
قرأها مرتين.
وبعدين تمتم:
— مرض إيه؟ وإيه علاقة النبات ده بالموضوع؟
نزل بالدفتر بسرعة.
لقى قريبته الكبيرة قاعدة في المطبخ.
حط الدفتر قدامها وقال:
— إنتِ كنتِ عارفة الكلام ده؟
بصت للصفحة، وسكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— كنت عارفة إن جدك كان شايف في الأرض دي حاجة محدش شايفها.
— والنبات؟
رفعت عينيها له.
— كانوا بيسموه نبات الفقراء… لأنه بيطلع في الأرض اللي الناس فاكرة إنها ما تنفعش.
الشاب شد الكرسي وقعد.
— يعني كان بيأكّل المواشي منه؟
— مش لوحده. كان بيخلّي القطيع يرعى في مساحات مختلفة، وما يسيبش الحيوانات متكدسة في مكان واحد. وكان مهتم بالمياه والنضافة أكتر من أي حد حواليه.
قلب الشاب باقي الصفحات
لقى رسومات بسيطة للأرض.
كل مساحة عليها رقم.
وتحتها مواعيد تقريبية لنقل القطيع من مكان للتاني.
فهم الفكرة.
جده الكبير ماكانش بيحاول يجبر الأرض إنها تنتج محصول مش مناسب ليها.
كان بيستفيد من النباتات الطبيعية اللي بتتحمل الجفاف، وينظم الرعي بحيث الأرض تاخد فرصة تستريح.
لكن الشاب ما اندفعش.
قال:
— مش هينفع أدي العجول أي نبات لمجرد إن مكتوب عنه في دفتر قديم.
ابتسمت قريبته.
— أهو كده ابتديت تعقل.
تاني يوم جمع عينات من النبات، وراح بيها لطبيب بيطري ومهندس زراعي يعرفهم.
وبعد ما اتأكد إن النوع الموجود عنده آمن للماشية بالكميات المناسبة، وإنه محتاج يدخل بالتدريج ضمن نظام تغذية متوازن، رجع للمزرعة.
ومن هنا…
ابتدت التجربة.
قسّم الأرض لمناطق.
فتح جزء صغير للقطيع.
وساب باقي الأرض ترتاح.
راقب أكل العجول.
وزن بعضها كل فترة.
وسجل كل حاجة في دفتره.
وبعد أسابيع، حصل شيء ماكانش متوقعه.
العجول ما اكتفتش إنها تحافظ على صحتها…
بدأ وزنها يزيد.
والأرض نفسها بدأت تتغير.
المناطق اللي كان بيريّحها فترة، النباتات فيها كانت بترجع أقوى.
حتى التربة اللي كانت ناشفة بدأت تحتفظ بالرطوبة أحسن في بعض الأماكن بعد نزول المطر.
وفي صباح، وقف الشاب فوق مرتفع صغير وبص للمزرعة.
لأول مرة…
ماشافهاش أرض ميتة.
شاف نظام كامل محتاج حد يفهمه.
لكن الخبر انتشر.
والراجل الغني اللي كان ضحك عليه في السوق جه بنفسه.
وقف بعربيته عند السور ونادى:
— يا واد!
الشاب قرب منه.
الراجل بص للعجول الممتلئة وقال باستغراب:
— دول نفس العجول التعبانة؟
— هما.
— بتأكلهم إيه؟
ابتسم الشاب.
— من الأرض.
الراجل ضحك.
— أرضكم؟!
— أيوه.
نزل الراجل من عربيته وبص للنباتات
وبعدين قال:
— النبات ده موجود عندنا من سنين وبنشيله!
الشاب رد:
— يمكن المشكلة مش في اللي موجود في الأرض… يمكن في الطريقة اللي بنبص بيها له.
الكلمة ضايقت الراجل.
فركب عربيته ومشي.
لكن قبل ما يتحرك، قال:
— ماتفتكرش نفسك بقيت خبير. الصيف لسه ماجاش.
والحقيقة…
إنه كان عنده حق في حاجة واحدة.
الصيف كان جاي.
لكن اللي جه مع الصيف…
ماكنش الجفاف.
في آخر شهر من شهور الحر، وصل طبيب بيطري حكومي لمزرعة كبيرة على بعد عدة كيلومترات.
كان فيه 6 بقرات حرارتهم مرتفعة.
اتنين منهم امتنعوا عن الأكل.
وفي اليوم اللي بعده…
العدد بقى 14.
وبعد 3 أيام…
بدأت نفس الأعراض تظهر في مزرعة تانية.
ثم ثالثة.
وفي أقل من أسبوعين، بقى أصحاب المواشي بيتكلموا عن شيء واحد:
حمّى غريبة بتنتشر بين القطعان.
أما الشاب…
فأول ما سمع الخبر، جري على البيت.
فتح دفتر جده الكبير.
رجع لصفحة التحذير.
وقرأ السطر اللي بعدها…
وهنا حس بقشعريرة في جسمه.
لأن الجملة كانت:
“الخطر مش هيبدأ من العلف… الخطر هييجي مع الحيوان اللي يدخل عليك من بره.”
رفع الشاب عينه ناحية الحظيرة.
وفي اللحظة نفسها…
سمع صوت عربية وقفت قدام بوابة المزرعة.
خرج بسرعة.
لقى الراجل الغني واقف بره.
لكن المرة دي…
ماكنش بيضحك.
وكان معاه عجل صغير تعبان.
قال بصوت مهزوز:
— الحقني… المرض دخل عندي.




