
سبته واقف في الصالة مش فاهم أولها من أخرها، ودخلت أوضتي قفلتها بالمفتاح، ولأول مرة من سنين أنام ونفسي مرتاحة، حاسة إني أخدت حقي وأثبت لنفسي قبل أي حد إني مش ضعيفة ولا محتاجة لضلمة يستقوى عليا.
من تاني يوم الصبح، حياتنا اتغيرت ١٨٠ درجة. أنا مكنتش ناوية أعدي الموضوع كأنه مجرد خناقة وتعدي، القصة بقت قصة وجود وكرامة. الصبح بدري، قبل ما أنزل المركز الجديد، جمعت ورقة وقلم وحطيتهم على السفيرة قدامه وهو بياكل.
بص للورقة باستغراب وقالي: «إيه ده كمان؟»
رديت بمنتهى الجدية والهدوء: «دي قايمة بمتطلبات البيت ومصاريف الولاد الشهرية.. إيجار، فواتير ميه ونور وغاز، أكل وشرب، دروس العيال ومصاريف مدارسهم، ودروس السباحة بتاعتهم. السنين اللي فاتت أنا كنت بشيل ده كله بحجة إني بساعد، بس من النهاردة أنا طلقت دور “الراجل والست” اللي أنت عيرتني بيه.. فلوسي وشقايا من السنتر الجديد والقديم رايحين لحسابي في البنك ولتطوير شغلي، وأنت كراجل البيت مكلف رسمياً بالإنفاق على بيتك وعيالك بالحرف، والورقة دي هتوصلك كل يوم واحد في الشهر».
جمال اتجنن ووقف يصرخ: «أنتي اتجننتي يا هناء؟ أنتي فاكرة نفسك إيه؟ أنتي فاكرة إن عشان ربنا كرمك بمركز هتتنسري عليا؟ الماهية اللي باخدها من شغلي مبتغطيش كل ده! إنتي كنتي بتشيلي النص وأنا النص!»
بتسمت بابتسامة باردة جداً وقربت منه: «لا يا جمال، أنا مكنتش بشيل النص، أنا كنت بشيل الكول.. أنت كنت بتاخد مرتبك وتحطه في حسابك أو تصرفه على أهلك وعربيتك، وتسبني أنا أدفع كل قرش من لحم حي. لما جيت أطلب منك مساندة في لحظة، استغليت ضعفي وكنت عايز تاكل تعب عمري وتكتبه باسمك. يبقى خلاص، كل واحد يشيل شيلته.. تقدر توريني شطارتك كرجل بيت وتصرف على ولادك، وإلا بقى السوبر ماركت والمدارس هيعرفوا إن أستاذ جمال هو اللي يدفع، ومش هيدخل قرش من جيبي في البيت ده تاني».
سبته ونزلت، وسبت ورايا نار بتاكل في أعصابه. السنتر الجديد اتفتح، وكان تحفة معمارية وتعليمية، الاسم بتاعي مع اسم زميلتي عمل ضجة كبيرة في المنطقة، والطلاب بدأوا يحجزوا بأعداد مهولة، الدخل اللي كان بيدخل لي في شهر بقيت أعمله في أسبوع، ورجلي بقت ثقيلة في السوق والكل بيعملي ألف حساب.
لكن جمال مكنش يسكت، لما لقى إن التهديد المادي مانفعش، وإن مصاريف البيت بدأت تضغط عليه بجد واضطر يسحب من مدخراته اللي كان شايلها على قلبو، بدأ يلعب لعبة أحقر وأذكى.. بدأ يقلب العيال عليا، وبدأ يستغل غيابي في المركز عشان يحسسهم إن أمهم باعتهم وفضلت الفلوس والشهرة عليهم.
في يوم رجعت بالليل متأخر بعد يوم شغل شاق جداً، لقيت ابني الكبير “أحمد” قاعد في الصالة ومستنيني، وعلى وشه علامات غضب وتأثر مش طبيعية. أول ما دخلت، وقف قدامي وقالي بنبرة فيها عتاب جاف: «هو أنتي يا ماما خلاص مابقاش يهمك غير المركز والفلوس؟ بابا هو اللي بياكلنا وهو اللي بيقعد معانا، وأنتي طول النهار برة وسايبانا.. بابا قالي إنك بقيتي مغرورة وإن السنتر الجديد ده أهم عندك مننا كلنا!».
الكلام نزل عليا زي الخنجر، المرة دي مكنتش من جمال، الصدمة كانت إن الشجرة اللي سقيتها بدمي وتدريبي وتلخيصاتي وسهري جنبهم طول السنين اللي فاتت، جمال قدر في كام أسبوع يزرع فيها الشك ناحيتي، وعرفت إن الحرب كده اتنقلت لمرحلة ثانية وأخطر بكثير.. مرحلة بيحاول فيها مني ولادي بعد ما فشل يسرق تعبي.
وقفت في مكاني مذهولة، والشنطة كادت تقع من إيدي. بصيت لأحمد، ابني اللي سهرت الليالي أعمله ملخصات امتحاناته، اللي كنت باخده معايا المركز وهو صغير وأقعده على الديسك جنب كرسي المعلم عشان عيني تفضل عليه. الدموع اتجمعت في عيني، بس افتكرت على طول إن أي ضعف في اللحظة دي هيستغله جمال عشان يكسرني قدام أولادي.
أخدت نفس عميق، وقربت من أحمد ب هدوء، حطيت إيدي على كتفه وبصيت في عينيه بثبات: «أحمد.. أنت كبرت وبقيت راجل، وأنا عودتك دايماً تشغل عقلك وما تسمعش كلام حد من غير ما تشوف الحقيقة بعينك. بابا بيقولك إني سبتكم عشان الفلوس؟ طب تعال معايا».
مسكت إيده وأخدته على أوضته، فتحت الأدراج وطلعت الشهادات والتكريمات اللي أخدها، وطلعت أجنشات المدرسة وحسابات السنين اللي فاتت. قعدت جنبه على السرير وقالت له بنبرة دافية بس قوية: «شايف التكريمات دي؟ شايف النتيجة اللي خليتك الأول على مدرستك؟ مين اللي كان بيسهر معاك للساعة تلاتة الفجر؟ مين اللي كان بياخدك في عز المطر والبرد معاه السنتر عشان ما يسيبكش لوحدك؟ مين اللي كان بشتري لك لبسك وخروجتك ولعبك من شقاه وتصحيحه لكراسات الناس؟ الفلوس اللي بابا بيتكلم عنها دي هي اللي دخلتك المدارس دي وهي اللي أكلتك وشربتك السنين اللي فاتت كلها، وهو كان بيتفرج علينا وموفر فلوسه لنفسه. لما أنا قررت أكبّر شغلي، كان عشان أأمن مستقبلك أنت وأختك، عشان لما تطلبوا حاجة ما تمدوش إيدكم لحد ولا تحتاجوا من الدنيا حاجة».
أحمد بدأ وشّه يتغير، ونبرة الغضب اللي كانت في عينيه بدأت تتحول لتردد وخجل. كملت كلامي وأنا بمسح على شعره: «بابا زعلان عشان أنا طلبت منه يقوم بدوره كأب ويصرف عليكم زي ما كل الآباء بتعمل، وزعلان إني قدرت أقف على رجلي بفضل ربنا وبشغلي. أنت ابن أستاذة هناء، وأنا مربياك على الحق، انزل بكرة السنتر الجديد وشوف بنفسك أمك بتشتغل إزاي والناس بتحترمها إزاي، وبعدها احكم بنفسك مين اللي بايع ومين اللي بيحافظ عليكم».
أحمد سكت تماماً، ونزل رأسه في الأرض وحضنني بقوة وقال لي: «آسف يا ماما.. أنا بس زعلت لما لقيتك بتتأخري، وبابا كان طول النهار يقولي أمك اتغيرت وما بقتش تحبكم».
في اللحظة دي، جمال كان واقف عند باب الأوضة وبيسمع كل كلمة. كان فاكر إن خطته بتقلِيب العيال عليا هتنجح، بس اتفاجئ إن الدفء والأمان اللي زرعتهم في ولادي السنين دي كلها أكبَر من أي كلام يقدر يقوله. لما عيني جت في عينه، شاف فيهم تحذير واضح: “ولادي خط أحمر”.
مرت الأيام، والمركز الجديد بقى أشهر سنتر تعليمي في المحافظة كلها. الإقبال كان غير طبيعي، وزميلتي وأنا بقينا نعمل مجموعات إضافية ونستعين بمدرسين كبار للمواد التانية، والسنتر اتحول لمؤسسة متكاملة بتكسب مبالغ ضخمة. في المقابل، جمال كان الغل بياكله كل يوم أكتر من اللي قبله. المصاريف اللي بقيت أطلبه بيها شهرياً بدأت تزنقه بجد، وحس لأول مرة يعني إيه راجل يشيل بيت، مدخراته بدأت تقل، وما بقاش قادر يداري فشله المادي ولا ينكر إن مراته بقت أعلى منه بمراحل.
وفي يوم، وأنا في المركز، جالي اتصال من محامي زميلتي، بلّغني بحاجة طيرت النوم من عيني. المحامي قالي إن في شخص مجهول بيحاول يشتري الحصة اللي جنب السنتر بتاعنا في العمارة بنفس السعر المرتفع، ومركز تاني منافس بيحاول يضغط على صاحب العقار عشان يجر معايشة وضرر لينا ويفتح مركز موازي لينا في نفس الدور!
شككت في الموضوع على طول، وقررت أعمل تحرياتي الخاصة. استعنت بواحد من الإداريين الشاطرين عندي، وطلبت منه يعرف مين الشخص اللي بيتفاوض من تحت لتحت عشان يأجر المكان المنافس ده أو يشتريه.
وبعد يومين، دخل عليا الإداري المكتب ووشه أصفر، وحط قدامي ورقة فيها أوراق التفاوض واسم المشتري اللي مقدم العربون للمكان الجديد عشان يفتح سنتر منافس يكسرني فيه.
مسكت الورقة، وقريت الاسم، والدم جمّد في عروقي للمرة الثانية.. المشتري اللي داخل مع المركز المنافس بفلوسه وشايل الخطة دي عشان يخرب بيتي ويقفل السنتر بتاعي، كان هو جمال!
الصدمة المرة دي كانت أشد من كل اللي فات، مسكت الورقة وإيدي بتتنفض من ذهول المشهد.. الراجل اللي مشاركني السقف والأكل والولاد، رايح ياخد شقا عمره والفلوس اللي كان حارم بيته وعياله منها، عشان يدخل شريك مع أكبر منافس ليا في المنطقة، بهدف واحد بس: إنه يكسر السنتر بتاعي ويقفل بيتي ويذلني!
جمال مكنش بس راجل مستغل أو نرجسي، جمال كان مريض بنجاحي، وجودي كست ناجحة ومستقلة كان بيحسسه بعقده ونقصه، ولما فشل يركب الموجة وياخد نص السنتر بتاعي بالرخص، قرر إنه يحرق المركب باللي فيها، حتى لو ده معناه إن فلوسه تضيع أو العيال يتأثروا.
مسحت دموعي في ثواني، ودخلت في حالة جفاف مشاعر تامة. القوة اللي جواه المرة دي مكنتش مجرد دفاع عن النفس، دي كانت رغبة في التطهير الكامل. ناديت على محامي السنتر، وقعدت معاه ومع شريكتي، وحطيت الورقة قدامهم على الترابيزة.




