عام

جوزي بعتلي حكايات ميراا

الساعة كانت 2:47 بعد نص الليل، لما جوزي بعتلي صورة من دبي.

كان واقف تحت أنوار نيون وردية قدام قاعة أفراح فخمة، وحاطط دراعه حوالين أختي الصغيرة نور.

كانت لابسة فستان أبيض.

وهو كان لابس البدلة الرمادي اللي أنا دفعت تمن تفصيلها مخصوص عشان ألبسها في عشا عيد جوازنا الخامس عشر.

وتحت الصورة، كتبلي خمس كلمات أنهت جوازي قبل حتى ما أستوعب أنا شايفة إيه:

“اتجوزت نور خلاص.”

وبعدها وصلت رسالة تانية:

“بنام معاها بقالنا 8 شهور.”

وبعدين رسالة تالتة:

“وبالمناسبة… إنتِ مثيرة للشفقة.”

فضلت باصة للكلام لحد ما الحروف قدامي بدأت تتوه.

خمستاشر سنة جواز.

وتسعة وتلاتين سنة وأنا أخت نور الكبيرة.

أعياد ميلاد.

أعياد ومناسبات عائلية.

مستشفيات.

سفر ومصايف.

أقساط البيت.

تورت أعياد الميلاد.

جنازات.

عزومات يوم الجمعة.

تمان شهور كاملة من الكذب.

والأغرب إن جوزي، بعد ما فجر حياتي من على بُعد آلاف الكيلومترات، كان متوقع إني أعمل له عرض درامي.

كان مستني صريخ.

عيط.

أسئلة.

يمكن حتى أترجاه يرجع.

يمكن ده كان السبب إن أول إحساس حسيت بيه ماكانش وجع القلب.

كان إحساس بالإهانة.

لأني قدرت أتخيلهم قاعدين في أوضة فندق فخم في دبي، بيتفرجوا على موبايل كريم ومستنيينني أنهار.

عشان كده اديتهم الحاجة الوحيدة اللي ماكانوش متوقعينها.

كتبت كلمة واحدة:

“تمام.”

وبعت.

ودي كانت آخر محادثة بدأت بإرادتي مع جوزي.

اسمي مريم عبدالسلام، ولحد ليلة التلات في شهر أكتوبر، كنت فاكرة إن حياتي عادية جدًا.

كنت عايشة مع كريم في بيت مبني بالطوب الأحمر في ضواحي كولومبوس بولاية أوهايو، قدامه شجر مابل على طول الرصيف، ومطبخ كنا مجددينه من تلات سنين.

كريم كان عنده تلاتة وأربعين سنة، وبيشتغل مدير مبيعات إقليمي في شركة معدات صناعية.

وأنا كان عندي واحد وأربعين سنة، وكنت مديرة المشتريات في شركة بتصنع مستلزمات طبية.

كريم كان بيحب يقول للناس إنه هو الشخص الطموح في البيت.

وأنا كنت بسيبه يقول كده.

هو كان بيحب الناس تعجب بيه.

أما أنا…

فكنت بحب الناس تستهين بيا.

والفرق بين الاتنين كان هيبقى مهم جدًا.

نزلت الموبايل من إيدي وبصيت حواليا في أوضة المعيشة.

كانت صورة فرحنا فوق المدفأة.

كريم كان حاطط إيده حوالين وسطي.

أما نور، فكانت عندها تسعتاشر سنة في الصورة، واقفة على بُعد تلات أشخاص، لابسة فستان وصيفة العروسة البنفسجي.

كانت بتعيط أكتر من أي حد يوم فرحنا.

فجأة ضحكت.

الضحكة نفسها خوفتني.

وبعدين حصل جوايا حاجة غريبة.

ماكانتش شُفيت.

وماكانش إحساس باللامبالاة.

لكن كل حاجة جوايا…

اترتبت.

دخلت مكتبي في البيت.

كريم كان دايمًا بيسميه “مركز القيادة الصغير بتاعي” كل ما يحب يتريق عليا.

هو كان بيكره الميزانيات.

بينسى الباسوردات.

ويضيع الإيصالات.

ومرة، ساب كارت ائتمان من غير دفع لمدة تلات شهور، لأنه كان فاكر إن الدفع التلقائي بيحصل لوحده، مع إنه أصلًا ماكانش مفعّله!

من سنين، وبعد محاولة كارثية منه إنه يستثمر جزء من فلوس الطوارئ بتاعتنا في مطعم صاحبه، فصلنا معظم حساباتنا المالية عن بعض.

الميراث اللي ورثته كان بتاعي أنا.

والبيت كان باسمي، لأني اشتريته قبل جوازنا بسنتين بالفلوس اللي جدتي سابتهالي.

كان عندنا حساب مشترك بسيط بندفع منه المرافق ومصاريف البيت.

مرتب كريم كان بينزل في حسابه.

ومرتبي كان بينزل في حسابي.

لكن كروت الائتمان البلاتيني اللي كريم كان بيحب يطلعها قدام الناس في المطاعم الغالية؟

كانت باسمي أنا.

هو كان مجرد مستخدم إضافي.

فتحت الحساب.

الكارت كان آخره 4407.

ضغطت:

إزالة المستخدم الإضافي؟

“نعم.”

الكارت التاني أخد أقل من دقيقة.

وحساب المتاجر أخد دقيقة كمان.

بعدها غيرت كلمات السر الخاصة بحساباتي البنكية، وإيميلي، ونظام أمان البيت، وخدمات المشاهدة، وحساب التخزين السحابي اللي كنا محتفظين عليه بإقرارات الضرائب.

وبعدين جمّدت الكارت الإضافي المرتبط بحساب السفر بتاعي.

أنا ماقربتش من مرتبه.

ومافضّيتش الحساب المشترك.

وماخدتش جنيه واحد مش من حقي.

حوّلت فلوسي الشخصية من الحساب اللي كان يقدر يشوفه، لحساب توفير باسمي أنا وبس.

الساعة 3:08 الفجر، كان الراجل اللي بيحتفل بجوازه التاني في دبي لسه معاه فلوسه.

بس خلاص…

فلوسي أنا ماعادتش معاه.

وبعدها اتصلت بشركة المحمول.

خط العيلة كان باسمي.

وقسط موبايله كان مخلص.

شلت خطه من الباقة نهائيًا.

تافه؟

يمكن.

بس فيه نوع غريب من الوضوح بييجي للإنسان لما يكتشف إن جوزها بقاله تمن شهور بينام مع أختها…

الأخت اللي هي بنفسها دفعت مقدم شقتها الأولى.

الساعة 3:16 الفجر، موبايلي رن.

كريم.

بصيت للشاشة وهي بتتهز.

رفضت المكالمة.

اتصل تاني.

رفض.

وبعدين نور اتصلت.

رفض.

وبعدين أمي.

المرة دي وجعتني.

لأن ده معناه إنها كانت عارفة.

عارفة قبلي أنا.

فضلت باصة لاسم أمي لحد ما الشاشة طفت.

حاجة عميقة جوا صدري اتكسرت.

كنت أقدر أعيش مع جوز خاين.

لكن أم تكون عارفة إن جوز بنتها متجوز أختها قبل ما البنت نفسها تعرف؟

دي كانت حاجة تانية خالص.

الساعة 3:24 الفجر، اتصلت بصنايعي أقفال شغال 24 ساعة.

رد عليا راجل اسمه عماد.

وقال:

“حضرتك، في حد بيهددك يا مدام؟”

سكتُّ لحظة.

وبصيت للباب.

وقلت:

“مش دلوقتي… بس أنا حاسة إن في ناس كتير هتحاول تدخل حياتي غصب عني من النهارده.”

عماد سكت شوية، وبعدين قال:

“طيب، ماتفتحيش الباب لأي حد. أنا جاي حالًا.”

قفلت المكالمة.

وفي اللحظة دي، موبايلي اهتز برسالة جديدة.

من كريم.

“إنتِ فاهمة غلط. افتحي المكالمة.”

قرأت الرسالة.

وبعدين ابتسمت.

لأن لأول مرة من خمستاشر سنة…

أنا اللي كنت عارفة حاجة هو مايعرفهاش.

ولأول مرة…

كريم هو اللي كان خايف من ردي.

حكايات_ميراا

سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ

باقي القصة هتنزل هنا ♥️عماد وصل بعد حوالي عشرين دقيقة.

كنت واقفة في نص الصالة، لابسة البيجامة، وشعري مربوط بسرعة، لكن الغريب إني ماكنتش حاسة إني ست اتخانت من جوزها.

كنت حاسة إني صاحبة بيت بتجهز نفسها لمعركة قانونية.

فتح عماد الباب بعد ما اتأكد من هويتي، وبص على الأقفال القديمة.

— “عايزة أغيّرهم كلهم؟”

هزيت راسي.

— “كلهم.”

بصلي باستغراب.

— “حتى باب المخزن؟”

— “خصوصًا باب المخزن.”

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— “حاضر.”

وأنا واقفة بتابعه، الموبايل رن تاني.

كريم.

المرة الرابعة.

المرة دي سيبته يرن.

عماد بص للشاشة وبعدين بصلي.

— “مش هتردي؟”

قلت بهدوء:

— “هو فاكر إن عنده حاجة يقولها.”

— “ومش عنده؟”

بصيت له.

— “كان عنده خمستاشر سنة يقولهم.”

وسكت.

عماد ما سألش أكتر.

بعد ساعة، كان كل قفل في البيت اتغير

حتى كود الجراج.

حتى باب المكتب.

حتى النظام الإلكتروني اللي كريم كان فاكر إنه هو اللي متحكم فيه.

دفعت لعماد، وقبل ما يمشي وقف عند الباب وقال:

— “لو حضرتك متوقعة حد ييجي هنا، اتصلي بالشرطة وما تفتحيش.”

هزيت راسي.

— “أنا متوقعة ناس كتير.”

ولأول مرة من ساعة ما وصلتني الصورة، سمحت لنفسي أعيط.

مش عشان كريم.

ولا عشان نور.

عيطت على الست اللي كنتها من يومين.

الست اللي كانت بتفتكر إن أختها الصغيرة أكتر شخص في الدنيا ممكن تأمن له.

الست اللي كانت بتشتري لنور هدايا عيد ميلادها.

الست اللي كانت بتدافع عن كريم لما الناس تقول إنه أناني.

الست اللي كانت بتقول:

“هو مش بيقصد.”

كنت أنا اللي دايمًا بلاقي له الأعذار.

هو مش بيحب الكلام.

هو مضغوط في الشغل.

هو تعبان.

هو نسي.

هو عصبي.

هو رجع متأخر عشان اجتماع.

هو مسافر عشان الشغل.

ثمان شهور.

ثمان شهور وأنا بقول “هو مسافر عشان الشغل”.

ضحكت وسط دموعي.

وبعدين فتحت اللابتوب.

كتبت في محرك البحث اسم الشركة اللي كريم شغال فيها.

كان عندي سبب.

قبل أربع شهور، كريم طلب مني أوقع على ورقة تخص “استثمار مشترك” مع واحد من عملائه.

أنا رفضت.

هو اتضايق.

وقال لي:

“إنتِ دايمًا شكاكة.”

بس أنا ماوقعتش.

وقتها ماعرفتش ليه كان مصمم.

دلوقتي عرفت.

فتحت مجلد قديم في التخزين السحابي.

العقود.

كشوف الحسابات.

الإقرارات الضريبية.

مصاريف السفر.

وبدأت أراجعها.

رحلات دبي.

رحلة في فبراير.

رحلة في أبريل.

رحلة في يونيو.

ورحلة أخيرة من أسبوعين.

كل مرة كان بيقول مؤتمر.

كل مرة كان بيجيب إيصال فندق.

كل مرة كان فيه مصاريف مطاعم.

بس فيه حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده.

اسم واحد كان بيتكرر.

شركة سياحية صغيرة.

“Sunrise Horizon Travel.”

ثلاث دفعات.

المبلغ الإجمالي؟

تسعة عشر ألف دولار تقريبًا.

اتجمدت مكاني.

ليه كريم بيدفع تسعة عشر ألف دولار لشركة سياحة؟

فتحت الإيصالات.

تذاكر سفر.

حجوزات فنادق.

تنقلات.

وبعدين لقيت ملف PDF واحد.

فتحته.

وكانت أول صفحة كافية إنها تخليني أنسى إني كنت بعيط.

حجز جناح فاخر لشخصين.

الاسم الأول:

Karim Abdelrahman.

الاسم الثاني:

Nour Abdelsalam.

قعدت قدام الشاشة من غير ما أرمش.

نور

أختي.

مش بس كانت معاه.

كانت بتسافر معاه.

وفي نفس اللحظة، وصلتني رسالة من رقم غريب.

“مريم، أنا آسف.”

كريم.

رسالة جديدة.

“خلينا نتكلم قبل ما تعملي حاجة تندمي عليها.”

ضحكت.

كتبت:

“أنا مش هعمل حاجة.”

وبعدها مسحتها.

لأ.

مش دي الإجابة اللي عايزاها.

فتحت الملاحظات.

كتبت كل حاجة حصلت.

التاريخ.

الساعة.

الرسائل.

الصورة.

الأسماء.

وبعدين صورت كل حاجة وحفظتها في مكانين مختلفين.

لأن فجأة فهمت حاجة.

كريم ماكانش مجرد خاين.

كان مستعد.

وده معناه إني لازم أكون مستعدة أكتر.

الساعة 5:11 الصبح، اتصلت بمحامية كانت زميلة قديمة لواحدة صاحبتي.

اسمها سوزان.

ردت بعد تلات رنات.

— “مريم؟ الساعة خمسة الصبح!”

قلت:

— “محتاجة محامية طلاق.”

سكتت.

وبعدين قالت:

— “تمام. في أطفال؟”

— “لأ.”

— “أملاك مشتركة؟”

— “في بيت.”

— “باسم مين؟”

— “باسمي.”

سكتت ثانية.

— “في حسابات مشتركة؟”

— “حساب مصاريف صغير.”

— “وفيه فلوس؟”

— “قليل.”

— “طيب، اسمعيني كويس. ماتكلميش جوزك عن أي خطوة قانونية قبل ما نتكلم.”

بصيت للشاشة.

رسالة جديدة من كريم.

“مريم، نور مالهاش ذنب.”

قفلت الموبايل.

سوزان قالت:

— “مريم؟”

— “أيوه.”

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى