
أصل الشغل اليومين دول محتاج رأس مال جامد، وفوزية صممت إنها تدعمني.. أصلها متقدرش تعيش من غير ما تشوفني ناجح.
حمايا كان بيهز رأسه بانبـهار، وعروسته قاعدة وشها جايب ألوان. في اللحظة دي، وقفت في نص الصالة، وسقفت بإيدي عشان أشد انتباه الكل، وقولت بصوت عالي وواضح:
ـ منورين يا جماعة.. طبعاً كلكوا عارفين المناسبة، وعارفين إن سعيد كان مستني مني المفاجأة دي قدامكم كلكم.
سعيد وقف، وعدل جاكت البدلة بـغرور، وعينيه بتلمع بالطمع، ومد إيده وهو مستني الشيك وعقد الشقة.. كان في قمة مجده وسلطانه، في سابع سما.
طلعت من شنطتي فايل أسود شيك جداً، وقربت منه، وبدل ما أحطه في إيده، رميته على الترابيزة قدام حماه وأبوه.. وقولت بنبرة صوت تحولت فجأة لبرود قاتل وهدوء مرعب:
اتفضل يا سعيد.. دي مفاجأتك.
سعيد استغرب من الطريقة، وفتح الفايل بلهفة، وبدأ يقرأ.. وفجأة، الضحكة اختفت من على وشه، ملامحه اتقلبت، ووشه بقا أصفر زي الليمونة، وبدأ يعرق ورجليه مقتش شايلاه.
أبوه قلق وقاله:
ـ في إيه يا سعيد؟ مبروك يا ابني.. ورينـا الشيك؟
أنا ضحكت ضحكة عالية رنت في الشقة كلها، وقولت بكل شماتة وقوة:
شيك إيه يا حاج؟ اللي في إيد ابنك ده أولاً: **دعوى خُلع** أنا رافعاها عليه ومرفق معاها إنذار رسمي. وثانياً: **محضر طرد** من الشقة دي، لأن الشقة دي شقة أبويا الله يرحمه ومكتوبة باسمي بيع وشراء من قبل ما أتجوز ابنك الحافي ده بنص ساعة.. وثالثاً بقى وده الأهم: **وصل أمانة بمبلغ التوضيبات** اللي ابنك عملها في الأوضة التانية، لأن الصنايعية والمحلات أنا اللي دافعة ليهم بالفيزا بتاعتي وبإيصالات مستلمة باسمي ، وهحبسه بيها لو مدفعش تمن دهانات العروسة ومتنساش
ـ بس انا كنت بردلك كل مليم دفعتيه
ـ اثبت بقى لو جدع
الصالة اتقلبت لمأتم، حماه وقف مذهول، وعروسته قطعت الخلف. سعيد بقا يبصلي ويبص للورق وهو بيترعش، صوته تاه وطلع بالعافية:
ـ فوزية.. أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ والفلوس؟ والأرض؟!
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بمنتهى الاحتقار وقولتله:
ـ الأرض دي في خيالك المريض بس يا سعيد.. كان لازم أطلعك لسابع سما عشان لما أدوس عليك وأنزل بيك لسابع أرض، عشان ماتقوملكش قومة تاني.. أنت وعروستك الفرفوشة قدامكم بالظبط نص ساعة، تلموا الهدوم اللي جيتوا بيها، وتطلعوا برة بيتي، وإلا الأمن برة مستني إشارة مني وهيطلع يرميكم بالملابس الداخلية في الشارع قدام المنطقة كلها.. يلا.. برة!
سعيد وقف مكانه كأنه مضروب بالرصاص، الورق في إيده بيترعش، وعينيه رايحة جاية بيني وبين حماه اللي ملامحه اتحولت لغضب عارم. الصمت اللي حل في الصالة كان مرعب، لدرجة إن صوت أنفاس سعيد المكتومة كان مسموع.
حماه ضرب كف بكف، ووقف وبص لسعيد بنظرة كلهـا قرف وقال بصوت جهوري:
ـ بقا ده الراجل وسيد الرجالة اللي جايب بنتي ومقعدها في شقة مراته الأولى؟ وعايش على قفاها؟ وكمان بتغفلنا وتضحك علينا وتقول شاري شقة ومجهز مشروع بملايين؟!
العروسة الفرفوشة فجأة “الفرفشة” طارت من وشها، وبقت تبص لسعيد بـذهول وصدمة، ولمت فستانها وقامت وقفت جمب أبوها وهي بتعيط من الكسرة والفضيحة وسط أهلها اللي كانوا جايين يباركوا.
سعيد حاول يلم اللي باقي من كرامته اللي اتبعثرت على السجادة، وقرب مني ووشه جايب ألوان، وقال بصوت واطي ومبحوح وهو بيحاول يستعطفني من تحت العَمى:
ـ فوزية.. عشان خاطري بلاش الفضيحة دي قدام الناس.. نتفاهم جوة.. أنا جوزك برضه وحبيبك!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة سمّعت العمارة كلها، وقولتله بمنتهى التشفي:
ـ جوزي؟ وحبيبك؟ أنت نسيت يا سعيد إنك لسه من كام يوم قايل عليا كبرت وخرفت ومبقتش بفهم؟ نسيت اللف والدوران في الصالة والدلع اللي كان على قفايا وعلى سجادي وفي بيتي؟ حبيبك ده كان زمان لما كنت فاكراك راجل بجد، مش عيِّل طماع وجعان أول ما شَم ريحة قرشين مخبيهم جرى يتنطط بيهم ويتجوز عليا!
أبو العروسة مسك سعيد من ياقة بدلتـه الجديدة اللي لسه مدفعش تمنها، وهزه جامد وقال:
ـ بقا بتغفلنا يا سعيد؟ بتجوز بنتي لواحد حافي مش حيلته لقمة يأكلها لها؟! بنتي مش هتقعد هنا دقيقة واحدة.. غوري لمي هدمك يا بت!
العروسة جريت على الأوضة اللي كانت بتبرق بالأنوار، وبقت تلم هدومها في الشنطة بلهفة ودموعها مغرقة وشها، وأهلها واقفين في الصالة بيبصوا لسعيد وبيدعوا عليه وعلى اليوم اللي عرفوه فيه.
سعيد انهار تماماً، قعد على الكنبة وحط رأسه بين إيديه، الدموع نزلت من عينيه من كتر القهر والذل، بصلي وقال:
ـ طب والفلوس اللي صرفتها على الأوضة؟ دي شقا عمري والقرشين اللي حيلتي.. تضيعيهم عليا يا فوزية؟
وقفت فوق رأسه وهو قاعد مكسور، وبصيتله من فوق لتحت بمنتهى البرود والـعنجهية:
ـ شقا عمرك ده تمن قلة أصلك يا سعيد.. تمن كل إهانة وجهتهالي، وكل لقمة استخسرتها فيا وفي المطبخ ورحت تجيب بيها فطار جاهز لست الحسن.. الأوضة وتوضيباتها دي هسيبها هنا، أهو أهوِّي فيها الشقة، أو أأجرها لطلبة يصرفوا عليا، وأنت تطلع برا طالع زي ما دخلت.. بشنطة هدومك القديمة!
في اللحظة دي، العروسة طلعت وهي جارة الشنطة في إيدها، وأبوها سحبها من إيدها وبص لسعيد وتف في الأرض وقال:
ـ ورقت بنتي توصلي الصبح يا سعيد، وإلا وقسمًا بالله هعمل بيك محضر نصب وأحبسك.. يلا غوري في داهية.
خرج أهل العروسة وهما بيبرطموا ويشتموا، ووراهم أهل سعيد اللي مبقوش عارفين يودوا وشهم فين من الكسفة، ومفضلش في الصالة غير سعيد.. قاعد لوحده ببدلته، في الشقة الواسعة اللي بقت فجأة ضلمة وكئيبة في عينيه.
بصيت في ساعتي وقولتله بنبرة جافة:




