قصص من الحياة

روايه انا عاشق لها فارس وريم البارت الاول كامل بقلم الكاتبه نور محمد

كاميليا وشها جاب ألوان، شفايفها بقت بيضا زي الأموات، وحاولت تجري على الولد تسكته: “اخرس يا غبي، إنت بتقول إيه؟!”

 

​فارس قام وقف ببطء شديد.. الهدوء اللي ظهر عليه فجأة كان مرعب أكتر من غضبه.. عينيه اتحولت لسواد قاتم، وابتسم ابتسامة خلت الدم يهرب من عروق كاميليا.

 

“طارق؟” همس بيها فارس وهو بيهز راسه ببطء.. “كده اللعبة وضحت.. وكده نهايتك اتكتبت يا كاميليا.. انتي وطارق.”

 

​في اللحظة دي، وقبل ما فارس ياخد خطوة واحدة ناحيتها، تليفونه رن بصوت عالي قطع الصمت المميت ده.

 

فارس طلع التليفون من جيبه من غير ما ينزل عينه من على كاميليا، ورد بجمود: “أيوة.”

 

​صوت الدكتورة اللي كشفت عليا من شوية كان جاي من السماعة، عالي ومتردد لدرجة إني سمعته من مكاني فوق:

 

“فارس بيه.. أنا آسفة إني بتصل في وقت زي ده.. بس تحاليل الدم بتاعة المدام ريم اللي سحبناها من شوية ظهرت نتيجتها.. ولازم أبلغك فوراً.”

فارس كشر وقال بحدة: “في إيه؟ مراتي مالها؟”

 

​الدكتورة سكتت ثانية، وبعدين قالت جملة زلزلت كياني وخلت فارس يتسمر مكانه:

 

“المدام ريم مكنتش بتسقط بسبب صدمة عصبية يا فارس بيه.. تحاليل الدم أثبتت إن المدام بتاخد جرعات منتظمة من سـ.ـم بطيء بيسبب الإجهاض وتدمير الرحم.. السم ده بيتحطلها في أكلها بقاله أكتر من أسبوعين من جوة القصر عندكم!”

 

​فارس نزل التليفون من على ودنه ببطء، ورفع عينه بصلي فوق، وبعدين نزل عينه على أمه، وعلى كاميليا، وعلى الشغالة اللي كانت واقفة بعيد بتترعش…

 

“سم في أكل مراتي؟ بقاله أسبوعين بيتدس في دار الكيلاني؟ في بيتي اللي مفيش دبانة بتدخله من غير إذني؟!”

 

​الصوت طلع من أعماق فارس زي زئير وحش جريح، التليفون وقع من إيده على الأرض اتدش دش حتت، وعينيه اتحولت لكتلة من النار بتحرق كل اللي بتبصلهم.

 

قفل باب المندرة الرئيسي بالمفتاح وشده بعنف، وصرخ بأعلى صوته لحراسة القصر برة: “مفيش مخلوق يعتب برة الباب ده! اللي هيحاول يخرج، اضربوه بالنار على مسؤوليتي!”

 

​لف وشه وبص للي واقفين في المندرة.. الحاجة توحة اللي وشها جاب ألوان وسندت على الحيطة من الصدمة، كاميليا اللي رجليها مبقتش شايلاها والولد ماسك فيها بيترعش، و”سعاد” الشغالة اللي كانت واقفة في الركن بتترعش زي الورقة في مهب الريح.

 

​فارس مشي بخطوات بطيئة، مميتة، وكل خطوة كانت بترن في سكون القصر زي دقات ساعة الإعدام.

 

وقف قدام كاميليا اللي كانت بتحاول تداري رعبها، وميل عليها وهو بيجز على أسنانه:

 

“أسبوعين.. يعني السم بيدخل لمراتي من قبل ما جنابك تشرفي من الموت المزعوم بتاعك.. بس ده ميمعنش إنك بريئة. إنتي وطارق الكلب متفقين على اللعبة دي.. طارق كان عارف إن ريم حامل، وعارف إن الجنين ده هو اللي هيقفل عليه باب الورث للأبد.. فقرر يخلص منه.”

كاميليا بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت متقطع: “أنا.. أنا ماليش دعوة.. أنا لسه واصلة النهاردة، معرفش حاجة عن سم ولا غيره!”

 

​فارس ضحك ضحكة قصيرة مرعبة:

 

“هنعرف.. كل حاجة هتبان. بس مبدئياً كده، حسابك معايا مبقاش بس على كدبتك وعيلك اللي جايباه تتبلي بيه عليا.. حسابك معايا بقى قضايا نصب، وتزوير، وتشهير.. ده غير إني هلبسك إنتي وطارق ق/ضية شروع في قت/ل تقضوا فيها بقية عمركم في السجن.. أنا هخليكم تتمنوا الموت وماتطولوهوش!”

 

​سابها وهي منهارة تماماً، ولف وشه للشغالة “سعاد”. عينيه نزلت عليها زي الصقر اللي لقى فريسته.

 

قرب منها وفجأة مسكها من ياقة هدومها ورفعها عن الأرض.. الشغالة صرخت برعب: “يا بيه أبوس إيدك ارحمني.. ماليش ذنب.. ماليش ذنب!”

 

​”مين اللي اداكي السم يا سعاد؟” سألها فارس بصوت واطي بس كان أخطر من الصريخ. “انطقي بدل ما أدفنك حية في مكانك.. مين اللي كان بياخد منك فلوس عشان يحط الموت في أكل مراتي؟!”

 

​سعاد انهارت في البكا، ووقعت على ركبها قدامه وهي بتبوس في جزمته:

 

“هقول.. هقول والله يا بيه! الست كاميليا هي اللي كلمتني في التليفون من أسبوعين.. وقالتلي إنها عايشة، وبعتتلي ظرف فيه فلوس كتير مع البوسطجي.. ومعاه إزازة دوا صغيرة.. وقالتلي أحط نقطتين كل يوم في عصير الست ريم عشان متخلفش.. حلفتلي إنه دوا منع حمل مش سم.. والله يا بيه قالتلي منع حمل مكنتش أعرف إنه بيموت الجنين!”

 

​كاميليا صرخت بهيستريا: “كدابة! يمين بالله كدابة.. دي بتتبلى عليا عشان تنقذ نفسها!”

 

​فارس مغمض عينيه للحظة بيحاول يستوعب حجم الخيانة والقذارة اللي محاوطاه، وقبل ما يرفع إيده عشان ينهي حياة كاميليا في اللحظة دي.. سمع صوت من وراه خلاه يتجمد مكانه.

​”سيبهم يا فارس.”

الصوت كان ضعيف، مكسور، بس كان فيه قوة غريبة خلت الكل يرفع راسه ويبص على السلم.

 

كنت واقفة هناك. ساندة على درابزين السلم بالعافية، وشي شاحب زي الموتى، وعيني دبلانة بس بتلمع بنار العتاب والكسرة. كنت لابسة الروب بتاعي، وماسكة في إيدي اليمين الصورة القديمة.

 

​”ريم!” فارس صرخ بلهفة ورعب، وساب الشغالة وطلع السلالم جري، “إنتي إيه اللي نزلك؟ الدكتورة قالت متتحركيش من سريرك.. انتي بتنزفي يا مجنونة!”

 

حاول يمد إيده عشان يشيلني، بس أنا رفعت إيدي التانية ووقفته. رجعت خطوة لورا، وبصيتله بنظرة خليته ينزل إيده ببطء وكأن فيها شلل.

 

​”متلمسنيش.” قولتله بصوت مهزوز بس حاسم.

 

“ريم.. حبيبتي اسمعيني، أنا عرفت كل حاجة.. الحيوانة دي هي اللي حطتلك السم، وأنا هدفنها حية هي واللي معاها، بس ارتاحي انتي الأول عشانا وعشان ابننا.”

 

​ابتسمت بسخرية موجعة، ودموعي نزلت على خدي تحرقني:

 

“ابننا؟ هو لسه فينا إحنا يا فارس؟ أنا مش نازلة عشان السم.. السم اللي في بطني كان أرحم من السم اللي سقيتهولي من يوم ما دخلت الدار دي.”

 

​فارس كشر بعدم فهم، وملامحه اتملت قلق: “إنتي بتقولي إيه؟ سم إيه اللي سقيتهولك؟ أنا كلي ليكي!”

 

​رفعت إيدي اللي بتترعش، ووجهت الصورة في وشه.

 

“كلك ليا؟ ولا كلك لـ ‘ليلى’؟”

 

الاسم نزل عليه زي الصاعقة. لونه اتخطف، وعينيه وسعت برعب حقيقي، رعب مشفوتوش فيه لما عرف إن ابنه بيموت.. رعب واحد السر اللي عاش يداريه طول عمره اتكشف في أسوأ لحظة ممكنة.

 

​”الصورة دي كانت معاها.” شاورت على كاميليا اللي كانت بتبصلنا بشماتة رغم المصيبة اللي هي فيها.

 

كملت وأنا حاسة إن روحي بتطلع: “جاوبني يا فارس الكيلاني.. أنا مين؟ أنا ريم اللي حبيتها؟ ولا أنا مجرد عروسة حلاوة، استنساخ لليلى اللي ماتت بسببك؟ جيبتني من الشارع عشان تلبسني وشها، وتعيش معايا كذبة إنها لسه عايشة؟”

فارس كان بيتنفس بصعوبة، حاول يتكلم بس صوته خانه: “ريم.. أنا.. ليلى دي ماضي.. أنا بحبك إنتي..”

 

​”كداب!” صرخت فيها بكل قوتي لحد ما حسيت بوجع شق بطني نصين. “لو بتحبني مكنتش خبيت عليا.. مكنتش خليتني أعيش مخدوعة في كل لمسة، وكل كلمة حب كنت بتقولها وأنت شايف فيها واحدة تانية! أنا بكرهك يا فارس.. بكرهك!”

 

​وفجأة.. الوجع تضاعف، مقدرتش أصلب طولي أكتر من كده. حسيت بسخونة رهيبة بتنزل مني، والدنيا بدأت تدور بيا بسرعة مرعبة.

 

وقعت على ركبي على السلم، وفارس صرخ ورمى نفسه على الأرض عشان يلحقني. شالني بين إيديه وهو بيبكي لأول مرة زي الطفل: “لا يا ريم.. لا والنبي.. متموتيش.. متسيبينيش زيها.. أنا بحبك إنتي والله العظيم بحبك إنتي!”

 

​بس في وسط المشهد المأساوي ده.. وفي عز انهيار فارس وضعفي، حصلت حاجة قلبت الموازين كلها.

 

صوت فرامل عربيات كتير زمرت برة القصر، وراها صوت ضرب نار في الهوا كسر سكون الليل، وباب القصر الخارجي اتكسر بعنف ودخلت منه قوة مسلحة، وفي وسطهم راجل لابس بدلة سودا، ملامحه قاسية ونظراته كلها شر.

 

​طارق الكيلاني دخل المندرة بخطوات واثقة، ووراه قوة من الشرطة.

 

بص لكاميليا اللي جريت عليه تستخبى وراه، وبعدين رفع عينه لفارس اللي كان قاعد على السلم وحاضنني غرقان في دمي ودموعه.

 

​ابتسم طارق ببرود شيطاني وقال بصوت عالي:

 

“تؤ تؤ.. مشهد يقطع القلب يا ابن عمي.. بس أنا مش جاي أعزي.. أنا جاي أستلم مراتي وابني من القصر بتاعك.. وجايب البوليس معايا عشان أقبض عليك بتهمة خطفهم.. واحتجازهم بالقوة!”

 

​فارس رفع راسه، وعينيه اللي كانت مليانة دموع من ثانية، اتحولت لكتلة سواد مرعبة، وحطني على السلم براحة، وقام وقف وهو بيمسح الدم من على إيده..

الصدام الكبير بدأ.. يا ترى فارس هيعمل إيه مع طارق؟ وريم والجنين مصيرهم إيه بعد كشف سر ليلى؟

 

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى