
ـ إيه ده؟ فين الفاكهة والعصاير اللي قولتلك هاتيها؟ البنت وشها دبلان ومحتاجة تتغذى، إنتي بتستخسري فيها اللقمة ولا إيه؟
أنا كنت بسمع الكلام ده والدم بيغلي في عروقي، بس بفتكر الخطة اللي في دماغي وببلع الإهانة، وأرد ببرود:
ـ حقك عليا يا سعيد، الميزانية الشهر ده قصرت شوية، بس حاضر.. من عينيا، هجيب لها كل اللي هي عايزاه.
كانت عينه تلمع بالطمع ويرجع يطبطب ويقول:
ـ أيوا كدة، خليكي العاقلة الكبيرة.
الوضع بقا يزداد سوق يوم بعد يوم؛ بقا يقعد معاها بالساعات في أوضتهم، يضحكوا ويهزروا بصوت عالي عشان أسمع، ولمّا يطلع يقعد معايا في الصالة لمجرد “تأدية الواجب”، يفضل قالب وشه، وماسك الموبايل، ولو سألته عن حاجة يترق عليا ويقولي بنبرة ناشفة:
ـ يووه.. إنتي مبقتيش بتفهمي الكلمة وهي طايرة ليه؟ كبرتي وخرفتي ولا إيه؟
كل ده عشان يرضي غرورها وهي واقفة في المطبخ تبتسم بخبث وتبصلي من تحت لفوق. كانوا فاكرين إنهم بيكسروني، ومكنوش يعرفوا إن كل إهانة وكل قلة أصل كان بيعملها سعيد، كانت بتموت جوايا أي حتة حنينة باقية ليه، وبتخليني أستعجل اللحظة اللي هقلب فيها الطاولة عليهم هما الاتنين.. .
الموضوع مبقاش مجرد إهمال أو قلة ذوق، ده تحول لقلة أدب وتعمّد إهانة عيني عينك.. سعيد بقا يتعامل في الشقة كأني هواء، كأني حتة أباجورة مركونة في الصالة ملهاش أي تلاتين لازمة.
بقا يدلعها قدامي بطريقة مستفزة ومراهقة جداً، يدخل من باب الشقة شايل أكياس الفاكهة والحاجة الحلوة، يرميها على الترابيزة ويدخل عليها الأوضة، تطلع وراه وهي ساندة بدلع عليه، وفجأة تلاقيه شالها ولف بيها في الصالة وهي بتضحك بصوت عالي ومخلع، ويبصلي بطرف عينه عشان يشوف أثر الحركة دي عليا إيه.
وفي يوم، كنت قاعدة في الصالة بقرأ كتاب وبشرب قهوتي في هدوء، طلعوا هما الاتنين من الأوضة.. كانت لابسة لبس بيت مكشوف ومستفز، وبدأت تتلكك وتشد من إيده حاجة وهو بيضحك.. وفجأة بقوا يجروا ورا بعض في الصالة! يلفوا حوالين الترابيزة وهي تصرخ بدلع: “بس يا سعيد.. بس يا حبيبي هقع!” وهو يجري وراها بضحكة بلهاء ويمسكها من وسطها ويشيلها ويلف بيها ويدغدغها، وكل ده فين؟ على السجادة اللي أنا دفعا تمنها من شقايا، وقدام عيني في صالوني!
أنا نزلت الكتاب من على وشي وبصيت لهم ببرود تام.. برود يُدرّس.. رفعت فنجان القهوة وأخدت بوق وبقيت بتابع حركاتهم كأني بتفرج على مشهد كوميدي هابط في التلفزيون.
هي لما لاقتني متهزتش ولا قومت عيطت ولا صرخت فيهم، حبت تزود الجرعة شوية.. دفت راسها في صدره وقالت بصوت مسموع:
ـ يوه يا سعيـد.. مش قادرة آخد نفسي، وبعدين عيب كده، فوزية قاعدة وبتبص علينا، شكلنا وحش أوي!
سعيد سحبها من إيدها وقعدها جنبه على الكنبة اللي قصادي، وحط إيده على كتفها وبصلي بمنتهى التحدي والتبجح وقال:
ـ شكلنا وحش ليه يا حبيبتي؟ ده بيتي ودي مراتي، وأنا أدلعها براحتي وفي أي وقت.. وبعدين فوزية عاقلة وأكبر من الكلام ده، هي عارفة إنك لسه صغيرة وفرفوشة والبيت كان محتاج الحيوية دي بدل الكآبة اللي كنا عايشين فيها.
بصيت لوشه اللي بقيت بشوفه مسخ، وقولت بابتسامة هادية جداً هزت ثقتهم في نفسهم:
ـ طبعاً يا سعيد.. عندك حق، البيت فعلاً بقا فيه “حركة” مكنتش موجودة.. اتبسطوا يا حبايبي، اتبسطوا على الآخر، دايماً عامر إن شاء الله.
وقمت دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت على السرير وأنا بفرك إيديا ببعض، والابتسامة وسعت على وشي.. خلاص، سعيد جاب آخره تماماً، وداس على كل خط أحمر، ومبقاش فاضل غير إني أقص الشريط وأبدأ العرض بتاعي.. العرض اللي هيخليه يلف حوالين نفسه ويدفع تمن كل لفة لفها في الصالة دي غالي أوي.الخطوة الأولى كانت إني لازم أحسسه إنه ملك، إنه مسيطر تماماً والكل في طوع بنانـه.
صحيت الصبح بابتسامة تفتح النفس، وعملت فطار ملوكي، ودخلت صحيتهم هما الاتنين بنبرة صوت ناعمة ومطيـعة لآخر حد:
ـ صباح الخير يا عريس، صباح الخير يا عروسة.. الفطار جاهز في الصالة، يلا عشان تلحقوا تاكلوه وهو سخن.
سعيد بص لمراته بنظرة انتصار مريضة، كأنه بيقولها: *”شايفة؟ كسرتها وخليتها تخدمنا”*، وقام وهو هيموت من الفرحة. وعلى الفطار، قعدت جنبه وقولتله بنبرة كلهـا هدوء وحنية مصطنعة:
ـ بص يا سعيد.. أنا فكرت في كلامك، ولقيت إنك عندك حق، البيت كان محتاج فرفشة، وأنا كمان قررت مأقصرش معاك في حاجة.. أنا والدي الله يرحمه كان سايبلي قطعة أرض في البلد، وأنا بعتها الأسبوع اللي فات وفلوسها لسه واصلة لي في الحساب.. مبلغ محترم يفتح أجدد مشروع أنت بتحلم بيه، وكمان يخلينا نوسع الشقة دي أو نشتري شقة تانية للعروسة عشان تاخد راحتها وميبقاش فيه أي ضيق.
سعيد عينيه برقت، واللقمة وقفت في زوره من الصدمة والفرحة! بصلي وهو مش مصدق ودقات قلبه باينة من ورا قميصه:
ـ بتتكلمي جد يا فوزية؟! فلوس الأرض؟ دي تعملها ملايين!
رديت بدلع وهدوء:
ـ طبعاً جد يا حبيبي، هو أنا ليا مين غيرك؟ عشان كدة أنا عايزة يوم الخميس الجاي بمناسبة مرور أسبوعين على جوازكم، نعمل عزمة كبيرة هنا في الشقة، نعزم فيها أهلك وأهل العروسة كلهم، وقدام الكل هقدم لك شيك بمبلغ المشروع، وعقد الشقة الجديدة اللي هكتبها باسمك.. عشان الكل يعرف إن سعيد راجل وسيد الرجالة، ومحدش يقدر يتكلم عليك نص كلمة.
في اللحظة دي، سعيد طار لسابع سما.. كان حاسس إنه ملك زمانه، الراجل اللي قدر يجمع بين ستين، واحدة بتصرف عليه وبتديله ملايين، وواحدة تانية صغيرة بيمتع شبابه معاها. الأسبوع ده كان بيعاملني فيه زي الأميرة، يبوس إيدي قدام مراته، ويقولها: “اتعلمي من فوزية الأصول”. ومراته الحرباية بدأت تموت من الغيظ والغيرة لأن البساط بيتسحب من تحتها، وسعيد مبقاش شايف في الدنيا غير “فوزية” وفلوسها.
وجه يوم الخميس.. الشقة كانت مليانة على آخرها، أهله وأهل العروسة، والكل قاعد بياكل ويشرب من خير الشقة اللي أنا دافعة تمنه. سعيد كان قاعد في صدر الصالة، لابس بدلة جديدة، وفارد ضهره وبيتكلم بتعالي وتبجح مع حماه:




