
أول ما الكل انشغل في السلامات والكلام، انسحبت بهدوء ودخلت المطبخ عشان أهرب من التوتر وأشرب بق مية يبل ريقي الناشف.
ملحقتش أرفع الكوباية، لقيت خيال أسود بيقفل عليا مدخل المطبخ.
اتخضيت وشهقت، لقيت وائل داخل وبيقفل الباب وراه نص قفلة، وشه كان محتقن وعينيه مبرقة بجنون، قرب مني بخطوات سريعة وصوته كان فحيح واطي زي التعبان:
“أنتي اتجننتي يا بت أنتي؟! إيه اللي هببتيه ده؟! فاكرة نفسك هتعرفي تلعبي معايا ولا تستغفلي أخويا؟! الجوازة دي تفركشيها دلوقتي، تطلعي تقولي مش مرتاحة ومش موافقة… وإلا وقسماً برب العزة يا نور، صورك ورسايلك التلات سنين اللي فاتوا هخليهم فُرجة على شاشات العيلة كلها وأولهم طارق وباباكي!”
رجعت خطوة لورا بخوف، وضربات قلبي دقت في وداني، ولساني اتعقد قدام نبرة التهديد اللي متعودة تخوفني.
بس قبل ما أفتح بؤي بحرف، باب المطبخ اتفتح على آخره بضلفته وطاخ في الحيطة!
إيد عريضة قوية نزلت على كتف وائل من ورا وشدته لورا بقسوة خلته يترمي خطوتين لورا ويتخبط في رخامة المطبخ.
طارق… كان واقف وعينيه مشتعلة بجمر مش طبيعي. الغيرة والغضب كانوا محولين ملامحه الهادية لوحش كاسر. هو مش بس مضايق من حركات وائل، هو شاف قربه مني ومحاصرته ليا في المطبخ، والمنظر ده ولّع في صدره حريقة غيرة رجولية مبترحمش.
قرب طارق من وائل خطوة، حط إيده الاتنين في جيوب بنطلونه ومال عليه بجسمه، وصوته نزل لدرجة همس خشنة ترعب:
“أنت نسيت نفسك يا وائل؟ داخل ورا خطيبتي المطبخ وبتقفل الباب كمان؟… وبتتكلم عن صور ورسايل إيه يا حيلتها؟”
وائل اتلجم، لونه خطف وبقى باهت زي الجير، بص لطارق وهو بيبلع ريقه بصعوبة:
“طـ… طارق، أنت فاهم غلط، أنا كنت بس… بنصحها، وبقولها تفكر كويس عشان مكنتش حاسس إنكم لايقين على بعض…”
طارق قرب وشه من وش وائل لدرجة إن أنفاسه الحامية كانت بتخبط فيه، ومسك ياقة قميصه بإيد واحدة وبسرعة خاطفة رفعه من على الأرض سنة، وقال من بين سنانه بكل قسوة:
“اسمعني ياض يا وائل، عشان أنا مش هكرر كلامي مرتين. اللي كان بينك وبين نور زمان، أنا عارفه تفصيلة تفصيلة، بس كنت مستنيك تنضف وتبطل حركات العيال. تليفونك ده لو فكرت بس تلمس شاشته بحاجة تخصها، إيدك اللي لمستها دي هكسرهالك قبل ما نفسك يخرج. نور بقت حرم طارق بيه، خط أحمر يدوس على رقبة أي حد… وأولهم أنت.”
زقه طارق في صدره زقة خلت وائل يترنح، وكمل بنظرة احتقار قاطعة:
“امشي اخرج للصالة جنب خطيبتك، وحسك عينك ألمح خيالك في نفس المكان اللي نور واقفة فيه… غووور.”
وائل خرج وهو بيجر رجليه من كتر الرعب والذل، والباب اتقفل وراه.
أنا كنت واقفة ساندة على الحوض، بنهج وبترعش من الموقف. طارق لف وشه وبصلي… كانت أنفاسه لسه سريعة وصدره بيعلى ويهبط، وعينيه مليانة كمية غيرة وحب ملخبطين بعض، قرب مني ووقف على بعد سنتيمترات، وبص في عيني بنبرة حنينة بس باين فيها ناره اللي قايدة:
“خوفتي منه؟… طول ما أنا في ضهرك، مفيش راجل على وش الأرض يقدر يقرب منك أو يرفع عينه فيكي، فاهمة يا نور؟”
فضلت باصة له وعيني مدمعة، الكلمات وقفت في حلقي من كمية المشاعر اللي حسيتها في اللحظة دي. الخوف اللي كان كابس على نفسي تلات سنين، اتبخر قصاد حماه ووقفته قدام أخوه، بس في نفس الوقت… ناره اللي كانت باينة في عينيه وهو بيحاصرني بنظراته خلت قلبي يدق في صدري زي الطبول.
مد إيده بتردد خفيف، صوابعه لمست طرف كمي كأنه بيطمن إني مش هبعد، ونزل صوته لدرجة همس كلها غيرة باينة وواضحة:
“الواطي ده مكنش بيقفل الباب عشان يهدد بس… هو مقهور عشان عارف قيمتك اللي ضيعها بغبائه، ومش هيستوعب إنك خلاص بقيتي بتاعتي أنا.”
بلعت ريقي بصوت مسموع، وهمست وأنا باصة في الأرض بكسوف ممزوج بوجع قديم:
“أنا… أنا مكنتش عايزة أورطك في مشاكلي يا طارق، هو مريض وممكن يعمل أي حاجة تؤذي أختي أو تفضحني.”
رفع دقني بصابعه برقة، وأجبر عيني تيجي في عينه، عينيه كانت ثابتة بحدة ورجولة متتهزش:
“أنتي متورطتنيش… أنتي اللي دخلتي قلبي غصب عني، ومكنش ينفع أشوفه بيمارس وساخته عليكي وأقف أتفرج. مريم أختك أمانة عندي زيها زي أختي، وحقك وحقها هيرجعوا في الوقت الصح. بس دلوقتي… عايزك تمسحي أي أثر خوف من وشك، فاهمة؟ أنتي مخطوبة لراجل، ومش أي راجل.”
أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من غير ما تكون مصطنعة. طارق ابتسم، ابتسامة هادية دافية نورت ملامحه، وبعد خطوة لورا بأدب وهو بيشاور بإيده على الباب:
“يلا نخرج، أصل مريم زمانها مستنية الشربات، ولا عايزة العيلة تفتكرنا بنحب في المطبخ من أول يوم؟”
وشي احمر زي الدم وبصيت في الأرض بكسوف، وهو ضحك بصوت رجولي واطي، وخرجنا سوا.
أول ما دخلنا الصالة، عيني وقعت على وائل؛ كان قاعد جنب مريم، بس مكنش وائل بتاع من شوية. وشه كان شاحب ومطفي، رجليه بتهز في الأرض بتوتر، وكل ما مريم تمد إيدها تمسك إيده، كان يسحبها بتلقائية من كتر الرعب، وعينه مرعوبة تبص ناحية طارق اللي قعد جنب والدي وحط رجل على رجل ببرود وثبات.
طارق رفع كاس الشربات بتاعه، وبص لوائل من طرف عينه بنظرة تحذير صريحة، وبعدين بص لبابا وقال بصوت عالي:
“عمي… بما إننا اتفقنا، أنا حابب إن الدهب وشبكة نور تتجاب بكرة بالكتير، ومش عايز مليم ينقص عن اللي يليق بيها وبأصلها، ومش هنأجل كتب الكتاب عن الأسبوع الجاي… إيه رأيك؟”
وائل في اللحظة دي اتخنق وكح جامد وكوباية المية وقعت من إيده على السجادة، ومريم اتخضت عليه: “اسم الله عليك يا وائل مالك؟!”
طارق بصله بابتسامة نصر باردة جداً، وقال بنبرة مليانة سم:
“مالك يا عريس؟ الشربات شرقك ولا إيه؟… متقلقش، لسه التقيل ورا.”
تاني يوم، النيران كانت قايدة في صدر وائل أكتر، والغل عماه تماماً لدرجة خليته يفقد عقله. طارق نزل الصبح بدري على شغله، ومريم كانت في كليتها، وأنا كنت قاعدة في الصالة بساعد ماما في توضيب البيت.
فجأة تليفوني رن، كان رقم غريب، بس أول ما فتحت الخط سمعت صوت نفسه السريع وفحيحه المليان سم:
“أنتي فاكرة الحكاية خلصت بالمسرحية اللي عملتوها في المطبخ؟ طارق مش هينفعك يا نور! قسماً برب العزة لو ما فركشتي المهزلة دي وطلبتي فسخ الخطوبة النهاردة، أنا على وصول عندكم البيت، وهقعد مع أبوكي وهفرجوا بعينيه على رسايل التلات سنين… هخليه يدبحك بإيده، وخلي طارق يجي يلمك بقى!”
الكلمات طلعت منه بتهديد صريح وقاطع عشان يخليني أترعش زي زمان، وأجري أتحايل عليه وأبوس إيده عشان يستر عليا وميفضحنيش.
بس الغريب… إني محستش بالرعشة.




