
صورة لرجل.
أمي أول ما شافته شهقت.
شوقي!
حسن قال
شوقي كان المدير المالي للشركة.
لكنه اختفى من سنين.
لأنه كان عارف إن أبو مريم اكتشف كل حاجة.
بص لي.
أبوكي كان ناوي يسلّمني الأدلة.
لكنه مات قبل ما يوصل لي.
سألت
وإنت عملت إيه؟
حسن رد بهدوء
غلطت.
أول مرة أشوف راجل غني وقوي يعترف بحاجة زي دي.
صدقت كلام الناس وقتها. قالوا إن أبوكي سرق وهرب. وأنا صدقت.
أمي قالت بصوت مكسور
وأنا فضلت طول السنين دي ساكتة.
حسن سألها
ليه؟
لأن شوقي هددني. قال لي لو فتحت بقي هيموت مريم.
حسن سكت.
وبعدين بص لي.
نظرة طويلة.
كأنه فهم فجأة ليه بنت عندها 12 سنة كانت بتطلب عشرين جنيه عشان اللبن.
لكن شوقي ماكانش اختفى.
كان عايش.
والأخطر
إنه عرف إن الملف اتفتح من جديد.
بعد أسبوع، حصلت أول محاولة.
وأنا خارجة من المدرسة، عربية سوداء وقفت جنبي.
واحد نزل وقال
مريم؟
جريت.
ماعرفتش مين أنقذني وقتها.
لكن في أقل من دقيقة، عربية حسن ظهرت.
الرجل هرب.
ومن اليوم ده، حسن قرر إن الموضوع انتهى.
مش فلوس.
ومش هدايا.
قال لأمي
أنا هجيب حق جوزك بالقانون.
وفعلًا، بدأ يجمع الأدلة.
وأنا كبرت.
مرت سنة.
وبعدين سنتين.
وأمي بدأت تشتغل في مكان محترم بدل تنظيف البيوت.
وحسن تكفل بمصاريف تعليمي، لكن بشرط واحد
أي حاجة عايزة تحققيها، لازم تذاكري عشانها. مش عشان أنا دفعت.
كنت بكرهه أحيانًا لأنه كان صارم.
لكن مع الوقت فهمت إنه كان بيحاول يعلمني حاجة أهم من الفلوس.
يعتمد على نفسه.
بعد أربع سنين، حصلت المفاجأة.
كنت في الجامعة لما جالي اتصال من أمي.
مريم شوقي اتقبض عليه.
رجعت البيت.
ولأول مرة، عرفت الحقيقة كاملة.
حسن كان جمع المستندات، وشاهد قديم ظهر، واعترف بكل شيء.
اعترف إن أبويا اكتشف الاختلاس.
وإنه أمر رجاله يوقفوه.
لكن حصلت مشاجرة انتهت بوفاته.
وبعدها زوروا تقرير الحادث.
حسن ما اكتفاش بالانتقام.
سلّم كل الأدلة للشرطة.
وشهد بنفسه.
وفي النهاية، صدر الحكم.
أبويا
ماكانش حرامي.
ماكانش هارب.
ماكانش خاين.
كان ضحية.
وأمي أخيرًا قدرت تزور قبره من غير ما تشعر إنها بتخبي الحقيقة عني.
بعد سنوات، اتخرجت.
وفي يوم التخرج، كنت واقفة على المسرح، ماسكة شهادتي.
ولما نزلت
لقيت حسن مستنيني.
ناولني ظرف صغير.
فتحته.
كان جواه عقد شقة.
بصيت له بدهشة.
دي إيه؟
قال
بيت باسمك.
ليه؟
عشان يوم ما كنتِ عندك 12 سنة، كنتِ بتطلبي عشرين جنيه عشان أخوكي يشرب لبن.
ضحكت ودموعي نزلت.
وأنا قلت لك إني هرجعهم.
ابتسم.
وإنتِ رجعتيهم.
استغربت.
إمتى؟
قال
يوم ما بقيتي البنت اللي قدرت تعتمد على نفسها، وتساعد أمها، وتدخل الجامعة، وتبني حياتها من غير ما تستنى حد ينقذها.
سكت شوية.
وبعدين قال
العشرين جنيه دول كانوا أغلى عشرين جنيه دفعتهم في حياتي.
ضحكت.
بس إنت ما دفعتهمش.
قال
عشان كده بقوا أغلى.
مرت عشر سنين على الرسالة.
وأنا دلوقتي عندي 22 سنة.
آدم بقى شاب طويل، وبيدرس هندسة.
وأمي عندها بيتها الصغير وشغلها اللي بتحبه.
أما حسن
فبقى بالنسبة لنا مش الرجل الخطير اللي الناس كانت بتخاف من اسمه.
بقى الرجل اللي ساعدنا نخرج من أصعب وقت في حياتنا.
لكن أجمل حاجة حصلت
إنه أسس جمعية باسم أبويا.
اسمها
عشرين جنيه.
الجمعية كانت بتساعد الأسر اللي عندها أطفال ومش قادرة توفر لهم اللبن والأكل.
وفي أول يوم افتتاح
طلب مني أتكلم.
وقفت قدام الناس.
ومسكت الميكروفون.
وقلت
من عشر سنين، كنت طفلة عندها 12 سنة، كل اللي كنت محتاجاه عشرين جنيه عشان أخويا ماينامش جعان.
غلطت في رقم واحد، والرسالة وصلت لشخص غريب.
لكن أحيانًا، الغلط اللي بنفتكره هيضيع حياتنا بيكون هو نفسه الباب اللي الحياة بتفتح لنا منه طريق جديد.
بصيت لحسن.
وبعدين كملت
أنا ما اتعلمتش إن الفلوس بتحل كل حاجة.
اتعلمت إن الإنسان ممكن يكون سبب في تغيير حياة إنسان تاني بكلمة، أو موقف، أو حتى بعشرين جنيه.
صفق الناس.
وأنا نزلت من على المسرح.
لقيت حسن واقف مستنيني.
قال
فاكرة أول رسالة؟
ضحكت.
مستحيل أنساها.
لو رجع بيكي الزمن كنتِ هتبعتِ الرسالة؟
فكرت لحظة.
وبعدين قلت
كنت هراجع الرقم أربع مرات بدل تلاتة.
ضحك حسن لأول مرة بصوت عالي.
وقال
وأنا كنت هتمنى تغلطي فيه برضه.
وبعدها بسنة، كنت في بيتي مع أمي وآدم.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت بنت صغيرة واقفة، ماسكة موبايل قديم.
وشها كان مليان خوف.
قالت
معلش ممكن تساعديني؟
بصيت للموبايل في إيدها.
محتاجة إيه؟
قالت
أخويا الصغير جعان وماما مش معاها فلوس.
سكتُّ.
ثم سألتها
محتاجة كام؟
قالت بخجل
عشرين جنيه.
ابتسمت.
وأنا بطلع الفلوس من محفظتي، افتكرت بنت صغيرة كانت واقفة من سنين في مطبخ بارد
وحاضنة طفل جعان.
مديت لها الفلوس.
وقلت
خديهم يا حبيبتي.
لكن قبل ما تمشي، ناديت عليها
واستني
رجعت.
قلت لها
المرة الجاية، لو اضطريتي تطلبي مساعدة ماتخافيش.
بس أهم حاجة ما تثقيش في أي غريب بسهولة.
هزت راسها.
ومشيت.
قفلت الباب.
وبصيت لأمي.
قالت
لسه فاكرة؟
ابتسمت.
عمري ما هنساها.
لأن أحيانًا
أكبر الحكايات في حياتنا
بتبدأ برسالة صغيرة جدًا.
ورسالة مريم اللي كان المفروض توصل لعمّتها نوال
وصلت بالخطأ لحسن الدمنهوري.
لكن في النهاية
ما أنقذش حسن مريم بالفلوس.
مريم هي اللي غيّرت حياة حسن برسالة من عشرين جنيه.
ومن يومها، كل ما حد يسأله
إيه أغرب رسالة وصلتك في حياتك؟
كان يبتسم ويقول
رسالة بنت صغيرة كانت بتطلب عشرين جنيه عشان أخوها ماينامش جعان.
ثم يضيف
والرسالة دي كانت أغلى رسالة وصلتني في حياتي.




