قصص وروايات

عمري ما وثقت في مراتي روماني مكرم

“يا ابني.. الفلوس.. الفلوس مش هنا..”

دمي هرب من عروقي، وحسيت إن الحيطان بتلف بيا: “يعني إيه مش هنا؟ أنتي شايلاها في بنك؟ قولي لي فين وأنا أتصرف!”

أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط بنشيج يقطع القلب، وقالت الجملة اللي نزلت على دماغي زي الصاعقة.. الجملة اللي دمرت حياتي كلها ومحت كل السنين اللي فاتت في ثانية واحدة:

> “أخوك الكبير يا أحمد.. وقع في ضيقة كبيرة، وكان عليه شيكات وهيتحبس وتضيع عيلته.. ومكنش قدامي غير فلوسك.. أنا اديت له كل الدولارات اللي بعتها يا ابني!”

وقعت الكلمة على وداني ومسمعتش بعدها حاجة.. حسيت بصوت صفير عالي في دماغي، والحيطان بدأت تضيق عليا لحد ما بقيت مش قادر أخد نفسي. 300 ألف دولار.. شقى سنين، غُربة، طحن، حرمان، وشك عيشته لمراتي.. كله طار في الهوا عشان “أخويا الكبير”!

أمي كانت بتعيط وتترجاني، وبتقول كلام مكنتش قادر أجمعه: “يا ابني ده أخوك.. كان هيتسجن.. عرضه كان هيتشحن في المحاكم.. قلت شقاك هيرجع.. أخوك هيقف على رجله ويردلك كل مليم..”

قمت وقفت وأنا مش شايف قدامي، ضحكت بوجع وصرخت بصوت هز البيت: “يرجع إيه؟! يرجع منين؟! ده أخويا اللي طول عمره فاشل ومبيعرفش يمسك قرش! بقى تآمنيه هو على فلوسي وتضيعيني أنا؟ ده أنا كنت ببعتلك الفلوس عشان خايف من مراتي.. تطلعي إنتي اللي ضيعتيني يا أمي؟!”

أمي غطت وشها وفضلت تدعي وتعيط، مكنش فيه فايدة للكلام. سبت البيت ونزلت أجر رجلي في شوارع طنطا.. الشوارع اللي كبرت فيها وأنا بسمع تحذيرات أمي من الستات والأمان. كنت ماشي زي المجنون، الناس تبص لي وأنا مش هنا.. شريط حياتي كله بيتعاد قدام عيني..

افتكرت كل شهر كنت بخصم فيه من قوتنا أنا وأسماء عشان أبعت لطنطا. افتكرت أسماء وهي بتطلب حساب مشترك عشان نأمن مستقبلنا وأنا بصدها ببرود وشك. افتكرت نظرتها الأخيرة وجملتها: “بكرة تعرف إنك ضيعت عمرك بتتحامى في سور من رمل.”

يا الله.. السور طلع فعلاً من رمل.. وانهار فوق دماغي أنا!

ركبت العربية ورجعت على القاهرة.. الطريق كله كنت بتموت في كل ثانية مية مرة. وصلت شقتنا في عين شمس بالليل.. فتحت الباب بالراحة، كانت الشقة هادية، وريحة بخور خفيف مالية المكان.. نفس الهدوء اللي كنت بهرب منه.

دخلت الصالة، لقيت أسماء قاعدة في البلكونة وسط زرعها.. كانت ماسكة الدفتر الصغير وبتكتب بخطها المنظم. أول ما شافتني، اتخضت وقامت وقفت.. ملامحها اتغيرت من المفاجأة، بس لما قربت مني وشافت وشي، الخضة اتقلبت لقلق حقيقي.

وشي كان أصفر، وعيني دم، وهدومي متبهدلة.. كنت شبه واحد طالع من حادثة بموتة.

جرت عليا ومسكت إيدي بلهفة: “أحمد؟! في إيه يا حبيبي؟ إنت جيت إمتى؟ ومفركش كدة ليه؟ فيك إيه.. إنت تعبان؟!”

بصيت في عينيها.. العين اللي كنت دايماً بدور فيها على الشك والخيانة.. ملقتش فيها غير خوف حقيقي ونقي عليا. الخوف اللي عمري ما شفته في عيون حد تاني نزلت على ركبي قدامها وانفجرت في العياط.. عياط راجل  وهي مش فاهمة حاجة، بس كانت الطوق الوحيد اللي فاضل لي في الدنيا.

بعد ساعات، لما هديت خالص، قعدنا في الصالة.. وبدأت أحكي لها. حكيت لها عن كل مليم بعته لطنطا، عن الـ 300 ألف دولار، عن شكي فيها من أول يوم جواز، وعن اللي أمي عملته وأخويا اللي ضيع كل حاجة. كنت بتكلم وأنا منكس عيني في الأرض، مستني منها تصرخ، تشتمني، تشمت فيا، أو تقولي “تستاهل”.. كان من حقها تعمل أي حاجة.

لكن أسماء فضلت ساكتة.. سكوت طويل وقاتل.. لحد ما قامت ودخلت الأوضة. قفلت الباب وراها، وأنا قعدت مكاني.. مستني حكم الإعدام.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو

مرت نص ساعة وكأنها دهر.. كنت قاعد على الكنبة، حاطط راسي بين إيدي، والسكوت في الشقة بقى يمرض. كنت مستنيها تطلع بشنطة هدومها وتقولي “كل شيء قسمة ونصيب”، أو على الأقل تصرخ في وشي وتغسلني من جوايا باللوم اللي أستاهله.

لكن الباب اتفتح، وخرجت أسماء.

مكنتش شايلة شنطة هدوم.. كانت شايلة في إيدها الدفتر الصغير بتاعها، اللي بتسجل فيه كل حاجة، ومعاه علبة قطيفة قديمة ممسوحة الأطراف.

قربت مني وقعدت على الكنبة اللي قصادي، حطت الدفتر والعلبة على الترابيزة وبصت لي بهدوء غريب.. هدوء الأحرار اللي معندهمش حاجة يخافوا عليها.

فتحت العلبة القطيفة، وبصت لي وقالت:

“دي غوشتين وخاتم.. ده كل اللي ورثته من أمي الله يرحمها، وده كل الدهب اللي حيلتي في الدنيا.”

وبعدين فتحت الدفتر الصغير، وقلبت في الصفحات لحد ما وقفت عند صفحة معينة، لفت الدفتر ناحيتي عشان أشوفه.. لقيت خانات مكتوبة بخطها المرتب، ومكتوب فوق: **”حساب شقة المستقبل”**.

كانت كاتب الأرقام بالمليم.. مبالغ صغيرة متجمعة جنب بعضها على مدار سنين.. 500 جنيه.. 1000 جنيه.. مكافأة شغلها.. حرمانها من طقم جديد أو خروجة غالية.. كله كان متسجل هنا ومكتوب جنبه: *(لأحمد وعيلتنا)*.

قالت والنبرة في صوتها مكسورة بس قوية:

“أنا طول العشر سنين اللي فاتوا، وأنا شيفاك بتدقق في كل قرش، وشايفاك حارم نفسك وحارمني من حاجات كتير، كنت بقول معلش.. أحمد شقيان، أحمد شايل هم بكرة، أحمد بيأمن عيالنا اللي لسه مجوش.. مكنتش أعرف إنك بتأمن نفسك ‘مني’ أنا!”

بلعت ريقي وحاولت أتكلم: “أسماء.. أنا..”

قاطعتني بإيدها وكملت: “أنا مكنتش هطمع في فلوسك يا أحمد، ولا عمري طلبت منك شقة باسمي، ولا كان يفرق معايا نعيش في قصر أو في أوضة، أنا كان يفرق معايا الأمان.. الأمان اللي إنت رحت تدور عليه في طنطا، ودفعت تمنه من كرامتي ومن ثقتي فيك.. كنت بتبص لي وإنت فاكرني مستنية اللحظة اللي هسرقك فيها، في حين إن أنا كنت بحوش من وراك عشان لما تقع، أسندك.. كنت بجمع القرش على القرش عشان لما تزهق من الغربة، أقولك ارجع يا أحمد وإحنا معانا اللي يبدأنا من جديد.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى