قصص وروايات

وانا حامل

حبسوني في أوضة ضلمة ومعزولة في آخر البيت، وأنا حامل، كذا يوم ورا بعض. كانوا قافلين عليا الباب بالمفتاح، ويقولوا إن ده عقاب عشان بعاند ومابسمعش الكلام. وجوزي كان بييجي يقف ورا الباب، يتكلم ببرود ويقول كلام يوجع. وأنا كنت قاعدة على الأرض، ضامة نفسي في العتمة، بحاول أتنفس بهدوء وأحمي اللي في بطني.
الأوضة كانت باردة جدًا بالليل ومكتومة بالنهار. ريحتها تراب ورطوبة، وكل ما أسمع صوت خطواتهم تقرب، كنت أعدّ ثواني الانتظار وأنا مطأطية راسي في الضلمة.

جوزي كان بيسمي اللي بيعملوه “تربية”.
أمه كانت بتقول إنها “بتعلّمني درس”.
وأخته نادين كانت كل ما تتكلم من ورا الباب تقول:
“مشاكل البيت ما تطلعش برّه البيت.”
وبعدها تمشي بسرعة عشان ما تسمعش أي حاجة.
أما أنا…
فكنت لسه صامدة.
في أول يوم، حسيت بحركة صغيرة جدًا جوه بطني، كأن البيبي اتحرك تحت ضلوعي، وبعد ثواني الإحساس اختفى.
فضلت حاطة إيدي على بطني ومستنية يحرك تاني.
مفيش حاجة حصلت.
لما جوزي خبط على الباب وقال بصوت عالي:
“ها؟ خلصتي عناد ولا لسه؟”
غمضت عيني وسكت.
هو افتكر إن سكوتي معناه إني استسلمت.
وده كان أحسن حاجة ممكن تحصل.
لأن في جيبي الداخلي، كان موبايلي مخبياه ومخلية الشاشة مقفولة.
كنت مخبياه قبل ما يسحبوني للأوضة دي.
لأني قبلها بساعة سمعت جوزي بيقول لأمه:
“دي مبتفهمش غير لما تتكسر وتعرف مقامها.”
وكل كام ساعة، كنت ألمس زر التسجيل وأبدأ تسجيل جديد.
الصبح.
وقت الضهر.
وبالليل لما البيت يهدى.
كل تسجيل كان فيه أصوات مختلفة، ومكالماتهم اللي كانوا بيعملوها بصوت عالي بره الأوضة.
لكن الضحكة كانت واحدة… ضحكة جوزي.
كان بيقول إن الست اللي بتسمع كلام جوزها عمرها ما توصل للحالة دي.
أمه كانت بتسأل بمنتهى البرود:
“هي هتبطل عناد إمتى؟”
وأخته نادين كانت تقول:
“سيبوها شوية كمان، مش هيحصلها حاجة.”
وأنا…
كنت بسجل كل حاجة.
الموبايل مكانش مجرد ونيس… أنا كنت محتاجاه عشان حاجة تانية.
لأن جوزي بقاله شهور بيقول لكل اللي حوالينا إني لما بتوتر بتوهم وبفهم الكلام غلط.
فكنت محتاجة دليل يثبت اللي حصل… من غير ما أعتمد على كلامي بس.
تاني يوم، كنت تعبانة جدًا من قلة الأكل والعتمة. كان فيه صينية أكل صغيرة محطوطة بره الباب، كانوا بيدخلوها كل فترة طويلة وياخدوها بسرعة.
بعد شوية، جوزي فتح الباب جزء صغير ووقف يبصلي، ملامحه كانت قاسية.
وبصلي وقال:
“لسه هتكملي في العند ده؟”
بصيت في الأرض بدل ما أبصله.
أمه كانت واقفة وراه بتتفرج.
قال بصوت واطي:
“أهو إحنا بنراعيكي برضه بعد كل اللي عملتيه.”
وفجأة…
البيبي اتحرك.
حركة صغيرة جدًا.
بس المرة دي كانت واضحة.
حطيت إيدي على جيبي وبدأت تسجيل جديد بسرعة.
جوزي قرب خطوة، واتكلم بصوت هادي جدًا… الصوت اللي كان بيستخدمه لما يكون فيه حد غريب حوالينا:
“كل اللي مطلوب منك تقولي إنك فهمتي ليه إنتِ هنا.”
أخدت نفس عميق… وسكت.
ما ادتلوش كلمة واحدة يقدر بعد كده يحورها ويقول إنها كانت اعتراف بالغلط.
ابتسامته اختفت.
وبعد ساعات…
الموبايل اهتز في جيبي.
سمعت نادين بتقول بسرعة من بره:
“إيه الصوت ده؟”
جوزي فتح الباب بسرعة، وقرب مني.
بدأ يدور بعينه في الأوضة لحد ما عينه وقعت على جيبي.
ضحكته اختفت.
بصلي وقال:
“إيه ده؟”
أنا فضلت ساكتة.
مد إيده وطلع الموبايل.
ولأول مرة من يوم ما حبسوني…
شوفت الخوف في عينه.
لأن الشاشة نورت في إيده.
وهو ما كانش عارف…
إن اللي سجله الموبايل لحد اللحظة دي، كان كفاية يهدّ بيتهم كله.

تجمّد جوزي مكانه، وكأنه لأول مرة يشوفني مش كزوجة ضعيفة محاصرة في أوضة مقفولة، لكن كخطر حقيقي ممكن يهد كل حاجة بناها.
بص للموبايل، لكن إيده وقفت قبل ما يقفله.
قلت في سري:
“متستعجلش…”
لأن في اللحظة دي بالذات، حصل شيء ماكانش في حسابه.
الموبايل اهتز مرة تانية.
ثم مرة ثالثة.
وبصوت خافت جدًا، خرج منه إشعار.
نادين قربت منه وقالت:
“افتحه!”
بصلها بعصبية:
“اخرسي!”
أمه ظهرت وراهم، وهي بتبص للموبايل بخوف واضح:
“هو كان بيسجل؟”
جوزي ما ردش.
حاول يقفل التسجيل، لكن من التوتر الشاشة علقت معاه.
لثواني، ماحدش اتحرك.
وفي أعلى الشاشة كانت علامة التسجيل لسه بتنور.
نادين شهقت:
“يا نهار أبيض!”
جوزي اندفع ناحية الحيطة عشان يكسر الموبايل.
لكن قبل ما إيده ترفعه…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
صوت باب عربية اتقفل.
ثم صوت راجل غريب من خارج السور:
“مساء الخير… الأستاذ موجود؟”
جوزي رفع رأسه بسرعة.
أمه بصت لنادين.
ونادين بصت للموبايل.
أما أنا…

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى