
غيرت باسوردات حساباتي البنكية، وقفلت كل كارت كان معاه، ولغيت البصمة تماماً من على جهازي. بعد يومين اتنين، بدأ التليفون يرن وما بيبطلش. منير كان بيكلمني وهو مرعوب، التحويلات وقفت، والفيزا بتاعته اتجمدت بعد ما اتسحبت منها مبالغ لتسديد الديون، والإنذارات بالقضايا نزلت على عنوان بيته وعنوان مشروعه زي الصاعقة.
الهانم سمية أول ما حست إن الفلوس وقفت وإن داخل على حوارات محاكم ومشاكل، بدأت وِشها الحقيقي يبان، ومطالبها مبتخلصش، والشبكة اللي كانت فرحانة بيها بقت مهددة إنها تتحرز أو يدفع تمنها من لحمه الحي. فتح عليا في مكالمة وصوته مليان غل ممزوج بذل: “إنتي بتعملي فيا كده ليه؟! عايزة تخربي بيتي وتفضحيني قدام الناس وعيلتي وعيلة عروستي؟! اتقي الله ده أنا أبو بنتك!
“.رديت عليه ببرود مكنتش متخيلة إنه عندي، قولتله: “أنا مكنتش بخرب بيتك، إنت اللي خربته لما سرقتني ورخصتني.. اللي اتدلع بشقايا يدفع تمنه، وسمية اللي كنت بتعيطلي عليها خليها تنفعك وتدفعلك للمحاكم، دهبي وفلوسي وحق بنتي هيرجعوا بالقانون مليم مليم.. وخلي العروسة تفرح بالراجل اللي على الحديدة”.قفلت السكة في وشه وعملتله بلوك، لأول مرة من سنين أتنفس وأحس إني مش مكسورة، وإن الضعيفة اللي كانت بتطبطب عليه ماتت، وطلعت مكانها واحدة تانية خالص هتاخد حقها تالت ومتلت.
الأيام اللي بعدها كانت عبارة عن كابوس بيلف حوالين رقبته لوحده. الإنذارات القضائية وصلت لشغله وشركائه، والمحامي بتاعي حاصر كل مليم يملكه بحجوزات قانونية عشان النفقة والتبديد والسرقة المثبتة بالتحويلات البنكية. منير مبقاش ملاحق، مشروعه اللي افتكر إنه كبر بيه بدأ يتهز بسبب القضايا وسمعته اللي بقت في الأرض قدام الموردين والعملاء، والفلوس اللي كان بيغرق بيها حبيبته فجأة نشفت تماماً. وهنا بقى ظهر المعدن الحقيقي للحب القديم؛
“سمية” أول ما لقت الحنفية اتقفلت، ومبقاش فيه فسح في مطاعم غالية، ولا شوبنج بآلاف، ولا قاعة فخمة للفرح، وسمعت إن عليه قضايا تبديد وممكن يتحبس، انقلبت عليه 180 درجة. عرفت من ناس قرايبنا إنها عملتله فضيحة في وسط الشارع ورمتله الشبكة في وشه، وقالتله: “أنا مخدش واحد مديون وعليه قضايا ومحاكم وهيجرجرني معاه للفقر.. أنا أتجوز سيد سيدك!”.
عرفت من ناس قرايبنا إنها عملتله فضيحة في وسط الشارع ورمتله الشبكة في وشه، وقالتله: “أنا مخدش واحد مديون وعليه قضايا ومحاكم وهيجرجرني معاه للفقر.. أنا أتجوز سيد سيدك!”.وسابته للمرة التانية، بنفس القسوة والندالة اللي سابته بيهم زمان، بس الفرق المرة دي إنه خسر كل حاجة معاها: خسر بيته، وبنته، والست الأصيلة اللي سَنَدته، وسمعته وفلوسه.
بعد أسبوعين اتفاجئت بيه واقف تحت بيت أهلي في عز الظهر، شكله مبهدل، دقنه طالعة، وعينيه مكسورة ووارمة من العياط بجد، مش دموع التماسيح بتاعت زمان. كان واقف مستني بالساعات في الشارع زي الشحات لحد ما نزلت مع أبويا عشان نروح مشوار. أول ما شافني جرى عليا ورمى نفسه على الأرض قدام رجلي ورجل أبويا، وعياطه سمّع الشارع كله: “أبوس إيدك سامحيني.
. أبوس إيدك يا أم بنتي متخربيش بيتي، سمية دي شيطان وراحت لحالها، أنا اتعميت واتغفلت، والله العظيم هدفعلك كل قرش وهرجعلك الدهب وفوقه راسي، بس بلاش حبس، بلاش تبعدي بنتي عني، أنا ماليش غيركم!”.بصيتله من فوق لتحت بجمود مكنتش أتخيله في نفسي، مبقاش جواه أي ذرة شفقة أو تعاطف مع دموعه اللي زمان كانت بتقطع في قلبي. رديت عليه بصوت واطي وثابت هزّه: “دموعك دي وفرها للمحكمة، إنت مسرقتش دهبي وفلوسي بس يا منير.
إنت سرقت أماني وكسرت بنتك، وسمية مكنتش شيطان لوحدها، إنت اللي خنت وبعت اللي صانتك برخيص. اللي انكسر ميتصلحش، والقانون هو اللي هيحكم بينا.. والفلوس والدهب هتدفعهم غصب عنك، مش كرم منك”.سيبته منهار على الأرض، وركبت العربية مع أبويا وأنا رافعة راسي، وباصة لبنتي اللي في حــ,,ـــــضني وابتسمت، متأكدة إن دي مش نهاية العالم، دي بداية حياة جديدة نضيفة، خالية من الخيانة والندالة.
شهور قليلة كانت كفيلة إن كل حاجة تترتب وكل واحد ياخد جزاءه بالمليم. المحكمة حكمتلي في قضية التبديد، واتحكم عليه بحكم حبس واجب النفاذ إلا لو سدد قيمة الدهب بالكامل والمبالغ اللي حولها من ورايا، ده غير قرار التمكين من الشقة وحكم النفقة المحترمة اللي اتفرض على دخله من المشروع.
منير لقى نفسه قدام طريقين ملهمش تالت: يا إما يدخل السجــ,,ـــــن ويفضل ورا القضبان، يا إما يبيع جزء من أصول مشروعه ويستلف من طوب الأرض عشان يسددلي كل قرش خده. وطبعاً، عشان ينجد رقبته، باع اللي وراه واللي قدامه، ودخل وسطاء وأهله اتدخلوا عشان أتنازل بعد ما استلمت قيمة الدهب كاملة بسعر الجرام في السوق النهاردة، وفوقهم كل جنيه اتسحب من حسابي البنكي، ومعاهم ورقة طلاقي على إبراء رسمي.
يوم ما استلمت ورقة الطلاق وفلوسي، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي ونزل. دخلت شقتي اللي اتمكنت منها مع بنتي، غيرت كل تفصيلة فيها، رميت كل حاجة كانت بتفكرني بيه وبأيامه السودة، ومسحت كل أثر للخيانة والندالة. رجعت ركزت في نفسي وفي بنتي، حطيت فلوسي في حساب مقفول باسمها لمستقبلها، وبدأت أشتغل وأبني حياتي من أول وجديد، بس المرة دي وأنا قوية وعارفة حدودي، ومبديش قلبي ولا أماني لحد ميستاهلش.
سمعت بعدين إنه بقى عايش متخبط ومكسور، مشروعه صِغر جداً ومبقاش زي الأول من كتر الديون اللي عليه، والناس في منطقته وعيلته بقى ليهم نظرة احتقار ليه بعد ما عرفوا إنه سرق مراته عشان يجهز واحدة طردته أول ما جيبه فضي. بقى يطلب يشوف بنته في الرؤية كل أسبوع، بيجي يقعد يبصلها من بعيد وهو ندمان، بس بعد إيه؟
بنتي هتكبر وهي شايفة أم قوية مسمحتش لحد يدوس على كرامتها، وهتعرف إن اللي يتنازل عن حقه عشان خاطر واحد ناكر للجميل، بيدفع تمن التنازل ده من عمره وكرامته.. والدرس اللي اتعلمته بالدموع والقهر، كان هو السر اللي خلاني أقف على رجلي وأعيش مرفوعة الراس. أما سمية، فافتكرت إنها بذكائها ولؤمها عرفت تطلع من الليلة دي كسبانة، ورمت منير ورا ضهرها وكأنها معملتش حاجة، وبدأت تدور على فريسة جديدة تعيش على قفاها زي ما اتعودت.
بس اللي يبني حياته على خراب بيوت وسرقة شقى الناس، ربنا مبيسيبوش. الفضيحة اللي عملتها لمنير في الشارع والبوستات اللي انتشرت عن القضايا وسرقة دهبي عشانه وعشانها، خلت سيرتها على كل لسان في منطقتها ومعارفها. سمعتها بقت في الأرض، ومبقاش فيه راجل محترم ولا ابن أصول يرضى يقرب منها أو يتقدملها، والكل بقى عارف إنها طماعة ومادية، دخلت خربت بيت وأول ما المصلحة خلصت هربت.
ومن كتر ما كانت مستعجلة على الجواز والمظاهر الفخمة عشان تغيظ الناس، وافقت على أول واحد اتقدملها بعد الحوار ده؛ راجل كان باين عليه الغنى والفلوس وعنده عربية شيك وكلامه كله وعود بالفيلا والسفر. اتجوزته في قاعة أصغر بكتير من اللي كانت بتحلم بيها، وفاكرة إنها كده كسبت الرهان. مكنش يعدي شهرين على جوازها، إلا والحقيقة المرة بانت على أصلها.
طلع الراجل نصاب كبير، عليه ديون وشيكات من غير رصيد، والعربية والشقة اللي اتبهورت بيهم كانوا إيجار ومش ملكه أصلاً. واللي يضحك ويبكي في نفس الوقت، إنه طلع ألعن من منير بمراحل؛ مش بس سحب كل مليم حيلتها، ده كمان ضــ,,ـــــربها وأجبرها تبيع شبكتها وكل الدهب اللي كانت شايلاه عشان يسدد ديونه ويهرب بيها، وسابها متعلقة على ذمته ووراه قضايا وطالع يجري من البوليس.
رجعت لبيت أهلها مطلقة ومعيوبة، مكسورة ومتبهدلة، من غير لا فلوس ولا كرامة ولا راجل، وبقت شايفة كل واحدة من صحباتها مستقرة وعايشة في هدوء وهي بتدفع تمن طمعها وخراب البيوت اللي كانت السبب فيه، عشان تثبت لنفسها وللدنيا إن “كما تدين تدان”، وإن حق المظلوم مبيضعش، بس ربنا بيخلّص بالبطيء وعلى مهل.




