قصص وروايات

اخت جوزي حكـايات روماني مكرم

وقفت في نص الصالة، وخالد واقف مراقبني، وعقلي اتشل تماماً.. بيتي اتخرب في ثانية، وسري اللي دفنته تلت سنين طلع وفضحني قدام الكل، وجوزي طلقني في التليفون.. لميت الهدوم في الشنطة وإيدي بتترعش، وأنا مش عارفة هروح فين ولا هقول لأهلي إيه.. بس وأنا بقفل الشنطة، عيني جت على كارت البوسطة اللي فيه الفلوس المحوشة، وفجأة، تليفوني رن تاني.. افتكرته مصطفى، جريت وفتحت الخط وأنا بصرخ: “سامحني يا مصطفى!”.. بس الصوت اللي جِه مكانش صوت مصطفى.. ده كان صوت حد تاني خالص، قلب كياني وخلاني أقف مكاني مذهولة!

الصوت اللي جِه في التليفون كان صوت غريب، نبرة جافة وفيها غلّ مكتوم. “ألو.. صباح معايا؟”

مسحت دموعي بسرعة وحاولت أجمع صوتي المخنوق وقولت: “مين؟ مين معايا؟”

الطرف التاني ضحك ضحكة باردة سقعت الدم في عروقي وقال: “أنا رجب.. جوز أم أحمد جارتكم القديمة. افتكرتيني؟ ولا الفلوس اللي بتدخليها البوسطة كل شهر من ورا جوزك تنسيكِ أصحاب الفضل؟”

تسمرت في مكاني والشنطة في إيدي. رجب ده كان شغال موظف في مكتب البريد اللي في أول الشارع، وهو اللي كان بيخلص لي إشاعات الإيداع كل شهر من غير ما حد ياخد باله. قولت له برعب وصوت واطي عشان خالد واقف برة الصالة: “عايز إيه يا رجب؟ وأنت بتتصل بيا في وقت زي ده ليه؟ أنا بيتي بيتخرب!”

رجب قال بنبرة تهديد صريحة: “بيتك بيتخرب؟ طب كويس إني لحقتك قبل ما تتطردي. اسمعي يا صباح.. جوزك مصطفى كلمني من شوية على تليفوني، بيستعلم عن الحسابات وبيرغي معايا بحكم المعرفة، وسألني لو كنت بشوفك بتدخلي البوسطة. أنا قولت له مفيش الكلام ده ومبشوفهاش.. بس اللسان لوز يا صباح، وعشان يفضل مربوط، عاوز خمسة آلاف جنيه حالا.. وإلا هطلب مصطفى تاني وأقول له إنك محوشة أكتر من سبعين ألف جنيه من عرق أخته ويجي ياخدهم منك يد بيد!”

قفلت السكة في وشه وأنا بنهج، الدنيا اتقفلت في وشي من كل ناحية.. جوزي طلقني، وخالد واقف مستني يرميني في الشارع، ورجب جاي يبتزني في الفلوس اللي حوشتها!

طلعت الصالة أجر الشنطة، خالد بص لي بقرف وشاور على الباب: “يلا.. مش عاوز أشوف وشك هنا، وأنا هاخد نادية والعيال وأروح بيهم شقتهم، ومصطفى زمانه على وصول مصر في أول طيارة عشان يخلص الحساب القديم والجديد”.

خرجت من باب الشقة والدموع عامية عيني، السلم كان ضلمة كأنه قبري. نزلت الشارع وأنا مش عارفة أروح فين.. لو رحت لأهلي وفهموا إني اطلقت عشان أكلت مال اليتامى وشغلت أخت جوزي أرملة خدامة، أبويا ممكن يتبرأ مني.

مشيت في الشوارع لحد ما الساعة بقت تنين بالليل، ومفيش قدامي غير حل واحد.. أروح لـ نادية! لازم أروح وأبوس على رجلها، وأرجع لها كل مليم في البوسطة قبل ما مصطفى ينزل مصر، هي الوحيدة اللي ممكن تلين وتكلم أخوها تقوله يسامحني.

وصلت عند بيتها.. بيت قديم في حارة سد، طلعت السلم بخطوات مرعوبة وخبطت على الباب بالراحة. ثواني والباب اتفتح.. بس اللي فتحت مكانتش نادية.. دي كانت “حماتها” الست الكبيرة، وبصت لي بعيون كلها غضب وشر وقالت: “أهلاً يا ست صباح.. جاية لحد هنا برجلِك؟ ده إحنا كنا لسه بنجيب في سيرتك!”

وقبل ما أنطق بكلمة، سمعت صوت حركة جوة الشقة، وطلع خالد ومعاه راجلين من كبار الحتة، ونادية قاعدة في الصالة بتعيط. خالد بص لي وضحك ضحكة عالية هزت البيت وقال: “كنت عارف إنك هتيجي هنا يا صباح.. أهي المجرورة جت برجلها يا جماعة.. يلا يا نادية، هاتي كشف الحساب اللي مصطفى بعتهولك على الواتساب دلوقتي حالا، عشان نقعد القعدة العرفية ونشوف الست هانم هترد الفلوس دي إزاي قبل ما نعمل المحضر!”

حكايات رومانى مكرم

الرجالة كبار الحتة وسعوا لي في الصالة، وبصاتهم كلها لوم واحتقار ونظراتهم تذبح. دخلت ورجلي مش شايلاني، الشنطة في إيدي ثقيلة كأني جارة ورايا هموم الدنيا. نادية كانت قاعدة على الكنبة، وشها أحمر من العياط وفي إيدها تليفون قديم بتهزه وهي مش مصدقة.

خالد شاور للراجل الكبير اللي قاعد في صدر الأوضة وقال: “أهي جت يا حاج رفعت.. الست صباح بنفسها، الحرامية اللي كلت مال اليتامى وجاية دلوقتي تدور على مخرج بعد ما أخويا رمى عليها اليمين في التليفون”.

الحاج رفعت كبّر بصوته وقال بنبرة حازمة: “اقعدي يا صباح.. القعدة دي قعدة حق وعرب، ومصطفى كلمنا من الغربة وفوّضنا نجيب حق أخته اليتيمة. جوزك باعت كشف حساب رسمي من البنك في السعودية، بكل التحويلات اللي دخلت حسابك على مدار تلت سنين.. المجموع كله داخل في ميتين ألف جنيه! أنتِ كنتِ بتدي لنادية أربعة آلاف بس في الشهر، والباقي بتشيليه في البوسطة.. الحسبة دي تطلع كام؟”

وقفت في نص الصالة، ودموعي نازلة زي المطر، قولت بصوت مكسور: “يا حاج رفعت.. وعهد الله أنا كنت بشيل القرشين لزوم الزمن، وقولت أهو كله لبيتي ولعيالي وعيال نادية.. أنا مكلتش حاجة، الفلوس في البوسطة زي ما هي ومعايا كارت الإيداع أهو!”

نادية وقفت فجأة وصوتها هز الحيطة: “فلوس إيه اللي لزوم الزمن يا صباح؟! أنتِ ذلتيني! كنتِ بتخليني أغسل السجاد وأمسح السلم وأنا رجلي ورمانه، وتتأخري عليا في الأربعة آلاف وتقوليلي (العيشة غليت يا نادية واحمدي ربنا إنك لاقية لقمة)! كنتِ بتاكلي عرق جبيني بفلوس أخويا وتعملي عليا الهانم المحسنة! أنا مش عاوزه فلوس.. أنا عاوزه حقي من كرامتي اللي تفت ف الأرض تحت رجليكي!”

خالد مسك التليفون وقال بخبث: “ومش بس كده يا حاج رفعت.. رجب موظف البوسطة لسه مكلمني ومكلم مصطفى، وبلّغنا إن صباح معاها دفتر توفير مخبية فيه سبعين ألف جنيه فكة من ورا مصطفى، وكان بتساومه وتدفعه فلوس عشان يسكت!”

هنا عقلي طار.. رجب الكلب لما قفلت السكة في وشه، راح بلغ خالد ومصطفى عشان ينتقم مني ويطلع هو البطل! قولت بصراخ وعياط: “رجب كداب يا خالد! رجب كان بيتصل بيا يبتزني ويطلب خمسة آلاف جنيه عشان يسكت، ولما رفضت راح فتن عليا!”

الحاج رفعت ضرب بعصايته على الأرض وقال بحدة: “بس! مش عاوزين كلام نسوان.. رجب حسابه بعدين والمحكمة تحاسبه لو مرتشي، لكن أنتِ يا صباح.. الفلوس اللي في البوسطة دي هتتصفى بكرة الصبح وتتسلم لنادية يد بيد قدامنا هنا في المندرة.. وإلا وعهد الله، خالد هيروح بكرة الصبح يعمل فيكي بلاغ خيانة أمانة بالوصولات، وقسيمة طلاقك هتوصلك على القسم!”

بصيت لنادية ورميت نفسي تحت رجليها، مسكت العباية بتاعتها وأنا بصرخ: “بوس إيدك يا نادية.. سامحيني.. وعهد الله هردلك كل مليم، بس بلاش حبس وبلاش فضحية قدام أهلي، أبويا لو عرف هيموتني!”

نادية شدت عبايتها من إيدي بقسوة ودارت وشها الناحية التانية وهي بتعيط.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى