قصص وروايات

جوزي

رن موبايل الضابط.

بص للشاشة، وبعدها لمحمد.

وقال بهدوء

واضح إن الليلة مش ليلتك.

اتقبض قبل كده بخمس دقايق على المحاسب اللي كان بيغسل الفلوس، واعترف بكل حاجة.

محمود انهار.

وقع على ركبته لأول مرة.

وبصلي.

هبة… سامحيني… والله كنت مضغوط.

ابتسمت.

نفس الابتسامة اللي كنت بخبيها طول السنتين.

وقلت

لما ضربتني بالقلم… كنت فاكر إنك كسرتني.

لكن الحقيقة…

إنك يومها صحيتيني.

الضابط أخد محمود وأمه وأخته بالأصفاد.

والبيت أخيرًا سكت.

عدّى أسبوع.

القضية قلبت الرأي العام.

كل القنوات كانت بتتكلم عن شبكة اختلاس داخل شركة كبيرة، وعن زوج استغل مراته وسرقها وحاول يتخلص منها.

لكن وأنا بقفل باب الفيلا لأول مرة وأنا لوحدي…

وصلني ظرف من غير اسم.

جواه…

صورة قديمة جدًا.

أنا عندي خمس سنين.

واقفة جنب راجل كبير في السن.

وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط إيد

لسه ما عرفتيش الحقيقة كلها… أبوكي ما ماتش في حادث… وأول واحد لازم تسأليه… هو عم محمود.

إيدي اتجمدت.

لأن عم محمود…

كان مسافر من خمسة عشر سنة.

والكل كان بيقول إنه مات.

لكن في نفس اللحظة…

وصلت رسالة من رقم دولي مجهول.

لو عايزة تعرفي مين قتل أبوكي بجد… تعالي إسطنبول… وخلي بالك… فيه حد قريب منك لسه بيشتغل ضدك.

قفلت الرسالة…

ورفعت عيني.

لقيت عربية سودا واقفة قدام الفيلا.

ولما فتحت بابها…

لقيت الظرف اللي كان في إيدي…

ليه نسخة تانية على الكرسي الخلفي.

عرفت وقتها…

إن الحرب اللي خلصت كانت مجرد البداية.

النهاية… أم بداية انتقام أكبر؟

قبل ما أقرب من العربية السودا…

الموبايل رن.

رقم خاص.

رديت من غير ما أتكلم.

وصلني صوت راجل كبير في السن، هادي بشكل يخوف

لو ركبتي العربية… هتموتي قبل ما توصلي آخر الشارع.

قفلت الخط فورًا.

في نفس اللحظة، باب العربية اتفتح لوحده.

ونزل منه شاب لابس بدلة سودا، رافع إيده علشان يبين إنه مش مسلح.

قال بهدوء

الأستاذة هبة؟ أنا جاي أحميكي… مش أخطفك.

ابتسمت بسخرية.

دي الجملة اللي أي خاطف بيقولها.

قبل ما يرد…

دوى انفجار هز المكان كله.

العربية السودا اتحولت لكومة نار في ثواني.

الحرارة وصلت لوشي، والناس بدأت تصرخ وتجري.

لو كنت ركبت العربية…

كنت بقيت رماد.

بصيت للشاب، لقيته بيشدني بعيد وهو بيقول

قلتلك… فيه حد سبقنا.

وقفنا ورا عربية تانية.

طلع بطاقة صغيرة من جيبه.

كان مكتوب عليها

إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية مهمة سرية.

قال وهو بيبص حواليه بحذر

اسمك بقى مرتبط بقضية أكبر بكتير من محمود.

سألته

مين بعتك؟

رد من غير تردد

أبوكي.

اتجمدت في مكاني.

همست

أبويا مات من عشرين سنة.

هز راسه وقال

ده اللي اتقال للناس… لكن الحقيقة مختلفة.

طلع من شنطة صغيرة جهاز لوحي، وفتح فيديو بتاريخ قديم.

الفيديو كان مهزوز…

لكن الشخص اللي ظهر فيه خلاني أنسى أتنفس.

أبويا.

بنفس صوته… بنفس ملامحه.

كان بيبص للكاميرا ويقول

لو هبة بتشوف الفيديو ده… يبقى الخطة فشلت، وعدوي عرف يوصل لها. يا بنتي… أنا عايش، لكن مقدرش أرجع دلوقتي. الشخص اللي دمر حياتنا مش محمود… محمود كان مجرد بيدق بيتحرك.

الدم اتجمد في عروقي.

سألت بسرعة

مين؟!

قبل ما الفيديو يكمل…

رصاصة اخترقت شاشة الجهاز.

اتكسرت الشاشة واتطفت.

الشاب زقني على الأرض وهو بيصرخ

قناص!

اختبينا خلف سور الفيلا.

الرصاص كان بينزل حوالينا.

وفجأة…

سمعنا صوت عربية مسرعة.

سوداء… بدون لوحات.

وقفت لحظة.

ونزل منها راجل لابس قناع.

بص ناحيتي بالذات…

ورمى ظرفًا صغيرًا على الأرض.

ثم ركب العربية واختفى قبل ما حد يلحقه.

فتحت الظرف وإيدي بترتعش.

كان فيه مفتاح قديم…

وصورة لخزنة حديدية.

وتحتها جملة واحدة فقط

لو فتحتي الخزنة… هتعرفي ليه أبوكي اختفى… وليه فيه ناس مستعدة تقتل أي حد يقرب من الحقيقة.

هبة فضلت تبص للمفتاح في إيديها ثواني…

وبعدين ابتسمت.

مش ابتسامة خوف…

ابتسامة واحدة أخيرًا فهمت اللعبة كلها.

بصت للشاب وقالت

الخزنة فين؟

رد وهو بيشاور ناحية البنك المركزي القديم.

في خزنة أمانات باسم شركة اتقفلت من عشرين سنة… باسم والدك.

بعد ساعات…

كانت واقفة قدام الخزنة.

الموظف سلّمها المفتاح الثاني بعد ما اتأكد من هويتها.

دخلت الغرفة.

لفت المفتاح…

واتفتح الباب الحديدي ببطء.

لكن بدل ما تلاقي فلوس أو دهب…

لقيت ظرفًا واحدًا فقط.

عليه مكتوب

إلى ابنتي هبة.

فتحته وإيديها بترتعش.

كان جواه خطاب بخط أبوها.

يا هبة… لو وصلتي للخطاب ده، يبقى انتي انتصرتي بنفسك. أنا ما اختفيتش علشان أخاف… اختفيت علشان أحميكي. الناس اللي كنت بحاربهم انتهوا من سنين، واللي حاول يستخدم محمود وعيلته كان مجرد نصاب استغل جشعهم. أنا توفيت بعدها بوقت قصير بمرض مفاجئ، لكن طلبت إن الحقيقة ما تظهرش إلا لما تبقي قوية وقادرة تدافعي عن نفسك. ما تدوريش ورا انتقام جديد… لأن أكبر انتقام هو إنك تعيشي حرة، ناجحة، وما تسمحيش لحد يكسرك.

وقعت دمعة من عين هبة.

لأول مرة من سنين…

حست إن الحمل اللي فوق قلبها اتشال.

خرجت من البنك.

كانت الشمس بتغيب.

فتحت موبايلها، ولقت رسالة من المحامي

تم الحكم النهائي

سجن محمود بتهم الاعتداء والاختلاس والتزوير.

سجن والدته وشقيقته لمشاركتهما في الجرائم.

استرداد جميع أموال الشركة وممتلكاتها.

قفلت الموبايل.

باعت الفيلا بكل ذكرياتها المؤلمة.

وأعادت افتتاح شركتها باسم جديد.

وخصصت جزءًا من أرباحها لإنشاء مؤسسة تساعد النساء اللاتي تعرضن للعنف الأسري، حتى لا تضطر أي امرأة أن تعيش ما عاشته.

وفي يوم الافتتاح…

وقفت قدام الحضور وقالت

في يوم من الأيام، حد افتكر إن قلم على وشي هيكسرني. لكن اللي حصل… إنه كان أول خطوة في طريقي للحياة.

صفق الجميع.

ولأول مرة…

كانت هبة لا تهرب من الماضي، ولا تنتظر الانتقام.

كانت قد انتصرت بالفعل.

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى