Uncategorized

حكايات امانى السيد

أول ما نزلنا، القهوة فضيت من زبائنها تدريجياً بنظرة واحدة من الحاج حسنين، والرجالة الصغار قفلوا الشراع وصدروا الكراسي. اتجمعت القعدة العرفية: الحاج حسنين في صدر الطاولة، وجنبه اتنين من كبار الحارة، ومن الناحية الثانية كان واقف أخو العروسة ومعاه البلطجية الاتنين، وعينيهم بتتطاير منها نيران الطمع والغضب. وأنا كنت قاعد في الزاوية، ساكت، مكسور، وحاسس إن هيبتي وكرامتي أتمسحوا بالأرض.

 

الحاج حسنين خبط عصايته الأبنوس في الأرض هبدة هزت القهوة، وبص لأخو العروسة وقال بنبرة صارمة: “هات الورق اللي معاك يا جدع أنت، وحاتلي القصة من أولها.. ومن غير لف ولدوران، لأن الكلمة الغلط هنا بحسابها!”.

أخو العروسة طلع الإقرارات ومؤخر الصداق من جيبه ورماهم على الطاولة بثقة خبيثة: “الورق أهو يا حاج.. إقرار رسمي ببصمته وإمضائه بإنه استلم شبكة بمبلغ وقدره، ومؤخر صداق مكتوب وموثق، وشقة إيجار ملتزم بدفع إيجارها لمدة سنة. الأستاذ دخل بيتنا من الباب، وطلب بنت ناس، ولما شبع وقضى مراده، رمى عليها اليمين في الغربة وداس على شرفها ورجع لمراته الأولى وكأن شيئاً لم يكن! إحنا ناس أصحاب حق، والورق ده لو نزل النيابة الصبح هيلبسه قضية تبديد ومؤخر محترم، ومش هينزل منها إلا وهو مكلبش!”.

الحاج حسنين مسك الورق، وطلع نظارته من جيبه، وبدأ يقرأ ببطء وتركيز. كل ثانية كانت بتمر عليا في السكوت ده كانت زي سنة. وبعدين رفع رأسه وبصلي بصة قاسية جداً، وقال: “الإمضاء دي إمضاءتك يا إبراهيم؟ والبصمة دي بصمتك؟”.

بصيت للأرض، والكلمات اتخنقت في حلقي قبل ما تطلع: “إمضائي وبصمتي يا حاج.. بس والله العظيم تحت التدليس والنصب! أنا أتقفل عليا مع صاحبي فلان وأهل البنت يوم كتب الكتاب، ودخلوني في زحمة ورغي وشبكة وهمية، ومضوني على إقرارات قالوا إنها ضمان حق للبنت عشان هيصونوا بنتهم في الغربة، ومكنتش أعرف إن ده فخ منصوبلي من أول يوم عشان يسددوا ديون أبوه!”.

هنا أخو العروسة زعق بصوت عالي: “نصب إيه وتدليس إيه يا نصاب! أنت كنت بكامل عقلك، وعارف أنت بتمضي على إيه! هو في راجل بيمضي على نص مليون جنيه وهو مغمض عينيه؟!”.

الحاج حسنين رفع إيده وسكّته بهيبة: “اقفل حنكك يا ولد لما الكبار يتكلموا!”. وبعدين لف وشها ناحيتي وقال بلهجة حادة زي الموس: “أنت غلطت يا إبراهيم، والغلطة الأولى إنك بعت بيتك الأصيل وعينك زغت ورا شهوتك ورخيص كلام صاحبك.. والغلطة الثانية إنك اتغفلت زي الأعمى ومضيت على ورق يكتفك من رقبتك. القانون مبيحْمِيش المغفلين يا ابن الناس، حتى لو كنت مظلوم في النية، إمضاءتك في الورق رسمية!”.

حسيت إن الدنيا دارت بيا، والأمل الأخير في القعدة العرفية بيضيع. لكن الحاج حسنين كمل كلامه وبص لأخو العروسة بنظرة تانية خالص، نظرة تعلب عتيق فاهم اللعبة: “بس تعال هنا يا شاطر.. أنت فاكر إنك لما تجيبلي الورق ده وتدش عليا بالبلطجية بتوعك هتاكل بعقلنا حلاوة؟ أنا التليفون اللي أم أولاده سجلت فيه مكالمتك مع صاحبك الخاين معايا دلوقتي على الواتساب، والرسائل المتبادلة بين صاحبه وبين أختك اللي بتتوسل فيها وتقول ‘ليه بتعملوا فيا كده وتدبسوني في راجل عشان تسددوا ديون أبوي’، كل ده موجود ومحفوظ!”.

 

أخو العروسة وشها اتغير، والألوان راحت منه، وعينيه بدأت تتردد بين الحاج حسنين وبين البلطجية اللي معاه.

الحاج كمل وهو بيمسح على لحيته: “أنت ورطت أختك، واستغليت راجل مغفل عشان تطلعوا بمصلحة، اللي متجهزة ضدكم مش قضية تبديد، دي قضية ‘تشكيل عصابي للابتزاز والتدليس والاتجار بالبشر’، وأنت عارف كويس أوي نفوذنا في النيابة وعارف إن أختك نفسها هي أول واحدة هتشهد عليكم لما تنزنق في التحقيق!”.

البلطجية اللي كانوا جايين مع أخو العروسة بدأوا يتراجعوا لورا، وواحد منهم قرب من أخو العروسة ووشوشه بصوت واطي: “إحنا ملناش دعوة بالمواضيع دي يا معلم.. أنت قلت لنا راجل أكل حقكم بالورق، طلعت القصة فيها نيابات وتشكيل عصابي! إحنا ماشيين!”.

أخو العروسة بقى واقف لوحده في صدر القهوة، الضعف والارتباك باينين عليه. حاول يستجمع شتات نفسه وقال بنبرة مكسورة: “يعني إيه يا حاج؟ البنت تطلق كده وتترمى من غير حق؟ والأضرار اللي لحقت بينا في البلد مين هيسددها؟”.

الحاج حسنين وقف، وضرب بعصايته في الأرض وقال بقرار حاسم لا رجعة فيه: “البنت ليها مؤخرها الشرعي اللي يرضي الله، مش المبالغ الخيالية اللي مضيتوا الراجل عليها بالنصب! هتاخدوا مبلغ بسيط يتكتب بيه تنازل رسمي عن كل الإقرارات والمؤخر والشقة، وتكتبوا إقرار عدم تعرض لإبراهيم ولا لبيته ولا لأولاده نهائياً. وإذا وافقتوا بالصلح ده أهلاً وسهلاً، والورق يتقطع قدام الرجالة دلوقتي.. وإذا رفضتوا، الورق اللي معايا هيترسل للنيابة العامة مع البلاغ الصبح، وأنت وأبوك وصاحبه الخاين هتناموا في الحجز الليلة!”.

 

أخو العروسة وقف مشنوق بين الخسارة الكلية وبين إنه يطلع بـ “حمص الشام” من الجوازة الشؤم دي. فضّل يتردد ويروح ويجي، وفي الآخر هز رأسه بقلة حيلة وقبل بالشروط.

تم تقطيع الإقرارات المكتوبة تحت النصب قدام عينيا، ومضى على إقرار التنازل واستلم مبلغ المؤخر الشرعي البسيط اللي دفعه الحاج حسنين من جيبه الشخصي على إنه دين عليا أردّه له، ومشي أخو العروسة يجر أذيال الخيبة والفضائح.

أول ما القهوة فضيت، قمت وقفت وجيت أبوس إيد الحاج حسنين وأشكره، بس زحزح إيده بعنف وبصلي بقرف وقال: “إياك تفتكر إني عملت كده عشانك يا إبراهيم.. أنا عملت كده عشان العرض والشرف، وعشان دموع سمر وولادها اللي مالهمش ذنب في القذارة اللي أنت جيبتها لحد عندهم. أنت طلعت من قضية النصب، بس حسابك مع مراتك وبيتك لسه يبدأ النهاردة.. اطلع فوق وشوف هتكفر عن ذنبك ده إزاي، ده لو وافقت أصلاً تبص في وشك تاني!”.

طلعت السلم وأنا رجل بتشيل ورجل بتحط. الاتهامات والقضايا راحت، بس الخراب الحقيقي كان مستنيني ورا الباب المقفول. فتحت باب الشقة بالمفتاح بالراحة، ولقيت الصالة فاضية وهادية تماماً، وشنطة سفر كبيرة محطوطة جنمب باب الشقة، وسمر واقفة جنبها وهي لابسة طرحتها…

 

ج حسنين لف وشها، وبص لسمر، وقالها بصوت دافي بس مليان أسى: “ادخلي جوة يا سمر مع ولادك وافلي الباب.. وأنت يا أبراهيم، انزل معايا تحت، الحساب وتقليب الأوراق مش هيكون هنا.. الحساب هيكون تحت قدام القعدة اللي هتحدد مين اللي ليه حق ومين اللي يتكسر رقابته!”.

نزلت وراهم والدموع بتخنقني، رجلي مش شايلاني، ومش عارف المواجهة اللي جاية تحت في القعدة العرفية هتكون إيه، ولا الورق المزور والمكتوب بتدليس ده هيوديني لحد فين، ولا سمر اللي سيبتها جوة بتقفل الباب ورايا بمفتاحين هتقبل ترجعلي تاني حتى لو المصيبة دي خلصت!رجلي اتسمرت مكانها وأنا ببص للشنطة المحطوطة جنب الباب. كان شكلها زي التابوت اللي بيدفن فيه كل أمل فضلي في الحياة دي. الشنطة دي مكنتش مجرد قماش وسوستة، دي كانت إعلان صريح ومباشر إن سمر بتتخلى عن السقف اللي جمعنا، وإن النهاية اللي كنت بتهرب منها وصلت خلاص.

رفعت عيني بالعافية وبصيت في وشها. كانت واقفة وثابتة، ملامحها إنتحى منها الغضب والصراخ، وحل مكانه هدوء بارد ومخيف.. هدوء الست اللي اتخذت قرارها الأخير بعد ما أستنفذت كل طاقتها. الولاد مكنوش في الصالة، حسيت إنها دخلتهم الأوضة عشان ما يحضروش اللحظة المهينة دي.

قربت منها خطوة، وحسيت بصوتي بيطلع مكسور ومخنوق: “سمر.. الشنطة دي إيه؟ أنتِ رايحة فين؟”.

ردت عليا بصوت هادي وزي الثلج، صوت مفيش فيه أي نبرة حزن ولا عتاب: “أنا رايحة بيت أبويا يا إبراهيم. خلاص.. دوري هنا انتهى”.

جيت أقدم خطوة ثانية، ورفعت إيدي وأنا بترجاها: “سمر اسمعيني باللّه عليكِ! المصيبة انزاحت.. الحاج حسنين وقّفهم عند حدهم، والورق اتقطع كله، والنصابين غاروا في ستين داهية وما بقاش في تهديد على البيت ولا على الفلوس! كل حاجة رجعت زي الأول!”.

هنا سمر بصتلي، وارتسمت على شفايفها ابتسامة حزينة ومكسورة، وقالتلي: “رجعت زي الأول؟ أنت شايف إن كل حاجة رجعت زي الأول يا إبراهيم؟ أنت بجد فاكر إن المشكلة كانت في شوية الورق والبلطجية اللي كانوا على الباب؟”.

سكتت لحظة، ونفسها بدأ يعلى، وكأن الكلمات بتطلع بصعوبة من وسط جرحها المفتوح: “المشكلة مكنتش في الفلوس ولا في النصابين.. المشكلة كانت فيك أنت! المشكلة إن الراجل اللي أنا سلمته عمري، ووقفت معاه في الفقر قبل الغنى، وارتضيت بظروفه وشيلت اسمه وصنته في غيابه، طلع أول واحد يبيعني في أول منحنى. المشكلة إنك جريت ورا كلام صاحبك الرخيص، وعينك زغت على جمال صور، وبعت بيت كامل بمراته وعياله عشان شهوة يومين!”.

نزلت دموعها ببطء شديد على خدها، بس مسحتها بسرعة بظهر إيدها وهي بتكمل: “أنا حميتك من البلطجية ورجالة خالو وقفت معاك عشان ولادنا ما يتفضحوش وعشان اسم العيلة ما يطينش بالتراب، وعشان ما أشوفش أب ولادي مكسور أو محبوس.. ده حق العشرة وحق الولاد عليا. لكن حقي أنا؟ كرامتي أنا اللي أنت دوست عليها برجلك؟ وجع قلبي لما عرفت إنك بتنام في حضن واحدة ثانية ومفهمني إنك في شغل؟ ده مين يرجعه زي الأول يا إبراهيم؟”.

قعدت على ركبي قدامها على الأرض، ومسكت طرف جلبابها وأنا ببكي بحرقة مكنتش بكيتها في حياتي كلها: “سامحيني.. والله العظيم اتعميت، شيطاني ركبني وغفلت! أنا بقرف من نفسي كل ما بفتكر اللي عملته.. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أردلك كرامتك، مستعد أعيش خدام تحت رجليكي أنتِ والولاد، بس ما تهديش البيت وما تسيبيش الشقة.. اضربيني، اهينيني، اعملي اللي أنتِ شايفاه بس ما تبعديش!”.

سحبت طرف جلبابها من إيدي ببطء وبقسوة، ورجعت خطوة لورا: “اللي بيننا اتقطع يا إبراهيم.. والرباط اللي كان بيجمعنا اتكسر. أنت ما خنتنيش بس، أنت سرقت مني الأمان. أنا بقيت ببص في عينك وبشوف شخص غريب، مبقيتش بأمنلك ولا بأمن أعيش معاك تحت سقف واحد. كل ما هبص في وشك هافتكر خيانتك، هافتكر كذبك عليا وأنت بتبوس الولاد وبتقولي طالع شغل ورايح للعروسة الجديدة.. العيشة دي هتتحول لجحيم لينا إحنا الاثنين”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى