
حماتي قالتلى: “دوري على عروسة لسلفك الكبير… عايزة أفرح بيه قبل ما أموت.” فاخترتله عروسة مبتخلفش علشان يفضل طول عمره محروم من العيال كنت فاكرة إن بكده الأرض والورث هيبقوا لجوزي وبناتي… لكن اللي حصل بعد الجواز خلاني أندم على كل خطوة، وكشف سر كنت أتمنى يفضل مدفون للأبد.
“إنتِ اللي هتختاري عروسة لمحمود.”
الجملة دي قالتها حماتي وهي قاعدة على الصالون، وكل اللي في البيت ساكتين، كأن قرارها خلاص اتاخد ومفيش حد يقدر يعترض.
بصيتلها باستغراب وقلت: – أنا؟ وإشمعنى أنا؟
ابتسمت وقالت: – علشان ذوقك حلو، وبصراحة أنا بثق في رأيك أكتر من أي حد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن جوايا كان في إحساس تاني خالص.
أنا عارفة إن حماتي طول عمرها شايفة محمود، ابنها الكبير، هو سندها الحقيقي. أي حاجة حلوة لازم تبقى من نصيبه، وأي أرض أو ورث كانت دايمًا تقول قدامنا: “كل ده هيبقى لمحمود وولاده. الأرض والخير لابني الكبير وولاده.” وكانت بتقولها قدام الكل من غير ما تحسب حساب لحد.
أما جوزي طارق… فكان دايمًا يقول: “سيبيها تقول اللي هي عايزاه، المهم إحنا عايشين في هدوء.”
لكن الكلام كان بيوجعني.
كنت بحس إن ولاد محمود، اللي لسه حتى ما اتولدوش، واخدين مكان أي حد تاني في العيلة.
#حكايات_ندى_الجمل
من يوم ما حماتي قالتلي: “إنتِ اللي هتختاري عروسة لمحمود”… وأنا بقيت أدور في كل مكان.
كل ما حد يرشحلي بنت، أحس إنها مش اللي بدور عليها.
لحد ما في يوم، وأنا عند قريبة ليا في بلد تانية، سمعت اسم ريم.
قالتلي: “في بنت هنا اسمها ريم، عمرها خمسة وعشرين سنة، جميلة، ومن عيلة محترمة.”
شدني الكلام، فسألت عنها.
عرفت إنها كانت متجوزة أربع سنين، وبعد الأربع سنين حصل الطلاق، لأن ربنا ما رزقهاش بأطفال.
فضلت أسأل عنها أكتر.
الكل كان بيشهد بأخلاقها، وإنها بنت محترمة وهادية، ومحدش كان يعيب فيها غير إنها خرجت من جوازتها من غير طفل.
وقتها… حسيت إني لقيت العروسة اللي بدور عليها.
رجعت البيت، ولقيت حماتي مستنياني.
أول ما شافتني قالت بلهفة:
– ها يا سارة… لقيتي عروسة لمحمود؟
ابتسمت وقلت:
– أيوه… اسمها ريم، عندها خمسة وعشرين سنة، جميلة، ومن عيلة محترمة جدًا.
حماتي ابتسمت وقالت:
– ربنا يبشرنا بالخير… طيب إيه ظروفها؟
اترددت ثواني، وبعدها قلت:
– هي مطلقة.
وشها اتغير في لحظة.
قالت وهي مكشرة:
– مطلقة؟! لا يا بنتي… أنا ابني أول جوازة، أجيبهاله مطلقة ليه؟
كنت متوقعة ردها.
قربت منها وقعدت جنبها وقلت بهدوء:
– يا حاجة، محمود عنده أربعة وتلاتين سنة، ومش صغير. لو فضلنا نستنى بنت بنوت بالمواصفات اللي في دماغنا، يمكن يفضل سنين من غير جواز. لكن دي بنت محترمة، والطلاق مش عيب، وكل الناس بتشكر في أخلاقها.
فضلت أكلمها كل يوم.
كل شوية أفتح الموضوع بطريقة مختلفة.
لحد ما لقيتها بدأت تلين.
وفي يوم قالتلي:
– يعني إنتِ شايفة إنها هتناسب محمود؟
بصيتلها بثقة وقلت:
– والله يا حاجة، أنا لو مكانك ما كنتش هسيب البنت دي تضيع.
سكتت شوية… وبعدها قالت:
– خلاص… خليهم يحددوا معاد ونروح نشوفها.
ابتسمت وأنا مخبية فرحتي.
لأن أول خطوة في خطتي نجحت…
وحماتي ما كانش عندها أي فكرة إن اختياري لريم ما كانش صدفة أبدًا.
البارت الثالث
بعد ما حماتي وافقت، ما ضيعتش وقت.
طلبت مني أكلم الناس اللي عرفت منهم عنوان ريم، وأحدد ميعاد مناسب للزيارة.
كنت أنا اللي برتب كل حاجة.
ولأول مرة، حسيت إن الخطة ماشية بالظبط زي ما أنا عايزة.
اتفقت مع أهل ريم على يوم الجمعة بعد العصر.
ومن أول الصبح، حماتي كانت مفيش على لسانها غير محمود.
كل شوية تقول:
– يا رب المرة دي تفرح قلبه. – نفسي أشوفه عريس قبل ما أموت. – ونفرح بعياله يملوا البيت.
كل كلمة كانت بتخليني أبتسم من جوايا… ابتسامة محدش فهم معناها.
العصر ركبنا العربية.
أنا وطارق، وحماتي، والحاج عبد الرحمن، ومحمود.
طول الطريق حماتي توصي محمود:
– يا ابني افتح قلبك، ولو البنت محترمة متدورش على حاجة تانية.
ومحمود كان ساكت، كل اللي قاله:
– اللي ربنا كاتبه هيكون.
وصلنا بيت ريم.
كان بيت بسيط، لكنه نضيف ومرتب.
استقبلنا أبوها وأمها بمنتهى الذوق.
وقعدنا نشرب الشاي ونتكلم شوية.
بعد دقائق، دخلت ريم.
كانت لابسة فستان بسيط، وطرحة بلون هادئ، وملامحها فيها هدوء غريب.
أول ما دخلت، محمود ما رفعش عينه عنها.
أما حماتي، فابتسمت وقالت:
– ما شاء الله… بنت محترمة.
قعدت ريم تتكلم بهدوء وثقة، لا صوتها عالي، ولا كلامها فيه تكلف.
حماتي كانت كل شوية تبصلي، وكأنها بتقولي:
“اختيارك المرة دي عجبني.”
بعد شوية، أهل ريم طلبوا إن محمود يقعد معاها كام دقيقة يتكلموا.
دخلوا أوضة الصالون الصغيرة.
وأنا كنت قاعدة بره، لكن عيني على باب الأوضة.
بعد حوالي ربع ساعة خرج محمود.
وشه كان مرتاح.
حماتي استنته لحد ما ركبنا العربية، وأول ما اتحركنا قالتله بسرعة:
– ها يا محمود… رأيك إيه؟
ابتسم لأول مرة من ساعة ما خرجنا من البيت وقال:
– البنت محترمة… وأنا موافق.
حماتي كادت تطير من الفرحة.
فضلت تدعي وتقول:
– الحمد لله… الحمد لله.
أما أنا…
فكنت قاعدة جنب الشباك، ببص للطريق، وأنا بقول في نفسي:
“أهو أول جزء من اللي كنت عايزاه حصل…”
لكن اللي محدش كان يعرفه…
إن القدر كان مخبي مفاجأة، لا أنا ولا حماتي كنا متوقعينها، ومجرد ظهورها هيقلب حياتنا كلنا.
البارت الرابع
بعد أسبوعين، كانت الخطوبة.
حماتي أصرت تعملها في قاعة كبيرة، وقالت قدام كل الناس:
“ابني الكبير يستاهل أحسن فرحة.”
من يومها وهي عايشة في سعادة.
كل يوم تكلمني وتقولي:
– يا سارة، انزلي معايا نشتري الشبكة. – يا سارة، تعالى نختار الفستان. – يا سارة، رأيك إيه في الأنتريه ده؟
كنت بعمل كل حاجة وهي مش عارفة إن كل خطوة بتقربها من الحاجة اللي أنا مخططالها.
أما محمود…
فكان متعلق بريم من أول ما شافها.
كل يوم يكلمها بالساعات، ولما يقفل معاها يفضل مبتسم.
حتى طارق، جوزي، قاللي وهو بيضحك:
– أول مرة أشوف محمود كده… شكله وقع بجد.
ابتسمت وقلت:
– ربنا يتممله على خير.
وفي يوم، حماتي أخدتني معاهـا نشتري دهب الشبكة.
وأنا واقفة جنبها، سمعتها بتقول للصائغ وهي مبتسمة:
– دي مش شبكة وخلاص… دي شبكة أم حفيدي الأول.
ضحكت بكل فخر، وكملت:
– إن شاء الله السنة الجاية أشيل ابن محمود على إيدي.
الكلام وقع على قلبي، لكني ما بينتش أي حاجة.
قلت في نفسي:
“إنتِ لسه بتحلمي بالأحفاد… وأنا عارفة إن الحلم ده مش هيبقى سهل زي ما متخيلة.”
بعد شهر، اتكتب الكتاب، وبعدها بأيام اتعمل الفرح.
كان فرح كبير، وكل الناس كانت بتتكلم عن جمال ريم وأخلاقها.
حتى حماتي كانت كل شوية تقول للمعازيم:
– سارة هي اللي اختارتها… ربنا يباركلها.
الناس بصتلي بإعجاب، وأنا اكتفيت بابتسامة هادية.
بعد الفرح، سافر محمود وريم أسبوع يقضوا شهر العسل.
ولما رجعوا…
بدأت حياتهم بهدوء.
عدى شهر…
واتنين…
وثلاثة…
وفي كل مرة كانت حماتي تزورهم، ترجع وهي تقول:
– يا رب أسمع خبر حلو قريب.
أما أنا…
فكنت كل ما أسمعها تدعي، أقول بيني وبين نفسي:
“استني بس… لسه الأيام مخبية كتير.”
البارت الخامس
عدى ست شهور على جواز محمود وريم.
كل ما حماتي تزورهم، أول سؤال تسأله:
– ها يا ريم… مفيش أخبار حلوة؟
وريم كانت تبتسم في هدوء وتقول:
– ادعيلنا يا حاجة… كله بأمر ربنا.
لكن حماتي بدأت تستعجل.
كل ما تشوفها تجيب سيرة الأطفال.
وكل ما تقعد معايا تقول:
– نفسي أشيل حفيد محمود قبل ما أموت.
كنت أسمعها وأسكت.
وفي يوم، كانت العيلة كلها متجمعة عندنا على الغدا.
وسط الضحك والكلام، حماتي بصت لريم وقالت قدام الكل:
– إيه يا بنتي… لسه مفيش حمل؟
ريم احمر وشها من الكسوف وقالت:
– لسه يا حاجة… ربنا كريم.
حماتي نفخت بضيق وقالت:
– ست شهور كتير… لازم تروحي تكشفي.
محمود اتدخل بسرعة وقال:
– يا أمي… كل حاجة بميعادها، بلاش ضغط.
لكنها مردتش تسكت.
– أنا بقول لمصلحتكم، يمكن يكون في حاجة تتلحق بدري.
ريم نزلت عينيها في الأرض، وبان عليها إنها اتضايقت.
أما أنا…
فكنت قاعدة ساكتة، بتابع المشهد من غير ما أنطق.
بعدها بأسبوع، حماتي راحت بنفسها لمحمود.
ولما رجعت، دخلت عليا وهي متعصبة.
قالت:
– أنا قلتلهم يحجزوا عند دكتور نسا معروف.
قلت وأنا عاملة نفسي مستغربة:
– ليه بس؟
قالت بعصبية:
– عايزة أطمن. محمود ابني الكبير، ولازم أعرف في إيه.
هزيت راسي وقلت:
– ربنا يكتب اللي فيه الخير.
لكن جوايا…
كنت بقول:
“اللحظة اللي مستنياها قربت.”
بعد يومين، محمود وريم راحوا للدكتور.
ولما رجعوا…
كان وش محمود متغير.
وريم كانت عينيها حمرا من العياط.




