وما فتحتش بقي بكلمة. بس خلاص، ربنا ما يرضاش بالظلم ده.”

 

ضحكت أخت زوجي بصوت عالٍ ومستفز، وتدخلت وهي تتفحص شيماء من أعلى لأسفل: “شوف مين بتتكلم عن الظلم! اللي مش بتخلف وعايزة تاخد العاطل بالباطل! بدل ما تحمدي ربنا إن أخويا سابك على ذمته وما رمكيش في الشارع لما عرف إنك عاقر، جاية تتشرطي وتطالبي بالطلاق؟ أنتِ المفروض تبوسي إيده وش وضهر إنه مستحملك لحد النهاردة!”

 

لم تتأثر شيماء بكلماتها القاسية، بل نظرت إليها بنظرة رحمة وجع، وقالت: “الخلفة رزق من ربنا، مش شطارة منك ولا عيب مني. ربنا هو اللي بيدي وهو اللي بيمنع. بس الإنسانية والرحمة دي بايد البني آدم، وأنتم نسيتوا يعني إيه إنسانية من زمان.”

 

وهنا تدخل زوجها أحمد، الذي شعر بضغط أمه وأخته عليه كي لا يظهر بمظهر الضعيف أمام امرأة لا تتكئ على سند. أخذ نفساً عميقاً وقال بلهجة آمرة: “سمعينا بقى يا شيماء، الطلاق ده مش في قاموسي. مش هسيبك تمشي وتعملي لي وش في العيلة وفي الشارع وتقولي طلقني ورماني. أديكِ قاعدة في شقتك، تاكلي وتشربي، والبيت فيه خير، لكن دلع ومرقعة وطلبات طلاق مش عندي.”

اقتربت شيماء من دولابها القديم الخشبي، فتحته بهدوء تام وسط ذهول الجميع. كانت قد أعدت حقيبة سفر صغيرة قماشية، قديمة ومتهالكة، وضعتها على السرير وتبعتها ببعض ملابسها البسيطة. لم تكن تجادل، بل كانت تتصرف كمن اتخذت قرارها منذ زمن طويل وتنفيذه الآن مجرد مسألة وقت.

 

صرخت حماتي: “أنتِ بتعملي إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ بتلمي هدومك من غير إذني؟ فاكرة البيت ده وكر ماليش فيه كلمة؟”

 

التفتت إليها شيماء وهي تمسك الحقيبة وتغلق سحابها بصوت ناعم، وقالت: “أنا ماشية يا حاجة. ومش راجعة تاني. لو أحمد ما طلقنيش بالذوق، أنا هرفع دعوى خلع. القانون والششرع يدوني حقي من الظلم ده.”

 

وقعت كلمة “خلع” كالصاعقة على مسامع الجميع. في بيتنا الكبير وفي حينا الشعبي، كانت كلمة “خلع” تُعتبر فضيحة تجر الذل والحديث بين الأهالي. انتفض أحمد وجرى نحوها، مسك ذراعها بقوة وعنف حتى اعتصر لحمها، وقال وهو يصرخ في وجهها وعيناه محمرتان من الغضب: “تخلعيني أنا؟ أنتِ تتجرئي وتقولي الكلمة دي؟ قسماً بالله ما تخرجي من الباب ده إلا وأنتِ ميّتة!”

 

في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم يكن في الحسبان. شيماء لم تبكِ، لم تصرخ، ولم تستغث بأحد. بل نظرت إلى يده الممسكة بذراعها بقوة، ثم رفعت عينها ونظرت في عينيه مباشرة بثبات مرعب، وقالت بصوت منخفض وشديد الصرامة: “سيب إيدي يا أحمد.. سيب إيدي بدل ما أخلي الشارع كله يتفرج على اللي بيحصل هنا. أنت عارف إني ما بقيتش أخاف من حاجة، واللي ما بيبقاش خايف من الموت، ما بيخافش من تهديدك.”

 

تراخت يد أحمد تدريجياً، وكأن نبرة صوتها أفرغت شحنته الغاضبة وحولتها إلى دهشة ومخاوف مبهمة. تراجع خطوة إلى الخلف، بينما كانت أمه وأخته تقفان مبهوتتين من ردة فعل هذه الإنسانة التي كانت بالأمس تنزل رأسها لمسح الأرض تحت أقدامهن.

حملت شيماء حقيبتها البسيطة على كتفها، ونظرت حولها في أركان الشقة. كانت تلك الشقة هي السجن الذي قضت فيه أربع سنوات من عمرها، سنوات مملوءة بالصمت والدموع والكسرة. لم تكن هناك أدوات زينة غالية، ولا أثاث فاخر، فقط ذكريات قاسية كانت تحيط بها من كل جانب.

 

خرجت من باب الشقة بخطوات ثابته. كنا نحن الأربع، حماتي، وأنا، وسلفتي، وأخت زوجي، نقف في الممر نراقبها. مرّت من بيننا وكأننا أشباح لا وجود لنا. لم تنظر إلى واحدة منا، لم تسب، لم تلعن، ولم تبدِ أي مشاعر كراهية. كان التجاهل التام هو أبلغ إهانة وجهتها لنا جميعاً.

 

عندما وصلت إلى أول درجة من السلم، خرجت ضرتها من شقة حماتي وهي تحمل طفلها الرضيع، نادية التي كانت سبب الفرحة العارمة والعقيقة التي انقلبت إلى هذا المشهد. وقفت ضرتها بقميصها الستان الجديد وزينتها البهرجة، تنظر لشيماء بنظرة تجمع بين الشماتة والاندهاش.

 

توقفت شيماء لثانية واحدة، نظرت إلى الطفل الرضيع في يد ضرتها. ابتسمت ابتسامة حقيقية، ابتسامة خالية من أي غل أو حسد، وقالت بنبرة دافئة صادقة: “يتربى في عزكم يا نادية.. ربنا يجعله من الصالحين وما يكتبش عليه تشوفوه مكسور ولا مظلوم في يوم من الأيام.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى