
المكالمة دي مكنتش مجرد وعد شفوي، دي كانت صفقة كاملة. صليب الاستثمار، النسبة اللي هياخدها أحمد في الشركة الجديدة، والكرسي اللي هيقعد عليه في مجلس إدارة المجموعات العقارية بتاعة عيلة ميرنا… كل ده كان مشروط بحاجة واحدة: إن ميرنا تخرج من المستشفى دي على رجليها وبأقل خسائر ممكنة. وحياتي أنا كانت هي الثمن اللي تدفع عشان الصفقة دي تتم.
فريدة ما ضيعتش وقت. خلال أربع وعشرين ساعة، كانت المحاضر متسجلة في النيابة العامة، والبلاغ المتقدم لمجلس نقابة الأطباء بيتضمن التسجيلات الصوتية، تفريغ الكاميرات، شهادة الممرضات، والأوراق الرسمية لبنك الدم اللي بتحمل توقيع أحمد.
بعد يومين، كنت قاعدة في الصالة في بيت أمي، لابسة هدوم واسعة بداري بيها الجرح اللي في بطني، لما الباب اتخبط.
أحمد كان واقف بره. وشه كان شاحب، وتحت عينيه هالات سودة، وهدومه مش مترتبة لأول مرة في حياتي أشوفه بالمنظر ده.
—داليا… أرجوكِ اسمعيني.
أمي كانت هتقفل الباب في وشه، بس أنا هزيت راسي وقلتلها: “سيبيه يدخل يا أمي”.
قعد قدامي على الكرسي، وكانت إيديه بيلفها الخوف.
—داليا، كل حاجة بتدمر. النقابة استدعتني، والنيابة فتحت تحقيق عاجل، ومجلس إدارة المستشفى وقفني عن العمل لحد ما التحقيقات تخلص. أنا ممكن أخسر شغلي ورخصتي… ممكن أتسجن!
بصيت له بهدوء تام، الهدوء اللي بييجي بعد ما الصدمة تخلص وما يفضلش غير الحقيقة.
—انت ما فكرتش في ده وأنت بتمضي على أكياس الدم؟
—أنا ما كنتش عاوز أؤذيكي! —زعق وهو بيحاول يدافع عن نفسه—. أنا كنت عارف إن جسمك قوي، وإن حظك هيبقى أفضل! ميرنا كانت بتموت، وعيلتها…
—وعيلتها كانوا هيعملوك شريك —كملت أنا الجملة عنه—. ما تكدبش يا أحمد. التسجيلات فيها كل حاجة. انت ما اخترتش ينقذ مريضة، انت اخترت المستثمر اللي هيدفع أكتر. انت بعت حياتي عشان كرسي في مجلس إدارة.
سكت، والدموع نزلت من عينيه، بس مكنتش دموع ندم عليّ، كانت دموع حسرة على كل اللي كان بيبنيه وبيروح منه.
—أرجوكِ اسمعيني يا داليا، احنا بيننا سبع سنين… اسحبي البلاغ، وأنا أوعدك هقطع علاقتي بـ ميرنا تماماً، وهكتبلك نص المستشفى باسمك، كل اللي عاوزاه هيتعمل.
قمت وقفت بالعافية، ومسكت الدبلة الذهبية اللي طلعتها من جيبي، وحطيتها على الطاولة قدامه.
—السبع سنين دول ماتوا الفجرية اللي سيبتني فيها بنزف. والدبلة دي ملهاش قيمة عندي. انت مش بس خسرت زوجتك، انت خسرت نفسك وشرف مهنتك.
في القضايا اللي زي دي، الأوراق مابتكذبش. التحقيقات أثبتت إن تحويل الموارد الطبية لحالة غير أولوية بناءً على مصالح شخصية يعد إهمالاً طبياً جسيماً واستغلالاً للنفوذ. نقابة الأطباء شطبت اسم أحمد السري من سجلاتها نهائياً، وصدر ضد حكم بالسجن المشدد.
عيلة ميرنا لما لقت الفضيحة كبرت، انسحبت من كل الاتفاقيات، وباعت أسهمها وسافرت برة مصر، وميرنا نفسها خرجت من المستشفى بجسد سليم لكن باسم متلوث في كل الأوساط الطبية والاجتماعية.
بعد سنة من اليوم ده…
واقفة قدام المراية، وبصيت على الندبة الممتدة على بطني. الندبة دي مابقتش بتوجعني، بقت بتفكرني باليوم اللي نجيت فيه، مش بس من الموت، لكن من جوازة كادت تقضي على حياتي.
طلقت منه رسمياً، واسترديت كل حقوقي، وبدأت أرجع لحياتي بالتدريج. أحياناً القرارات الصعبة بتبقى هي السبيل الوحيد عشان نعيش من جديد، وأنا اخترت إنِ أعيش.




