Uncategorized

مرات جوزي

وبعدين سألني بصوت واطي:

“ماما… الست دي بجد هتعيش هنا؟”

نزلت قدامهم على قد ما قدرت، وحطيت إيدي على كتف آدم.

وقلت:

“لأ يا حبيبي.”

سكت لحظة.

وبعدين قلت:

“إحنا اللي هنمشي الليلة دي.”

عينيه اتسعت.

“هنمشي؟”

هزيت راسي.

“آه.”

سألني:

“وبابا هييجي معانا؟”

السؤال ده كان أصعب من كل اللي عمر قاله تحت.

بصيت في عينيه وقلت:

“بابا وأنا عندنا مشاكل كبيرة بين الكبار، وهو مش هييجي معانا الليلة دي. بس اسمعني كويس… لا إنت ولا سلمى ليكم أي ذنب في اللي بيحصل.”

آدم بلع ريقه وسأل:

“هو لسه بيحبنا؟”

مسكت إيده.

“دي حاجة لازم تفضلوا عارفينها… مهما حصل بيني وبين بابا، إنتوا ولاده. ومش ذنبكم أي قرار بياخده هو أو أنا.”

سلمى رفعت الأرنب بتاعها وقالت بجدية:

“طب الأرنب هييجي؟”

ابتسمت رغم كل حاجة.

“الأرنب أول واحد هيركب العربية.”

جريت ناحية الدولاب.

فتحت الباب العميق اللي جنب الشباك، ومديت إيدي ورا الهدوم الشتوية.

وسحبت…

تلات شنط سفر.

آدم بص لي بصدمة.

“إنتِ مجهزاهم؟”

بصيت له.

“من تلات أسابيع.”

أنا ماكنتش أعرف إن عمر هيجيب يارا للبيت الليلة دي.

لكن كنت عارفة من حوالي تسع شهور إن اليوم اللي هضطر فيه أخرج من البيت ممكن ييجي في أي لحظة.

وعشان كده…

مااستنيتش اليوم ده ييجي.

الشنطة الأولى كان فيها هدومي وحاجات البيبي.

التانية فيها هدوم آدم وسلمى وكل اللي ممكن يحتاجوه.

أما التالتة…

فدي كانت أهم واحدة.

جواها شهادات الميلاد.

جوازات السفر.

الأوراق الطبية.

ملف متابعة الحمل.

بيانات التأمين.

أوراق المدرسة.

الأدوية.

إقرارات ضريبية.

كشوف حسابات مطبوعة.

صور من إيصالات.

ونسخ من مستندات تخص شركات عمر، من الأوراق اللي كان مسموح لي قانونيًا أحتفظ بنسخ منها.

وكمان فلاشة عليها نسخة احتياطية من كل حاجة.

قبل الجواز والخلفة، الأرقام كانت شغلي.

كنت بشتغل محللة مخاطر في شركة خدمات مالية.

شغلي كان إني أبص للبيانات وأعرف أفرق بين الخطر الحقيقي… والخطر اللي الناس بتتجاهله.

وعمر نفسه كان زمان بيقول للناس إن دي أكتر صفة بيحبها فيَّ.

إني باخد بالي من حاجات محدش بياخد باله منها.

لكن بعد ما خلفنا آدم…

بدأ يقنعني إني مش محتاجة أرجع للشغل.

في البداية قال إنه خايف عليَّ من ضغط الشغل.

بعدها قال إن الحضانة هتكون مكلفة.

وبعدين قال إن دخله كفاية.

وبعدها بقى كل ما أتكلم عن استقلالي المادي، يبتسم ويقول:

“إنتِ بعدتي عن المجال بقالك كتير يا مريم… الحسابات دلوقتي مش زي زمان.”

وبالتدريج…

العربية بقت باسم شركته.

التأمين الطبي من خلال شركته.

الموبايل على خط الشركة.

ومصاريف البيت على كارت هو المتحكم فيه.

من غير ما أحس…

كل باب من أبواب استقلالي بقى مفتاحه في إيده.

لكن عمر ارتكب غلطة واحدة.

افتكر إن ده معناه إني بقيت ضعيفة.

وماخدش باله إني من تسع شهور بدأت أرجع أتعلم كل حاجة من الأول.

بدأت أراجع الحسابات.

أجمع المستندات.

أفهم حقوقي.

وأحط خطة.

لأني اتعلمت في شغلي حاجة مهمة جدًا:

النجاة مش بتبدأ يوم الخطر… النجاة بتبدأ يوم ما تكتشف إن الخطر موجود.

وبعد حوالي ربع ساعة من خروجي من السفرة…

نزلت السلم تاني.

أنا وآدم وسلمى.

ورايا تلات شنط.

عمر كان واقف تحت.

وأول ما شافهم…

وشه اتغير.

لأول مرة من بداية الليلة، اختفت الثقة من عينيه.

بص للشنط.

وبعدين بص لي.

وقال:

“إيه ده؟”

رديت:

“هنمشي.”

ضحك ضحكة قصيرة متوترة.

“إنتِ بتهزري؟”

ما رديتش.

كملت ناحية الباب.

لحقني وقال:

“مريم، إنتِ في الشهر التامن، ومن غير شغل، ومعاكي طفلين… هتروحي فين؟”

فتحت الباب.

كان فيه عربية سيدان سودا مستنياني بره، والموتور شغال.

عمر خرج ورايا.

وفجأة صوته اتغير.

“اسمعي كويس.”

وبدأ يعدّد:

“الكروت اللي بتستخدميها أقدر أوقفها.”

“العربية باسم الشركة.”

“موبايلك على حسابي.”

“والتأمين الطبي من خلال شغلي.”

كان بيتكلم وكأنه بيقرأ لي قائمة بالأسباب اللي تثبت إني مستحيل أقدر أعيش من غيره.

وبعدين قال الجملة اللي كان واثق إنها هتوقفني مكاني:

“إنتِ فاكرة هتروحي فين من غير فلوسي؟”

وقفت.

بصيت له.

ولأول مرة فهمت بوضوح إيه اللي كان شايفه طول السنين دي.

مش مراته.

مش أم ولاده.

كان شايفني واحدة محبوسة جوه حياته… ومش معاها مفتاح الباب.

ابتسمت بهدوء.

وبعدين قلت:

“اتصل بمحاميك.”

سكت.

تمامًا.

بص لي كأنه لأول مرة يسمع صوتي.

قلت:

“وخليه يشرح لك بنفسه أنا رايحة فين… وإيه اللي مستنياك.”

وقتها بس…

عمر فهم إن الحكاية مش إن مراته خرجت من البيت.

الحكاية إن مراته كانت مستعدة للخروج من البيت قبل ما هو أصلًا يقرر يدخل مراته التانية.

واللي عمر ماكانش يعرفه…

إن المستندات اللي كانت في الشنطة التالتة مش بس كانت كفيلة تحميني أنا وولادي.

كان فيها دليل ممكن يغيّر شكل الق\ضية كلها.

لأن قبل ما أخرج من البيت بثلاثة أسابيع…

كنت اكتشفت حاجة في حسابات شركة عمر.

حاجة لو اتأكدت…

مش بس هتخليه يخسر جوازه.

ممكن تخليه يخسر أكتر بكتير.

الجزء التاني — 11 شهر من الهدوء قبل العاصفة بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلت العربية للجراج تحت الأرض في عمارة سكنية مؤمّنة في وسط المدينة.

كانت المحامية رانيا مستنياني جنب الأسانسير.

رانيا كانت محاميتي من حوالي 11 شهر…

بس عمر ماكانش يعرف عنها حاجة.

أول ما شافتني، قالت 3 كلمات كانوا تقريبًا كفيلين يوقعوا آخر ذرة تماسك كنت محافظة عليها طول الليلة:

“إنتِ خرجتي فعلًا.”

مسكت في باب العربية وهي سندتني من دراعي.

قلت لها:

“عمر دخل يارا البيت قدام الولاد، وقال إنها مراته التانية وإنها هتعيش في جناح الضيوف.”

ملامح رانيا اتغيرت فورًا.

وسألتني:

“سجلتي اللي حصل؟”

طلعت لها جهاز التسجيل.

“كل حاجة… حتى تهديداته إنه يوقف الكروت، وياخد العربية، ويقطع الموبايل والتأمين الطبي.”

أخدت نفس طويل وقالت:

“كويس.”

بصيت لها باستغراب.

فكملت:

“مش معنى كده إنك مبسوطة إنه هددك. لكن أنا مبسوطة إنك مش هتضطري تعتمدي على ذاكرتك بس عشان تثبتي اللي قاله.”

الكلام ده كان مهم جدًا بالنسبة لي.

لأن عمر قضى سنين يخليني أشك في ذاكرتي…

لمجرد إنه كان بيتكلم بثقة تخلي أي حد يسمعه يفتكر إنه الوحيد اللي فاكر الحقيقة.

لكن حكايتي معاه بدأت قبل الليلة دي بوقت طويل.

قبل 11 شهر بالضبط.

—

11 شهر قبل الليلة دي

في يوم عادي جدًا، عمر قال لي إننا لازم نأجل تصليح جزء من سقف البيت كان بيسرب مية.

قال إن واحد من أكبر عملائه اتأخر في دفع مستحقاته، وإن السيولة في الشركة ضيقة شوية.

هزيت راسي وصدقت كلامه.

لحد ما في نفس الأسبوع…

لقيت إيصال مطعم في جيب بدلة كان طالب مني أبعتها للتنظيف.

العشا لشخصين.

386 دولار.

والمطعم كان جوه فندق فخم.

في البداية قلت لنفسي:

“ممكن يكون اجتماع شغل.”

وبعدين لقيت إيصال تاني.

وبعده إيصال تالت.

بدل ما أقف عند كل إيصال لوحده، عملت الحاجة اللي شغلي القديم علّمني أعملها.

دورت على النمط.

رحلات عمر اللي كانت المفروض يومين… بقت تلاتة.

مصروفات مواقف فنادق ظهرت في نفس الأيام اللي فيها إيصالات عشا لشخصين.

فلوس كانت بتتحرك من حسابات أعرفها…

وبعدين تظهر في كيانات وشركات عمري ما سمعت عنها.

في مرة سألت عمر عن تحويل معين.

خطف الورقة من إيدي، وبعدين باسني على جبيني وقال بابتسامة هادية:

“مريم، إنتِ بقالك سنين بعيدة عن الشغل والفاينانس. متتعبيش نفسك في حاجات مبقتيش فاهمة فيها.”

مبقتيش فاهمة فيها.

الجملة دي فضلت ترن في ودني

لأن عمر ماكانش بيقولها عشان يشرح لي.

كان بيقولها عشان يخليني أشك في نفسي.

بعد حوالي شهر، خرجت من البيت ومعايا موبايل مسبق الدفع، وروحت مكتبة عامة.

ومن هناك…

اتصلت برانيا.

حكيت لها كل حاجة.

وقلت لها:

“عمر عمره ما ضربني، ولا هددني بأذى جسدي، ولا حبسني في البيت… بس أنا حاسة إني حتى مش قادرة أتنفس من غير ما أحس إني محتاجة إذنه.”

سكتت رانيا ثواني.

وبعدين قالت جملة غيرت طريقة تفكيري:

“التحكم في فلوسك واستقلالك برضه نوع من السيطرة يا مريم.”

من اليوم ده، بدأت أتحرك بهدوء.

مش دخلت على حساباته.

مش سرقت باسوردات.

ومش عملت أي حاجة غير قانونية.

كنت بجمع بس الحاجات اللي من حقي قانونيًا أوصل لها.

كشوف الحسابات المشتركة.

أوراق الضرائب اللي باسمي.

المستندات اللي كانت موجودة في الأماكن المشتركة.

الرسائل.

الإيصالات.

التواريخ.

كل تفصيلة كنت بحطها في مكانها.

ورانيا استعانت بمحاسب متخصص في تتبع الأموال.

ولما راجع المستندات اللي قدرنا نوصل لها بشكل قانوني…

ظهر شيء مقلق.

تحويلات مالية كتير مفيش لها تفسير واضح.

ومبالغ كانت بتتحرك بطريقة ممكن تخلي جزء من ممتلكاتنا المشتركة بعيد عن متناول إيدي لو عمر عرف إني ناوية أطلب الطلاق.

ساعتها فهمت إن الموضوع مش مجرد جواز فاشل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى