قصص وروايات

لقاء بعد. فراق حكايات صافي هاني

عيني جت في عينه.

ست شهور اختفوا في ثانية.

الأول ظهرت في عينه الصدمة.. وبعدها المفاجأة.. وبعدين نظراته نزلت لبطني.

ملامحه اتقلبت تمامًا.

وقال بصوت واطي أمل.

منطقهاش كدكتورة.. قال أمل بالطريقة اللي كان بيقولها زمان في أيامنا الهادية، لما كنت فاكرة إن لينا مستقبل سوا.

بصيت الناحية التانية وقلت للممرضة يلا نعمل إشاعة على دراعها والفحوصات الروتينية.

الفريق الطبي اوزع حوالينا بسرعة وكفاءة.

كشفت على فريدة وإيدي ثابتة وصوتي هادي جداً، بس كنت حاسة بنظرات شريف بتراقب كل حركاتي.

كنت عارفة هو بيفكر في إيه بالظبط.

حامل في الشهر السابع.. وإحنا منفصلين من ست شهور.

ست شهور من ليلة المطر ديك، لما وقفت في بيته وسألته السؤال اللي هربت منه كتير أنت بتحبني يا شريف؟

مفهمش يرد.. وبدل ما يجاوب، اعترف إنه مش عارف يبني الحياة اللي أنا بتمناها.

عشان كده مشيت.

وبعدها بأسابيع، وقفت لوحدي في الحمام وأنا شايفة اختبار الحمل الإيجابي، وعرفت إني مش هبدأ طريقي الجديد لوحدي.

دكتورة أمل؟

صوت فريدة رجعني للواقع.

نعم يا حبيبتي؟

أنتِ زي القمر أوي.

ابتسمت وقلت شكراً يا حبيبتي.

عينها راحت لبطني وسألتني هو أنتِ في بطنك نونو؟

آه يا حبيبتي.

قالت بفرحة الله! أنا كان نفسي يبقى عندي أخت صغيرة أوي.

ورايا، سمعت شريف بياخد نفس حاد ومكتوم.. محدش لاحظه غيري.. أنا حافظة كل تفاصيله ونفسه.

الحمد لله الإشاعة طلعت سليمة، شرخ بسيط في المفصل ومحتاجة بس تقعد تحت الملاحظة للصبح.

على آخر الليل، كانت فريدة نايمة في الأوضة فوق ومرتاحة.

والطوارئ خلصت.

بس السكوت اللي مابيننا كان أصعب بكتير.

لقيت شريف واقف لوحده في أوضة الاستشارات بيبص من الشباك.

قلتله فريدة بقت كويسة.

لف ببطء وقال بصوت مكسور الطفل ده ابني؟

السؤال كان فيه كمية ضعف عمري ما شوفتها فيه قبل كده.

من غير ما أحس، حطيت إيدي على بطني بحماية وقلت بنتك محتجاك جمبها دلوقتي.. ركز معاها هي.

أمل…

لا يا شريف. . مفيش كلام يقال.. أنت ملكش حق تفتح السيرة دي بعد ما اختفيت ست شهور كاملين.

الندم كان مالي وشه وقال مكانش عندي فكرة.

رديت عشان عمرك ما حاولت تعرف.

أنا افتكرتك عايزة تبعدي.

كنت عايزاك تختارنا.. تختار تشترينا.

الكلمات طلعت مني غصب عني قبل ما ألحق أمنعها.

كان باين عليه إنه اتهد، وقال بصوت واطي كنت خايف.

قلت بهدوء عارفة.

طب ينفع نتكلم؟

رديت عليه وأنا بنهي الكلام في كلام لما بيجي متأخر.. بيبقى ملوش قيمة.

وسبته ومشيت.

بعدها بساعات، كنت قاعدة لوحدي في كافتيريا المستشفى، وبصيت لكوباية الشاي اللي بردت من بدري، وأضواء المدينة بره منورة في الضلمة.

موبايلي اتهز.. رسالة من شريف.. قلبي انقبض في ثانية.

الرسالة كانت بسيطة فريدة صاحية وبتسأل على الدكتورة الطيبة اللي بطنها فيها نونو ومش عارفة تنام.. ممكن تيجي تطمني عليها؟

فتحت الرسالة وعيني غيمت بالدموع، بس مسحتها بسرعة. خدت نفس طويل وقمت من مكاني، فريدة ملهاش ذنب في كل اللي حصل بيني وبين أبوها، وفي الآخر أنا دكتورة وده واجبي.

طلعت الدور الفوقاني ودخلت الأوضة براحة. فريدة كانت قاعدة في السرير وعينيها مقفلة من التعب، وأول ما شافتني وشها نور بابتسامة خطفت قلبي.

دكتورة أمل! كنت عارفة إنك هتيجي.

قربت منها وقعدت على طرف السرير، وجمعت كل هدوئي وأنا واخدة بالي إن شريف واقف في ركن الأوضة، عينه منزلتش من عليا، بس أنا عملت نفسي مش شايفاه تماماً.

حطيت إيدي على راسها الحنينة وقلت يا قلب الدكتورة، سألتِ عليا؟ مكنش ينفع أنام من غير ما أطمن على أحلى فريدة.

هو النونو نام؟ سألتني وهي بتبص على بطني ببراءة.

ابتسمت من قلبي وقلت نام وصحي أول ما عرف إن فريدة بتناديه.. يلا بقى عشان تاخدي العلاج وتنامي أنتِ كمان وتصحي الصبح زي الفل.

ادتها الدوا، وفضلت جمبها أقرأ لها آيات من القرآن بصوت واطي وهادي لحد ما عينيها غفلت وراحت في النوم تماماً. غطيتها كويس وسميت عليها، ولما جيت أقوم عشان أمشي، لقيت شريف بيتحرك من مكانه وبيقرب مني بخطوات بطيئة.

أمل، أرجوكِ.. دقيقة واحدة بس. قالها بصوت مخنوق، كأنه هيموت لو مكلّمنيش.

بصيت لفريدة النايمة وبعدين بصيت له، وشاورت له يخرج ورايا الممر عشان مالمصحاش.

وقفنا في الممر الفاضي والمستشفى هس هس. لفيت وشي ليه وكتفت إيديا وقلت بنبرة حاسمة شريف، إحنا معندناش حاجة نقولها لبعض. فريدة واطمنا عليها، والصبح هتقدر تخرجها بالسلامة. يا ريت كل واحد يروح لحاله.

قرب خطوة، وعينه لمعت بالدموع أروح لحالي إزاي وأنا شايف حتة مني ومنك قدام عيني؟ أنا عارف إني غلطت، وعارف إني لما خفت بعدت.. بس والله العظيم ما كنت أعرف إنك حامل! أمل.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي انكسر.. بلاش تحرميني من ابني.

كلامه خبط في قلبي، بس افتكرت الليالي اللي نمت فيها دمعتي على خدي وأنا لوحدي بوجعي وخوفي من المستقبل، فجمعت قوتي وقلت له وعيني في عينه ابنك؟ أنت افتكرته دلوقتي؟ اللي خاف وسابني في أول طريقنا مش هيعرف يشيل شيلة زي دي. أنا اتعلمت أعيش لوحدي، واتعودت إن ابني ده بتاعي أنا وبس. أرجوك يا شريف.. سيبني في حالي.

وقبل ما ينطق بكلمة تانية، لفيت وشي ومشيت في الممر بخطوات سريعة وثابتة، وسبته واقف لوحده مكسور، وأنا إيدي على بطني وبقول يا رب قويني.

القصة الكاملة في أول تعليق

دخلت أوضة الأطباء المقيمين، وقبل ما الباب يقفل ورايا، رجلي مأشلتنيش وقعدت على أقرب كرسي. حطيت وشي بين إيديا ونزلت دموعي اللي حبستها طول الليل. الوجع مكانش وجع تعب الشغل، ده كان وجع ذكريات كاملة افتكرت إنها ماتت، بس طلعت مستنية بس لقطة عين عشان تصحي من تاني.

مسحت وشي بسرعة لما سمعت خبطة خفيفة على الباب، افتكرتها الممرضة بتستدعيني لحالة تانية، فظبطت البالطو وقمت فتحت.

مكانتش الممرضة.. كان شريف.

كان شايل في إيده كوباية عصير دافي، وبصلي بنظرة كلها رجاء وقال بصوت مرعش عارف إنك مش عايزة تشوفيني.. بس أنتِ مأكلتيش حاجة من الصبح، وعشان خاطر اللي في بطنك. . اشربي دي.

بصيت للكوباية وبعدين لبصّة عينه اللي كانت دايماً بتهزني زمان. خدتها منه من غير ما إيدنا تلمس بعض، وقلت ب

جفاء مصطنع شكراً يا فندم، اتفضل حضرتك عند بنتك.

جاء يمشي، بس لف ووقف تاني وقال أنا مش هضغط عليكِ يا أمل، ومش هجبرك تسمعيني دلوقتي.. بس أنا مش هختفي تاني. أنا هفضل هنا، في المستشفى دي، وفي حياتك وحياة ابننا.. لحد ما تديني فرصة واحدة بس أثبتلك فيها إني اتغيرت، وإني شاريكِ لأخر يوم في عمري.

سابني ومشيت خطواته تبعد في الممر. قفلت الباب وسندت ضهري عليه، وأنا حاسة بنبضات ابني بتتحرك جوايا كأنه بيطمني. بصيت من الشباك على الفجر وهو بيشق ضلمة الليل، ودعيت في سري يا رب، دبرلي أمري فإني لا أحسن التدبير.

فاتت الساعات الصعبة، والشمس بدأت تطلع وتملى الأوضة بنور دافي. عديت على أوضة فريدة الصبح عشان أطمن عليها قبل ما ورديتي تخلص. كانت صاحية وقاعدة في السرير بتلعب بفرشة شعر صغيرة، وأول ما شافتني ضحكت وقالت دكتورة أمل! أنا دراعي مبقاش يوجعني خلاص.

قربت منها وأنا ببتسم الحمد لله يا قلب الدكتورة، عشان أنتِ شطورة وسمعتِ الكلام.. الصبح الورق هيخلص وتقدروا تخرجوا بالسلامة.

شريف كان قاعد على الكرسي اللي جمبها، أول ما دخلت وقف وبان على وشه التعب والإرهاق، مكانش نام دقيقة طول الليل. بصلي بنظرة هادية ومليانة امتنان وقال تعبناكِ معانا جداً يا دكتورة.. مش عارف أشكرك إزاي على كل اللي عملتيه مع فريدة.. ومعايا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى