
فأول مرة من أيام، حسيت إن الخوف اللي كان مالي المكان بدأ يتغير.
لأن الراجل اللي بره ماكانش جاي يسأل عن جوزي.
كان جاي يسأل عني.
سمعته بيقول:
“أنا جاي بخصوص البلاغ اللي اتقدم من الرقم ده.”
جوزي شحب.
نادين قالت:
“بلاغ إيه؟”
الراجل رد من خلف البوابة:
“بلاغ استغاثة.”
سكت لحظة، ثم أضاف:
“والبلاغ اتحدد مكانه هنا.”
جوزي بص ناحيتي.
وبص للموبايل اللي في إيده.
وفهم.
المشكلة ماكانتش إن الموبايل سجل.
المشكلة إن الموبايل…
كان متوصل بتطبيق أمان، وقدر يبعت آخر تسجيلات تلقائي كرسالة استغاثة لجهة مختصة قبل ما يكتشفوه.
جوزي بصلي وقال:
“اطلعي بره.”
لأول مرة، صوته ماكانش فيه سخرية.
كان مرعوب.
لكن قبل ما أتحرك، جاء صوت طرق قوي على البوابة.
ثلاث خبطات متتالية.
ثم قال الراجل:
“افتحوا الباب لو سمحتم.”
أمه همست:
“اعمل حاجة!”
جوزي رد بعصبية:
“أعمل إيه؟!”
نادين أشارت للموبايل:
“امسح أي حاجة!”
جوزي حاول يضغط على الشاشة.
مرة.
مرتين.
ثم ظهرت أمام عينه رسالة صغيرة.
قرأها.
وتغيّر وجهه تمامًا.
لأن الرسالة كانت بتقول:
“تم رفع التسجيل بنجاح، وجاري تتبع الموقع.”
رفع عينه ناحيتي.
وأنا كنت لسه قاعدة مكاني.
لكنه لأول مرة…
ماشافش واحدة بتستنى الرحمة.
شاف واحدة عارفة إن الوقت بدأ يشتغل لصالحها.
راح فتح الباب الرئيسي للبيت.
دخل راجلين، وخلفهما امرأة تحمل ملفًا أسود.
المرأة أول ما شافتني خارجة من الأوضة الضلمة، وقفت مكانها.
ثم قالت بصوت حازم:
“مين اللي قفل عليها الباب ده؟”
ماحدش رد.
رفعت الملف، وبصت لجوزي مباشرة:
“لأن عندنا تسجيلات بتثبت احتجازها هنا.”
جوزي قال بسرعة:
“دي مراتي وأنا كنت بس…”
توقّف.
كأنه أدرك متأخرًا إنه مش هيقدر يبرر الموقف.
المرأة فتحت الملف بهدوء:
“ممتاز.”
ثم أضافت:
“كده حضرتك بتأكد المعلومات اللي عندنا.”
لكن قبل ما يطلبوا منهم يتحركوا، حصل شيء أخطر.
المرأة بصت لي، وقالت:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
اقتربت مني وقالت بهدوء:
“إحنا ماجيناش هنا بسبب رسالة الاستغاثة التلقائية بس.”
قلبي دق بعنف.
“أمال بسبب إيه؟”
بصت ناحية جوزي.
ثم قالت:
“لأن حد من البيت نفسه اتصل بينا الصبح، وطلب إننا نفتش المكان فورًا.”
جوزي اتراجع خطوة.
أمه شهقت.
ونادين قالت:
“مستحيل!”
المرأة فتحت الصفحة الأخيرة من الملف.
وكان عليها اسم واحد فقط.
اسم الشخص اللي قدم البلاغ التليفوني.
رفعت عينيها وقالت:
“والشخص ده كان عارف بالضبط إنتي محبوسة فين من أول يوم.”
ماقدرتش أقرأ الاسم من مكاني، لكن من تعبير وش جوزي عرفت إن الاسم أخطر من أي تسريب.
المرأة لاحظت ارتباكي، فقربت الورقة مني.
“بصّي كويس.”
رفعت عيني، ووقعت على الاسم.
“نادين.”
أخت جوزي.
اتسعت عيني.
نادين نفسها صرخت:
“لأ! أنا ماعملتش حاجة!”
جوزي لفّ لها بسرعة:
“إنتِ اللي بلغتي عننا؟!”
“أنا؟! إنت مجنون؟”
أمه تدخلت:
“محدش يتكلم!”
لكن المرأة قاطعتها بحسم:
“بالعكس… الكل هيتكلم، بس في النيابة.”
توقفت المرأة عن الكلام لبرهة، ثم أشارت إلى أحد الرجلين المرافقين لها، فاصطحبني بهدوء للخارج. تم نقلي في سيارة مجهزة للاطمئنان على سلامتي وسلامة الجنين بعيدًا عن هذا البيت.
وفي التحقيقات، انهار الجميع تحت وطأة الأدلة والتسجيلات الرقمية التي أثبتت تورطهم في جريمة الاحتجاز والإيذاء النفسي. وتبين أن بلاغ نادين لم يكن سوى محاولة يائسة منها لتبرئة نفسها والتنصل من المسؤولية بعد أن شعرت أن الأمور خرجت عن السيطرة، وأنها متورطة معهم بالصمت والمشاركة.
خرجت من تلك التجربة القاسية امرأة أخرى، تعلمت كيف توثق حقها ولا تستسلم للظلم، وأدركت أن العدالة لابد أن تظهر في النهاية لتنصف المظلوم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




