عام

“رجّعي البنت دي النهاردة، يا إما

كنت أجلس معاها ساعات طويلة، أحكي لها قصصاً عن الشجاعة والحق، أقول لها أنتِ لستِ ضعيفة يا ليلى.. أنتِ قوية أوي، وتحملتي شيء ما يتحمله الكبار. واللي حصل ده مش ذنبك.. ذنب اللي عمله.

ببطء بدأت تتحسن.. بدأت تضحك تاني، بدأت تلعب مع الأطفال في الحديقة، بدأت تنام بلا كوابيس. وكل خطوة صغيرة كانت تعملها كانت كنزاً ثميناً بالنسبة لي.

أنا كمان كنت أتعافى. كنت ألوم نفسي في البداية.. ليه ما لاحظتش من الأول؟ ليه سكتّ كل الفترة دي؟ ليه خليت الخۏف يسيطر عليّ؟ الطبيبة النفسية قالت لي اللوم مش هيساعدكِ.. اللي سويتيه إنه وقفتي في اللحظة الحرجة، وإنقذتي بنتكِ. ده المهم.

بدأت أعمل في جمعية لحماية الأطفال، أتكلم في الندوات، أحكي قصتي بلا ذكر أسماء، عشان كل أم تتردد تتكلم تجرأ وتقول كفى. وكل مرة كنت أحكي فيها كنت أتحرر من جزء من الألم اللي جوايا.

في زيارة لي للمحكمة كمتحدثة، التقيت بالمحامي كريم مرة تانية. تكلمنا طويلاً، اكتشفت إنه إنسان طيب،

حنون، بيحب عمله عشان يساعد الناس الحقيقية مش عشان الشهرة. بدأنا نلتقي من وقت للتاني، بصداقة بسيطة في البداية، وبعدين شوية شوية اتغيرت المشاعر.

خفت في البداية..

خفت أتعلق بحد تاني، خفت يتكرر اللي حصل. لكن كريم كان صبوراً أوي، قال لي أنا مستني الوقت اللي تكوني جاهزة فيه.. مهما طال.

وفي يوم من الأيام، ليلى اللي كانت بتلعب في الحديقة سألتني فجأة ماما.. ليه كل الناس عندهم بابا ونحنا معندناش؟

سكتت شوية، وبعدين قلت لها بصدق عشان البابا لازم يكون يحمي ويحب.. واللي كان معانا ما عملش كده. بس لو جاء يوم وجينا حد يحبكِ ويحميكِ، هتكوني موافقة؟

فكرت شوية وقالت بابتسامة لو بيحبني زي ما أنتِ بتحبيني.. أيوه.

الكلام ده كان إشارة لي. بدأت أفتح قلبي تاني، ببطء وحذر، وكريم كان يأخذ بيدي خطوة بخطوة. لم يضغط عليّ أبداً، وكان دائماً يسأل ليلى عن رأيها في كل شيء.

بعد سنتين ونص، اتجوزنا. لم يكن فرحاً صاخباً، بل كان يوماً دافئاً جمعنا بمن نحب. ليلى كانت لابسة فستانها الأبيض الصغير، وماسكة إيد كريم بكل ثقة، وقالتلي في لحظة دافئة عندي بابا أخيرًا يا ماما!

دموعي نزلت من الفرح.. لم أتخيل أبداً إن الحياة ممكن تبتسم لي تاني بهذا الشكل.

بس الحياة ما بتخلوش من اختبارات.. بعد ثلاث سنوات، وصلنا خبر من السچن.. أبويا مريض جداً، وطلب يشوفني.

ترددت طويلاً. هل أروح؟ هل أسامح؟ هل اللي فات يتناسى؟ سألت كريم فقال القرار قراركِ.. افعلي اللي يريح قلبكِ. سألت ليلى فقالت لو عايزة تروحي.. روحي. بس أنا مش عايزة أشوفه.

ذهبت وحدي. دخلت الغرفة ولقيتة قاعداً على السرير، شعره أبيض بالكامل، وجهه مجعد، عينيه غائرتين.. لم يكن الراجل اللي عرفته أبداً. لما شافني حاول يتحرك بس ما قدر.

جيتِ؟ قال بصوت ضعيف. شكراً.. كنت فاكركِ مش هتجي أبداً.

جلست بعيداً عنه وقولت بثبات جيت مش عشان أسامحك.. جيت عشان أغلق الباب ده من ورايا للأبد.

هز راسه ببطء أعرف.. وأنا مستاهل كل حاجة حصلتلي. كنت أعمى يا أمل.. المال والخۏف أعموني عن كل حاجة حلوة في الدنيا. خسړت بنتي، خسړت حفيدتي، خسړت كل حاجة.. وما بقاش معايا غير الندم.

سكت شوية وبعدين كمل ليلى.. عاملة إيه؟

بخير، قلت. بتتعافى، بتلعب، بتدرس.. بتعيش حياتها اللي كدت تحرمني منها.

دموعه نزلت قللها.. قللها إني آسف.. وإن كنت أتمنى لو يرجع بي الزمان لورا لثانية واحدة بس.

هقولها اللي انت قلت، بس القرار قرارها، قمت وقفت. سلام عليك.

خرجت من السچن وأنا حاسة بسلام عميق.. لم أسامحه تماماً، ولم أنسَ.. لكني تركت الحقد هناك، في الغرفة الضيقة دي. ما عادش يخصني.

بعد شهور قليلة، ټوفي أبويا. لم أبكِ، ولم أفرح.. صليت عليه، ودعيت له بالرحمة، ليس عشان يستحقها، بل عشان أتخلص من أي بقايا كراهية في قلبي.

الجزء السادس النهاية

مرت السنوات بسلاسة وهدوء، وتغيرت حياتنا تماماً. ليلى كبرت، بقت فتاة ذكية وقوية، دخلت كلية الطب، وقالتلي دائماً عايزة أعالج الناس اللي أذيتهم الدنيا زي ما أنا اتعالجت.

كريم رزقنا بطفلين، ولد وبنت، وكنا عائلة متماسكة دافئة. ليلى كانت تحب أخويها پجنون، وكانت دائماً تحميهما وتقول محدش يقدر يأذيهم أبداً وأنا موجودة.

في يوم من الأيام، كنت جالسة معاها على شرفة بيتنا الكبير، وهي بتحمل صورة قديمة ليها وهي صغيرة. قالتلي فجأة ماما.. أنا كنت خاېفة أوي زمان، بس دلوقتي عرفت إن اللي حصل خلاني أقوى.

حضنتها وقولتلها القوة مش في عدم الخۏف يا حبيبتي.. القوة إنك تخافي وتكملي طريقتك برغم الخۏف.

نظرت للدنيا من حولي.. الشمس بتغرب بجمال، الأطفال بيلعبوا في الحديقة، كريم بينادينا عشان العشاء.. وشعرت بالامتنان العميق. لم يكن طريقي مفروشاً بالورود،

ولم يكن سهلاً أبداً، لكن كل خطوة كنت مشيتها كانت جديرة بالثمن.

عرفت إن الكرامة ما تُباع ولا تُشترى، وإن الصمت على الظلم چريمة، وإن أصعب قرار ممكن تتخذه هو قرار المواجهة، بس هو القرار الوحيد اللي بيحررك. وعرفت إن ربنا ما بينسا حد، وإن المظلوم مهما طال ليله، النور لابد بيطلع في آخر الطريق.

أنا أمل.. اللي كادت الدنيا تسحقها، وخرجت أقوى وأكمل وأجمل. وهذه قصتي.. لتبقى أملاً لكل من فقدت الأمل، وصوتاً لكل من خاڤت تتكلم.

كفى صمتاً.. الحق يُقال.

والحق يُنصر.

والحياة تستحق أن تُعاش بكرامة

تمت بحمد الله

لا تنسوا لايك ومشاركة القصة لكل من تحتاج تسمع كلمة حق

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى