بقالي تقريباً سنه بوصل زميلي الشغل كل يوم ببلاش الجزء الاول

«أيوه أنا! محمود حبس نفسه في الأوضة وجايب سكينة وبيقول هيذبح نفسه وينهي حياته! البيوت اتخربت يا أستاذ أحمد! محمود مش لاقي شغل في أي مكان، كل ما يروح شركة ويسألوا عنه في شركتكم القديمة يعرفوا إنه مفصول بسبب التزوير ويرفضوه! الديون كترت علينا، وصاحب الشقة عايز يطردنا، وهو خلاص اتجنن وقفل على نفسه الباب ومصمم ينهي حياته! العيال بيموتوا من الخوف!»
جمس اتجمد. أمي بصت لي بفزع وقامت وقفت:
«في إيه يا أحمد؟ مين اللي بيكلمك يا ابني؟»
شلت الموبايل من على ودني لحظة وقسيت على نفسي:
«يا مدام… طلبي الشرطة أو الإسعاف! أنا مالي ومال الموضوع ده؟ أنا ماليش علاقة بمحمود ولا بأ مشاكله!»
الست صرخت بصوت يقطع القلب:
«والله العظيم طلبنا والناس في الشارع محاصرين الباب ومش عارفين يكسروه! هو كاتب ورقة وسايبها تحت الباب وبيقول إنه بيرد ذنبه فيك، وبيقول مش هيفتح ولا هيسمع لكلام حد إلا لو أنت جيت كلمته! أرجوك يا أحمد! العيال هيموتوا من الرعب، أبوس إيدك تعال أنقذنا من المصيبة دي!»
قفلت المكالمة وأنا بتنفس بسرعة.
أمي مسكت إيدي وقالت لي وهي خايفة:
«مين يا أحمد؟ ده محمود؟»
حكيت لها بسرعة في كلمتين. أمي بصت لي بعيون مليانة طيبة وحنان وقالت:
«انزل يا أحمد… انزل يا ابني. لو الراجل ده أذى نفسه أو جرى له حاجة، ذنب عياله ودمه هيفضل يطاردك في أفكارك طول عمرك حتى لو مالكش ذنب. اذهب وانقذه عشان خاطر ربنا وعشان خاطر الأطفال دول.»
ما ترددتش. أخدت مفتاح عربيتي ونزلت أجري.
سقت العربية بأقصى سرعة في شوارع القاهرة. خط السير اللي كنت بمشيه كل يوم الصبح عشان أخد محمود الشغل، بقيت بمشيه النهاردة بالليل عشان أنقذ حياته من الجنان والانهيار!
وصلت للبيت. الشارع الشعب الضيق كان زحمة، والجيران متجمعين قدام العمارة وفي الممر. طلعت السلم أجري لحد دور شقته.
لقيت الناس ملمومين قدام باب الشقة المغلق، ومراته بتصرخ والعيال بيبكوا في زاوية السلم.
أول ما الناس شافوني، المحللين والجيران وسعوا لي الطريق.
واحد من الجيران قال لي:
«يا أستاذ أحمد! الراجل جوة قافل بالترباس ومتوتر جداً، وكل ما حد يقرب من الباب يصرخ ويقول هيذبح نفسه لو حد حاول يكسر الباب!»
قربت من باب الأوضة المقفول في الصالة. خبطت على الباب بخبطات هادية وثابتة.
وقلت بصوت عالي وواضح:
«محمود! أنا أحمد… أحمد محمود. افتح يا محمود.»
الصوت جوة سكت فجأة!
مرت خمس ثواني كأنها دهر.
وبعدين سمعت صوته من ورا الباب، صوت مجروح، مبحوح، ومليان عياط وجنان:
«أحمد؟ أنت جيت يا أحمد؟ جايب الناس تضحك عليا؟ جاي تتفرج عليا وأنا بنتهي؟»
قلت له بثبات:
«أنا جيت لوحدي يا محمود عشان مراتك كلمتني وعيالك بيموتوا من الخوف برة. أنت بتعمل إيه في نفسك وفي عيلتك؟»
قال بصرامة وبكاء:
«أنا خلاص يا أحمد! الدنيا أتقفلت في وشي! مفيش شركة راضية تشغلني، ملفي أسود، اسمي بقى تزوير واستغلال! صاحب الشقة هيطرد عيالي للأرض، وأنا بقيت عالة ومجرم! إيه الفايدة من عيشتي؟ أنا لازم أموت عشان أستريح وأريح الناس مني ومن قرفي!»
قت له ونبرة صوتي اتغيرت وبقت حادة وقوية:
«أنت فاكر إنك لما تموت هتستريح؟ أنت كده بتهرب يا محمود! بتهرب زي ما هربت كل مرة من مواجهة أخطائك! بتهرب وبتسيب عيالك يرتشوا في الشوارع ويقال عليهم أبلوهم انتحر عشان كان خايف ومهزوم! أنت فاكر ده حل؟ ده قمة الأنانية!»
سمعت صوت بكائه بيزيد جوة.
كملت كلامي وزقيت الباب بإيدي هادي:
«أنت غلطت يا محمود… وأكلت حرام، وجاريت على صاحبك، وعشت في وهم والخدعة، وربنا أدالك قلم فايقك بيه! أدالك درس وعقاب عشان ترجع لربنا وتتصلح! أنا عفوت عنك، والشركة سابتك، وربنا أدالك عمر جديد وخلاك تخرج من السجن عشان تبدأ من جديد وتكفر عن ذنوبك! تقوم تضيع الفرصة دي وتنهي حياتك كافر وبانتحار؟!»
محمود بصوت واطي ومكسور قال:
«أبدأ منين يا أحمد؟ أبدأ منين وأنا مفيش جنيه في جيبي، وكل الأبواب مقفولة في وشي، والناس كلها شايفاني حاقد وخاين؟»
قلت له بصوت دافي، صوت طالع من قلب مسامح بجد:
«تبدأ من تحت خالص يا محمود… تبدأ بالشغل الحلال الشريف، حتى لو هتسوق توكتوك أو تشتغل عامل في محل! تبدأ بأنك تبني نفسك قرش بقرش بالحلال، وتثبت لعيالك ولمراتك ولنفسك إنك بقيت راجل بجد. ربنا بيقبل التوبة، أنت مين عشان تقفل باب ربنا في وش نفسك؟»
سكت الشارع كله. وسكت محمود جوة.
وفجأة… سمعت صوت حركة التراباس الحديدي بيتحرك!
الباب اتفتح ببطء…
وظهر محمود.
كان واقف، ايده فيها سكينة المطبخ، وشه مبلل بالدموع والعررق، وشعره منكوش. أول ما شافني واقف قدامه بثبات وابتسامة هادية… إيده اترخت، والسكينة وقعت على الأرض ورنت في الصالة.
ارتمى في حضني وهو بيبكي بكل قوته، زي الطفل الصغير اللي كان تايه ولقى أمه!
مسكته بقوة، والجيران دخلوا يجرو ويهدوه، ومراته ونزلت على الأرض تبكي وتدعي.
قعدت معاه ساعتين في الشقة. هديته، وتكلمت معاه، وجبت له أكل، وجمعت الجيران الكبار في المنطقة، واتفقت مع واحد صاحب محل قطع غيار سيارات من معارفي إنه يشغله عنده بمرتب معقول يبدأ بيه حياته من جديد، بضمانتي أنا الشخصية!
ولما جيت ماشي على الساعة 2 بالليل، محمود مشي معايا لحد العربية.
وقف قدام الشباك، وبص لي بعيون جديدة خالص… عينين مفيهاش طمع، ولا غل، ولا ألاعيب. عينين واحد اتولد من جديد.
قال لي:
«أحمد… أنا مش عارف أقولك إيه. أنت مش بني آدم… أنت ملاك ربنا بعته لي عشان ينقذني من جهنم في الدنيا والأخرة.»
بتسمت له وقلت له:
«أنا مش ملاك يا محمود… أنا بني آدم عادي. بس اتعلمت إن الجدعنة مش إنك تدي اللي بيحبك بس… الجدعنة والحق إنك تمنع الضعيف إنه يدمر نفسه حتى لو كان خصمك. اتعدل، وركز في شغلك الجديد، وراعي ربنا في عيالك.»
دورت عربيتي ومشيت…
وعلى طريق العودة للبيت، كانت شوارع القاهرة فاضية وهادية. الشباك كان مفتوح، والهوا البارد بيدخل يلف وشي.
حسيت براحة نفسية وعميقة عمري ما حسيت بيها في حياتي كلها.
افتكرت بداية القصة… يوم ما أمي دخلت المستشفى، ويوم ما محمود بعت لي الرسالة الخبيثة، ويوم ما كان هيخرب بيتي. افتكرت قد إيه كنت مقهور ومظلوم ومصدوم في البداية…
وكيف إن ربنا دار الأيام والسنين، وخلا النصر الصريح والكامل يكون من نصيبي، ومش بس كده… ده خلاني أكون السبب في هداية بني آدم وإنقاذ عيلة كاملة من الدمار!
دخلت الشقة، لقيت أمي صاحية مستنياني ومسكة سبحتها.
أول ما شافتني دخلت بابتسامة، ابتسمت هي كمان وقالت لي:
«عملت إيه يا أحمد؟»
قعدت تحت رجليها، وحطيت راسي في أحضانها وقلت:
«الحمد لله يا أمي… محمود رجع لعقله، والبيت اتعمر، والكابوس اتقفل للأبد.»
أمي مسحت على راسي وقالت بدعوتها المشهورة اللي كانت سبب كل خير في حياتي:
«ربنا يجيرك يا ابني زي ما جرت الملهوف، وربنا يفتحها في وشك ويرزقك من حيث لا تحتسب… أنت عملت بأصلك، والأصل الطيب عمره ما يضيع.»
ونمت ليلتها أحسن نومة في حياتي…
لكن… هل الأيام كانت مخبية مفاجأة تانية لأحمد بعد كل الصبر والخير ده؟ هل الشغل ورئيس مجلس الإدارة كان عندهم خطوة جديدة هتقلب حياة أحمد كلياً في الجزء اللي جاي؟
الجزء السادس
مرت ستة أشهر كاملة على الليلة المأساوية اللي اتفتحت فيها أبواب شقة محمود، والصفحة اللي كانت ملوثة بالغل والطمع انطوت تماماً وبدون أي رجعة. محمود بدأ بالفعل يشتغل في محل قطع غيار السيارات اللي ضمنته فيه، وكان بيشتغل بإخلاص وسكوت غريب، زي راجل بيحاول يغسل ذنوب سنين فاتت بعرق جبينه. مراته كانت بتتصل بأمي من وقت للتاني تطمن عليها، والبيت اللي كان على وشك الخراب استقر، والعيال رجعوا مدارسهم.
أما أنا، فكنت مركز بكل طاقتي في شغلي بالشركة. كنت بشتغل بصفاء ذهن نادراً ما حسيت بيه قبل كده. لما تشيل من قلبك الغل والرغبة في الانتقام، عقلك بيفضى للإبداع وللترقي.




