
وقفت قدامه بكل ثبات، وطلعت من شنطتي حافظة أوراق ثانية خالص، رميتها على الترابيزة قدامه وقولت له ببرود: «تطلق؟ ده القرار الوحيد الصح اللي نطقته من يوم ما عرفتك.. بس بالنسبة للولاد، الأوراق اللي قدامك دي فيها كشوفات الحسابات البنكية ومصاريف المدرسة وشهادات الشهود من جيراننا وأولياء الأمور والمدرسين على مدار سنين، بتثبت إنك مكنتش بتصرف مليم على بيتك ولا عيالك، وإنك كنت ممتنع عن الإنفاق، وغير القضية اللي هترفع عليك بخصوص النفقات والأجور المكسورة عليك من السنين اللي فاتت. لو فكرت بس تلعب بكارت العيال، هرفع عليك قضية حجر ونفقة وأخلي المحكمة تتكفل بيك.. وأنت عارف كويس قوي إنك قدام المحامي بتاعي مش هتستحمل جولة واحدة».
جمال بصل للأوراق، وركبه خانته وقعد تاني على الكرسي. عرف إن اللعبة انتهت تماماً، إن هناء الضعيفة اللي كانت بتطبطب وتلم الموقف عشان البيت ما يتهدش ماتت، وبقت مكانها ست معتمدة على نفسها، متحكمة في كل خيوط اللعبة، ومعاها القانون والشغل والعيال.
مرت شهرين.. السنتر الجديد بقى مؤسسة تعليمية هي الأقوى في المحافظة، والمكان اللي اشتريته أنا ورجل الأعمال وسعناه وفتحنا فيه أكاديمية لغات كاملة. ولادي بقوا جنبي في السنتر، بيشوفوا أمهم والناس بتشاور عليها باحترام، وأحمد ابني بقى هو اللي بيساعدني في تنظيم المواعيد ودخول الطلاب، وهو فخور بيا وبيقولي دايماً: «أنا مرفوع الراس عشان أنا ابن الأستاذة هناء».
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي بالسنتر الجديد، وبراجع الحسابات الأسبوعية، دخلت عليا السكرتيرة ووشها فيه استغراب، وقالتلي: «أستاذة هناء.. في واحدة برة مصرة تقابلك وتقول إن الموضوع شخصي ومهم جداً ومستنية بقالها ساعة».
سألتها: «مين دي؟»
ردت السكرتيرة: «بتقول إنها أخت أستاذ جمال.. المدام حنان».
ابتسمت ابتسامة هادية، وحطيت القلم من إيدي، وعرفت إن وقت الحساب الأخير واللعب على المفتوح جه.. ووزنت كل كلمة هقولها قبل ما أقول للسكرتيرة: «دخليها يا ابنتي.. خليها تشوف الشغل على أصوله».
دخلت حنان المكتب بخطوات مترددة، عينها بتمشي في المكان بذهول صريح. السنتر كان خيرة معمارية وتجهيزات تقنية على أعلى مستوى، الطلاب والمدرسين مالين الممرات، والموظفين شغالين حركة دؤوبة زي خلية النحل. الديكور، الهدوء، الهيبة اللي المكان بيبثها.. كل ده كان كفيل يخلي حنان تدرك إن الصورة اللي كانت برسمها هي وأخوها عني في مكالماتهم التليفونية اتفتت تماماً.
كانت لابسة وش مسكنة ومصنع، وعينيها فيها نظرة انكسار محروقة بالغل اللي مقتدرتش تداريه كلياً. حطت شنطتها على الكرسي وقعدت من غير ما أعزم عليها، وحاولت ترسم ابتسامة صفرا على وشها.
بصيت لها ببرود وأنا بقلب في أوراق الحسابات قدامي، سبتها قاعدة دقيقة كاملة من غير ما أرفع عيني فيها، لحد ما تحمحت وصوتها طلع واطي ومبحوح: «إزيك يا هناء.. ما شاء الله، المكان يفتح النفس، ربنا يزيدك من نعيمه يا حبيبتي».
قفلت الفايل بالراحة، وسندت إيدي على الترابيزة وبصيت في عينها مباشرة: «أهلاً يا حنان.. أظن المكان هنا شغل ومواعيد بالدقيقة، وأنتي قايلة للسكرتيرة إن الموضوع شخصي ومهم.. سامعاكي، خير؟»
حنان وشها اتغير من النبرة الجافة، بس بلعت إهانتها ومسكت منديل في إيدها وبدأت تمثل دور أخت الزوج الحنونة المشفقة: «الموضوع يخص جمال يا هناء.. أخويا بيموت، الأيام اللي فاتت دي مابيدقش طعم النوم، البنك بدأ يبعتله إنذارات عشان قروضه المكسورة، ومصاريف البيت اللي بتطالبيه بيها فوق طاقته، غير إن صاحب المحل القديم بيطالبه بشرط جزائي.. جمال اتدمر يا هناء، وحاله يقطع القلب، وأنتي عارفة إن جمال طيب ومالوش في اللف والدوران، بس الشيطاني بقى هو اللي دخل بينكم!».
ضحكت بصوت عالي هز المكتب، ضحكة خلّت حنان تتسمر في مكانها. قربت بكرسيي وشورت بإيدي: «جمال طيب؟ ومالوش في اللف والدوران؟ سبحان الله يا حنان! أومال مين اللي كان بيكلمك في التليفون ويقولك “السمكة وقعت في الشبكة وهاخد السنتر منها بالرخص وأكسر مناخيرها”؟ مين اللي أخد تحويشة عمره وراح يشارك المنافس بتاعي عشان يقفل بيتي ويرمي عياله في الشارع؟ الشيطاني اللي بتتكلمي عنه ده مكنش غريب يا حنان.. الشيطاني ده كان أنتي وأخوكي!».
حنان وشها اتجمد والدم هرب منه، لسانها اتعقد وما عرفتش تنطق كلمة واحدة. أدركت إن كل كلمة اتقتالت في الخفاء كانت مسموعة، وإن خطتها الخبيثة هي وأخوها كانت مكشوفة من أول لحظة.
كملت كلامي بمنتهى القسوة والجمود: «جاية دلوقتي تطلبي مني أرحمه؟ جاية تقوليلي أخويا بيموت؟ لما أنا كنت بصرف على البيت والعيال من شقايا وتعب صحتي ورجليا المورمة من الوقفة في المدارس، أخوكي كان بياخد مرنبه يشيله في البنك عشان يذلني بيه في أول زنقة! لما جيت أستلف منه ٥٠ ألف أمن بيهم مستقبل ولادي، استخسرهم فيا وكان عايز يسرق مجهود سنين بجرة قلم! ودلوقتي لما ربنا ردلي حقي وأعماله لفت وربطت على رقبته، جاية تترجيني أنقذه؟».




