قصص وروايات

امي الحقيقية

حازم بص للملف.

​— ده معناه إيه؟

​— معناه إن الشركة مش هتبقى بتاعتك لمجرد إنك ابني —عصام رد عليه—. فيه مية وأربعين بيت مفتوحين من ورش الشركة دي.

​حازم شاور على إبراهيم.

​— طبعاً! كل ده عشان تسلمهاله هو!

​— فيه لجنة تسليم وإدارة متشكّلة من ست شهور. راجعت النتائج، والقيادة، ورأي رؤساء القطاعات في كل قسم. وإبراهيم اتوصى بيه عشان يمسك العمليات الإدارية والإنفيذية.

​عصام كمل وقال إن القرار ده مكنش وليد الصبحية دي. من كام شهر، حصل عطل كبير وطارئ قطع الخدمة عن أكبر عميل عندنا. حازم لم حاجته ومشي وقال ورديتي خلصت؛ إبراهيم فضل مانامش لحد الفجر مع الفنيين والمهندسين لحد ما أنقذ البضاعة والعميل ممشيش.

​— في اليوم ده أنا فهمت حاجة —عصام قال—. المدير مش هو اللي بيقعد على الكرسي بتاعي. المدير هو اللي بيفضل واقف لما الكل بيبقى محتاج حد يشيل ويسد.

​والد ياسمين بص لـ حازم.

​— أنت قلتلنا إنك هتمسك إدارة الشركة أول ما والدك يطلع معاش.

​حازم مطلعش منه العيب ومردش.

​عصام شرح إن نهى هتمسك الماليّات، وفيه مدراء تانيين هيبقوا أعضاء في المجلس جديد، وحازم هيفضل ليه نسبة وأسهم، بس مش هيمسك السيطرة ولا الإدارة.

​رانيا ثقتها ونفشتها اللي دخلت بيها طارت في ثانية.

​— يا عصام، حرام عليك تعمل فيه كده!

​بصلها وقال:

​— غريبة يعني إن مستقبله فارق معاكي أوي دلوقتي.

​حازم حواحبه اتقفلت.

​عصام حط على الترابيزة صور وفواتير التحويلات.

​— رانيا كانت بتاخد مني فلوس على مدار السنين. كل ما كانت بتظهر، كانت بتطلب حاجة. ولما حازم كان عنده خمسطاشر سنة، أنا دفعتلها فلوس عشان تبعد وتطلعه من الدوامة دي. وده كان غلطتي.. كان المفروض أقوله الحقيقة كاملة من الأول.

​حازم لف ليها بذهول:

​— هي كانت بتاخد منك فلوس؟

​— دي كانت مساعدة يا حازم!

​— أنتِ قلتلي إنك رجعتِ عشان خايفة عليا وعايزة تعوضيني!

​رانيا اتوترت وارتبكت.

​ياسمين دخلت في الكلام:

​— حازم.. أنت قلتلي إن أهلك هما اللي أبعدوا أمك بالقوة!

​حسيت بوجع جديد في قلبي. حازم مكنش بس بايعني ومسحني؛ ده كمان حول الناس اللي ربوه لشياطين وظلمة قدام الناس.

​— محدش أبعدها ولا خدته منها —قلت بصوت ثابت—. هي اللي سابته ومشت.

​— أنا كنت صغيرة وغشيمة! —رانيا صرخت.

​— وأنا كمان كنت صغيرة! —رديت عليها—. كان معايا بنتين صغيرين وجوزي جرحني وخانني. مكنتش مجبورة إني أربي ابن الست اللي جوزي خانني معاها. بس هو كان حتة لحمة حمرا وطفل ملوش أي ذنب.

​حازم وطى رأسه في الأرض.

​عصام سأل رانيا:

​— لو كنتِ ميتة عليه وعايزة ترجعيه، ليه مرجعتيش على مدار خمسطاشر سنة؟

​مردتش.

​— وليه طلبتِ مني فلوس الشهر اللي فات؟

​حازم رفع رأسه بذهول:

​— الشهر اللي فات؟!

​رانيا مسكت شنطتها.

​— أنا مش قعدالكوا هنا اتهان!

​— لا هتردي عليا! —حازم صرخ فيها—. أنتِ قلتِ إنك مش عايزة أي حاجة مني!

​رانيا سكتت تماماً.

​ياسمين قامت وقفت.

​— أنا لازم أمشي.

​حازم حاول يمسكها:

​— ياسمين، استني!

​— الموضوع مش موضوع فلوس يا حازم —قالت له وهي باصة له بقرف—. الموضوع إنك هنت الست اللي شالتك وربتك، وكدبت عليا في كل حاجة تخص عيلتك.

​أهل ياسمين خدوا بنتهم وخرجوا.

​حازم بصلي بغل:

​— مبسوطة كده؟ جيتوا تبوظولي جوازتي وتخربوا بيتي؟

​حبت دموعي بالعافية:

​— لا.. أنت اللي اخترت مين يقعد على ترابيزتك، وإحنا اخترنا إننا منكدبش عشان نحميك تاني.

​رانيا جرت وخرجت ورا الباقيين.

​عصام بص لـ حازم وقال:

​— يوم الاثنين هتسيب منصبك الإداري. لو عايز تفضل في الشركة، هتشتغل بمركزك وبتقييم زيك زي أي موظف هنا.

​— أنت بتعاقبني عشان اخترت أمي؟

​— أنا بحطلك حد عشان فكرت إن الدم بيديك الحق إنك تهين الست اللي ربتك وتورث بالساهل.

​حازم مشي ورزع الباب من غير ما يسلم على حد.

​في الليلة دي، عصام طب ساكت وجاتله أزمة قلبية ونقلوه الطوارئ. لما صحي على الفجر، طلب يتكلم معايا لوحدنا.

​— أوعديني يا ماجدة.. لو أنا جرى لي حاجة، عمرك ما تضحي بعمرك وتيجي على نفسك تاني عشان تمسكي في حد هو اللي قرر يمشي ويبيع.

​— متقولش كده يا عصام..

​مسكت إيده وقبلتها:

​— أوعدك.

بعد أسبوعين في المستشفى، عصام خرج، بس الدكتور شدد عليه إن أي زعل أو مجهود ممكن يوقف قلبه تماماً.

​حازم مرجعش الشركة، ولا حتى جه يزور أبوه. اختفى تماماً مع رانيا، وكان فاكر إنهم هيقدروا يبتزوا عصام بضغط السوشيال ميديا أو المحاكم. بس المفاجأة إن رانيا، أول ما عرفت إن حازم اتجرد من مناصبه والشركة مابقاش ليه فيها غير نسبة أرباح بسيطة ومتجمدة، سابته ورجعت اختفت تاني بعد ما سحبت من فيزته كل القرشين اللي كانوا حيلته.

​في يوم، كنت قاعدة مع عصام في الصالة، الباب خبط.

​فتحت، لقيت حازم واقف. شكله كان يوجع القلب؛ هدومه مبهدلة، وشه باهت، ودقنه طويلة. كان شبه العيل الصغير اللي ضاع في المولد ورجع يدور على أمه.

​بصلي ودقائق السكوت كانت أتقل من السنين.

​— ماجدة… —قالها بصوت مكسور وخايف.

​مرديتش، وسيبت الباب مفتوح ودخلت.

​دخل ورايا ببطء، وبص لـ عصام اللي كان قاعد على الكرسي.

​— بابا… أنا آسف.

​عصام بص له بهدوء شديد، هدوء الراجل اللي استوى من الصدمات.

​— الأسف مابيرجعش السنين، ولا بيمسح الإهانة يا حازم. أنت ما بعتش ماجدة بس، أنت بعت البيت اللي حماك.

​حازم اتعرى قدام نفسه، وقعد على الأرض عند رجليا وهو بيعيط بحرقة:

​— رانيا سابتني وأخدت كل حاجة… وقالتلي إنها عمرها ما اعتبرتني ابنها، إنها كانت شايفاني كارت ابتزاز مش اكتر. أنا آسف يا أمي… والله العظيم آسف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى