
دخلت عليها الأوضة وفجأة قطعت المكالمة ووجهها بيض أبيض زي الملاية من الخوف. مسكت التليفون منها بالعافية وفحصت المكالمات والرسائل. الصدمة الأولى كانت الرسائل المتبادلة بينها وبين شخص بيتعهد بإسقاط ديون كبيرة على أهلها لو هي نفذت خطة معينة، الخطة كانت تبين إنها بتتجوز واحد ميسور (اللي هو أنا) عشان تسحب منه مبالغ مالية وشبكة تقيلة تتسدد بيها ديون أبوه في البلد، وأن صاحبي اللي أقنعني بالجواز—صاحبي اللي وثقت فيه ودخل بيتي—كان هو العراب للعملية دي كلها وكان ليه نسبة من كل حاجة!
مش بس كده، اكتشفت كمان إن البنت كانت مغصوبة على الجوازة دي تحت تهديد أهلها، وإنها كانت على علاقة بشخص تاني من بلدها وكانوا متفقين يهربوا، وأهلها استغلوا موضوعي عشان يغطوا على فضيحة كبيرة كانت هتصيب العيلة في البلد لو الموضوع اتعرف. يعني أنا كنت مجرد “ستار” وفريسة سهلة اتلعب عليها بلعبة الجمال والعروسة اللقطة!
الصدمة شلتني. صاحبي اللي كان بيقنعني إن الزوجة الثانية هي السعادة، كان بيبيعني ويقبض التمن. والعروسة الفلقة قمر اللي جريت ورا شكلها، كانت شايلة سر كبير وهدفها الوحيد كان يا إما ابتزازي أو توريطي في قضايا ومشاكل ديون ملهاش أول من آخر مع ناس خطيرة في بلدهم.
سيبتها في الشقة ونزلت زي المجنون، مش عارف أروح فين. واجهت صاحبي في التليفون، وفي الأول أنكر، لكن لما واجهته بالرسائل والتفاصيل اللي عرفتها، أرتبك وبدأ يلخبط في الكلام وفي الآخر قال لي ببرود: “يا عم أنت خدت ليلة حلوة وشفت جمال ماكنتش تحلم بيه، كبر دماغك وكل واحد بياخد نصيبه!”.
هنا عرفت حجم الغفلة اللي كنت عايش فيها. جشع الشهوة والانسياق وراء كلام الناس عمى عيني عن بيتي الحقيقي. سيبت العروسة الجديدة ورميت عليها يمين الطلاق في نفس الليلة، وجمعت كل حاجة تخصني وسبت الشقة الإيجار، ورجعت للقاهرة.
أنا دلوقتي قاعد في صالة بيتي القديم، قدام مراتي اللي شالتني سنين طويلة وشالت أطفالي، ومستني اللحظة اللي هعترف لها فيها. المصيبة مش بس إني اتجوزت عليها وغدرت بيها وعشت في حضن واحدة ثانية باسم الشغل؛ المصيبة الأكبر إن النتيجة كانت إني اتنصب عليا، واتلعب بيا، وورطت نفسي في قصة ممكن تدمر بيتي الأولاني وولادي لو أهل البنت دي قرروا يلاحقوني بالشبكة أو العقود اللي امضيت عليها تحت ضغط وصدمة.
مراتي دخلت عليا الأوضة، شايلة كوباية شاي، وقعدت جنبي وقالت لي بصوت دافي: “مالك يا أبو الولاد؟ أنت من ساعة ما جيت من السفر ده وأنت مش طبيعي، في حاجة مضايقاك في الشغل؟”.
بصيت في عينيها، والكلمات اتجمدت في حلقي. إزاي هقولها إني خنتها؟ وإزاي هقولها إني كنت لعبة في إيد صاحبي والخطة اللي اتعملت عليا؟ إزاي هبص في عين ولادي لما يعرفوا إن أبوه جرى وراء سراب وهد البيت اللي بيحميهم؟
السكوت كان خنقني، والوقت بيعدي، وأنا واقف على شفا حفرة، مش عارف أبدأ منين ولا أقول إيه.
فضلت قاعد ساكت ومثبت نظري في كوباية الشاي اللي في إيدها، والصوت في رقبتي مخنوق مش راضي يطلع. هي حسّت إن السكوت ده مش مجرد تعب شغل، ملامحها بدأت تتغير تدريجياً من القلق للشك. حطت الكوباية على الترابيزة وقربت مني أكتر، حطت إيدها على كتفي وسألتني بصوت أصرم المرة دي: “في إيه يا ابن الناس؟ أنت مخبي عليا إيه؟ في مصيبة حصلت في الشغل ولا إيه اللي جرالك؟”.
النظرة اللي في عينها كانت سهم غروز في قلبي. النظرة دي هي اللي خلت السد اللي جوايا ينهار. غصبت نفسي أرفع عيني فيها، وبدأت أتكشف وأتكلم وصوتي بيرتعش: “أنا عملت مصيبة يا سمر.. مصيبة هتهد البيت ده على دماغنا كلنا”.
سكتت لحظة، ونفسها بدأ يعلى. “مصيبة إيه؟ اتكلم على طول، خسرت فلوسك؟ حد جراله حاجة؟”.
هزيت رأسي بنفي، ودموعي نزلت غصب عني، ومكنتش قادر أداري أكتر من كده: “أنا اتجوزت عليكِ.. وسفري اللي فات ده كله مكنش شغل، كنت مع مراتي الجديدة”.
الكلمة نزلِت عليها زي الصاعقة. شفت إيدها وهي بتبعد عن كتفي بسرعة كأنها لمست نار، وشها شحبت منه الألوان ووقفت فجأة، كانت بتبصلي كأنها بتشوف شخص غريب مكنتش تعرفه قبل كده. مابكتش، ومصرختش، لكن الصدمة خلتها تقف متثبتة في مكانها مش قادرة تتنفس.
“أنت بتقول إيه؟” قالتها بصوت واطي ومبحوح كأن الصوت يادوب طالع من حنجرتها. “أنت بتتكلم جد؟ ولا ده مقلب؟ اتجوزت عليا؟ متجوز عليا بقالك شهرين وأنت بتنام جنبي وبتبص في عيني وبتكذب عليا؟”.
حاولت أقف وقربت منها عشان أهديها أو ألمس إيدها، لكنها صرخت فيا بصوت هز أرجاء الشقة: “إياك تقربلي! إياك تحط إيدك عليا! بقى أنا اللي وقفت معاك من صفر، أنا اللي استحملت الفقر والظروف الصعبة وعشت معاك على المرة قبل الحلوة، تروح تبيعني عشان واحدة ثانية؟ ليه؟ أثرت معاك في إيه؟ بيتي أثرت فيه في إيه؟ ولادك نقصهم إيه؟”.
بدأت أبكي وأحاول أشرح لها: “أنا اتلعب في دماغي.. صاحبك فلان هو اللي جرني للقصة دي، فضل يزن عليا ويرويني صور ويقولي الحياة حلوة وهتستريح، وأنا ضعفت وشيطاني ركبني.. بس والله العظيم القصة مكملتش، اكتشفت مصيبة كبرى وطلقتها ورجعتلك!”.
هنا سمر ضحكت، ضحكة مكسورة وكلها وجع وكسرة نفس، وقالتلي: “يا سلام! يعني أنت جاي تقولي دلوقتي إنك اتجوزت عليا، ولما طلعت بيعة خسرانة ولا الموضة معجبتكش، جاي ترمي نفسك في أحضاني وتدّعي النكبة؟ أنت مخرجتش من العك ده عشان خفت على مشاعري، أنت خرجت عشان البنت طلعت مصيبة! يعني لو كانت عاجباك وحياتك معاها ناعمة، كنت فضلت عايش في الكذبة وسايبني في العميانية!”.
الكلام كان زي الساطور، لأنها كانت بتتكلم بالحق. أنا مفرقتش معايا مشاعرها غير لما الشاشات وقعت واكتشفت الخدعة اللي اتعملت عليا.
قعدت على الأرض تحت رجليها وقلت لها: “أنا عارف إني واطي، وعارف إني غلطت في حقك وحق ولادي، بس اسمعيني للأخر.. الموضوع مش بس جواز، القصة أكبر من كده بكثير وأنا خايف على البيت وعلى الولاد من اللي جاي”.
بصتلي بقرف وقالت: “قصة إيه وتخاريف إيه؟ أنت فاكر لو حكيتلي قصة سينمائية هسامحك؟ أنت هدمت كل حاجة بينا، هدمت الثقة والأمان اللي كان بيننا في لحظة”.
بدأت أحكيلها التفاصيل كأنني بعترف بذنوبي قدام قاضي: حكيت لها عن خطة صاحبي، وعن أهل البنت والديون اللي كانت عليهم، وعن المكالمة اللي سمعتها في أوضة النوم والابتزاز اللي كانت البنت بتتعرض له عشان تسحب مني شبكة وشقة وتسدد ديون أبوه في البلد، وعن دور صاحبي اللي كان واخد نسبة عشان يوردني لهم كصيد سهل.




