
— أنا لازم أفهم.
ما ردش.
— ليه أنا؟
سكت.
— ليه دفعت خمسين مليون دولار؟
فضل ساكت.
إيما قربت خطوة.
— إنت عارف أنا مين؟
ولأول مرة، الرجل اتكلم.
قال:
— أيوه.
إيما اتصدمت.
— إزاي؟
رد:
— أنا بدور عليكي من سنين.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
— بتدور عليا ليه؟
الرجل فضل ساكت شوية.
وبعدين رفع إيده ناحية القناع.
إيما رجعت خطوة لورا.
بدأ يخلع القناع.
إيما كانت متوقعة تشوف رجل عجوز.
أو شخص مرعب.
أو حد من الماضي كانت تعرفه.
لكن لما شافت وشه…
اتجمدت.
الملامح كانت مألوفة بشكل غريب.
مش عارفة فين شافته.
ولا إمتى.
الرجل راح ناحية درج قريب، وطلع صورة قديمة.
مدها لها.
— بصي.
إيما أخدت الصورة.
وأول ما شافتها…
وشها اتغير.
الصورة كانت لولد صغير السن، واقف قدام كافيه قديم.
إيما بدأت تفتكر.
من حوالي 8 سنين…
كانت لسه في بداية حياتها.
وكانت بتشتغل نادلة في كافيه صغير.
وفي يوم، دخل شاب شكله بسيط جدًا.
طلب وجبة.
وبعد ما خلص، اكتشف إن محفظته ضاعت.
دور في جيوبه.
مفيش فلوس.
صاحب الكافيه اتعصب وقال له:
— لو معاكش فلوس، هات أي حد تعرفه يدفعلك.
الشاب كان محرج جدًا.
وكان واضح عليه إنه فقير.
إيما وقتها تدخلت.
طلعت الفلوس من جيبها ودفعِت حسابه.
وبعدين، قبل ما يمشي، ادته مبلغ صغير وقالت له:
— خدهم معاك… يمكن تحتاجهم في الطريق.
بالنسبة لإيما…
الموقف خلص في نفس اليوم.
بعد كام يوم، نسيته.
بعد سنة، نسيت شكل الشاب نفسه.
لكن الشاب…
ما
نسيهاش أبدًا.
الرجل اللي قدامها دلوقتي قال:
— أنا كنت الشاب ده.
إيما بصت له وهي مش مصدقة.
— إنت؟!
هز رأسه.
— أيوه.
— بس إزاي…
ابتسم بحزن.
— بعد اليوم ده، حياتي اتغيرت.
بدأ يشتغل.
دخل في التجارة.
نجح.
أسس شركات.
دخل في استثمارات.
ومع مرور السنين…
بقى واحد من أغنى رجال الأعمال في البلد.
لكن في وسط كل ده…
كان دايمًا فاكر بنت واحدة.
البنت اللي ساعدته في اليوم اللي ما كانش معاه فيه حتى تمن وجبته.
حاول يدور عليها.
رجع للكافيه.
لكنه لقاه اتقفل.
سأل عنها.
عرف إنها مشيت.
انتقلت لمكان تاني.
وكل مرة كان بيوصل لطريق مسدود.
لحد ما…
من كام يوم بس…
وصلت له صورة لقائمة المزاد السري.
وكان من ضمن المعروضين…
إيما.
أول ما شاف صورتها…
عرفها.
قال:
— مفيش شك إنك إنتي.
إيما كانت ساكتة.
قال:
— عرفت إن المزاد هيتم بعد أيام.
— وعرفت إن اللي بيحصل فيه مفيهوش أي رحمة.
سكت لحظة.
— كان ممكن أستنى وأدخل في مزايدة عادية.
وبعدين ابتسم:
— لكني كنت عارف إن فيه ناس مستعدة تدفع مبالغ كبيرة.
إيما قالت:
— عشان كده قلت خمسين مليون؟
قال:
— أيوه.
— بس ده مبلغ ضخم جدًا!
رد:
— أنا ما دفعتش خمسين مليون علشان أمتلكك.
إيما بصت له.
فقال:
— أنا دفعت خمسين مليون علشان محدش يقدر يشتريك.
دموع إيما بدأت تنزل.
لأول مرة من وقت ما صحيت في القفص…
حست إنها مش لوحدها.
لكن قبل ما تقدر تقول أي حاجة…
سمعوا
صوت عربية بتقف قدام القصر.
الرجل صاحب القناع بص ناحية الشباك.
ملامحه اتغيرت.
إيما سألته:
— مين؟
ما ردش.
صوت خطوات بدأ يقرب.
وبعد ثواني…
باب القصر اتفتح.
دخل رجل لابس بدلة سوداء.
إيما بصت له…
واتجمدت.
كان نفس الرجل اللي وقف على المسرح في المزاد.
نفس الرجل اللي أعلن عن بيعها.
نفس الشخص اللي قال:
— السعر يبدأ من مئة ألف دولار.
إيما رجعت خطوة لورا.
وقالت بخوف:
— هو إيه اللي جابه هنا؟!
الرجل الغامض اللي أنقذها بص للقادم الجديد بنظرة حادة.
أما الرجل العجوز…
فابتسم ابتسامة باردة وقال:
— مبروك يا مستر جولد.
— الصفقة نجحت.
إيما بصت بينهم.
— صفقة؟!
الرجل صاحب القناع شد فكه.
وقال:
— اطلع برّه.
لكن الرجل الآخر ضحك.
— إنت لسه فاكر إنك اشتريتها؟
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— إنت لسه ما تعرفش الحقيقة كاملة.
إيما بصت للرجلين وهي مش فاهمة.
وفي اللحظة دي…
أدركت إن اللي حصل في المزاد ما كانش مجرد عملية إنقاذ عشوائية.
وإن الرجل صاحب القناع الذهبي كان مخبي عنها سر أخطر بكتير من كل اللي حصل من بداية الليلة.
والسؤال اللي كان مرعب أكتر من أي حاجة:
ليه كانت إيما بالذات هي الهدف من المزاد؟
وليه الرجل صاحب القناع الذهبي كان بيدور عليها من 8 سنين؟
والأخطر…
إيه السر اللي يعرفه الرجل اللي باعها عنه؟! 😱
إيما كانت واقفة في نص القاعة، بتبص للرجلين ومش فاهمة أي حاجة.
الرجل اللي باعها في المزاد
كان واقف قدامها، وملامحه باردة بشكل يخوف.
أما مستر جولد، فكان واقف جنبها ووشه اتغير تمامًا.
قال بصوت حاد:
— أنا قلتلك اطلع برّه.
الرجل ضحك.
— قبل ما أطلع، لازم تعرف هي مين فعلًا.
إيما بصت له.
— أنا مين؟
الرجل سكت لحظة، وبعدين قال:
— فاكرة إنك مجرد بنت عادية اتخطفت من الشارع؟
إيما اتوترت.
— أيوه… أنا مش فاهمة أي حاجة.
قال:
— الحقيقة إن والدك كان شريك في واحدة من أكبر الشركات اللي كانت بتشتغل في مجال الاستثمار قبل أكتر من عشرين سنة.
إيما عقدت حواجبها.
— أبويا؟
— أيوه.
— بس أبويا كان موظف عادي!
الرجل ابتسم.
— ده اللي اتقال لك.
مستر جولد تدخل بعصبية:
— كفاية.
الرجل بص له وقال:
— إنت كنت عارف من البداية.
إيما بصت لمستر جولد.
— كنت عارف إيه؟
سكت.
ولأول مرة من وقت ما شافته…
إيما شافت الخوف في عينيه.
قال:
— أبوكي كان شريك في شركة كبيرة، لكن حصلت خيانة من واحد من شركائه.
الرجل العجوز كمل:
— الشريك سرق ملايين، ولما اتكشف، حاول يلزق التهمة في والدك.
إيما بدأت تستوعب.
— وبعدين؟
قال:
— والدك رفض يسكت.
— فبدأوا يهددوه.
— وفي ليلة، حصل حادث غامض.
إيما شهقت.
— حادث؟
هز رأسه.
— العربية اتقلبت.
— والدتك ماتت.
— ووالدك اختفى بعدها بفترة.
إيما بدأت تبكي.
— بس أنا كنت فاكرة إنهم ماتوا في حادث عادي!
مستر جولد قرب منها وقال:
— دي كانت القصة اللي اتقالت لك.
الرجل العجوز قال:
— الحقيقة إن والدك كان عنده دليل يقدر يوقع ناس كبار جدًا.
— لكنه خبّى الدليل قبل ما يختفي.
إيما بصت لهم.
— وإيه علاقة ده بيا؟
الرجل قال:
— لأن والدك قبل ما يختفي، خبّى نسخة من الدليل في مكان محدش كان يعرفه.
سكت.
— مكان مرتبط بيكي إنتي.
إيما رجعت خطوة.
— بيا أنا؟
مستر جولد قال:
— أبوكي كان عارف إن لو حصل له حاجة، الناس اللي وراه هتدور عليكي.
— علشان كده غير هويتك وأبعدك عن كل اللي حصل.
إيما حطت
إيدها على رأسها.
— طب ليه بعد كل السنين دي افتكروها دلوقتي؟
الرجل العجوز رد:
— لأننا اكتشفنا إن والدك كان سايب رسالة.
إيما قالت:
— رسالة فين؟
الرجل بص لمستر جولد.
— هو اللي عنده الإجابة.
إيما بصت لمستر جولد.
— قول لي.
مستر جولد أخد نفس طويل.
وبعدين قال:
— قبل ما أموت… والدك طلب من شخص أثق فيه إنه يوصل لي رسالة.
إيما همست:
— إنت قابلت أبويا؟
— أيوه.
— إمتى؟
— من سنين.
وبعدين طلع ظرف قديم من جيبه.
مده لها.
إيما أخدته بإيد بتترعش.
كان مكتوب عليه اسمها.
إيما.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
الخط كان قديم، لكن أول ما شافته…
عرفته.
كان خط أبوها.
بدأت تقرأ:
“بنتي، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا فشلت إني أحميكي بنفسي. متثقيش في أي حد يقول لك إنه عايز يساعدك لمجرد إنه طيب. الشخص الوحيد اللي تقدري تثقي فيه هو الشخص اللي هيفضل واقف جنبك حتى لو خسر كل حاجة.”
إيما رفعت عينيها.
مستر جولد كان ساكت.
كملت القراءة:
“ولو قابلتي شاب اسمه عمر… افتكري إنك ساعدتيه في يوم كان فيه محتاج، وهو عمره ما نسي.”
إيما بصت لمستر جولد.
— عمر؟
هز رأسه.
— اسمي الحقيقي عمر.
سكتت.
وبعدين قالت:
— يعني إنت كنت بتدور عليا علشان أبويا؟
عمر ابتسم بحزن.
— في البداية، أيوه.
— لكن لما عرفت إنك إنتي البنت اللي ساعدتني وأنا شاب…
سكت
لحظة.
— الموضوع بقى شخصي.
إيما دموعها نزلت.
— طب إيه الدليل اللي أبويا خباه؟
عمر قال:
— موجود في خزنة.
— فين؟
— في المكان اللي قضيت فيه طفولتك.
إيما اتجمدت.
— بيتنا القديم؟
هز رأسه.
تاني يوم الصبح، عمر خد إيما للمكان.
كان بيت قديم جدًا في منطقة هادية.
البيت كان مهجور من سنين.
دخلوا.
إيما كانت بتبص لكل ركن وهي بتحاول تفتكر طفولتها.
أوضتها القديمة.
المطبخ.
السلم.
وبعدين وقفت فجأة.
بصت للحيطة.
— استنى…
قربت.
كانت فيه لوحة قديمة معلقة.
شالتها.
وراها كان فيه تجويف صغير.
عمر فتحه.
جواه…
فلاشة صغيرة وملف كامل.
لكن المفاجأة إن الملف كان فيه أسماء رجال أعمال ومسؤولين، وتحويلات مالية، وحسابات سرية.
كلها مرتبطة بالناس اللي كانوا سبب في اختفاء والدها.
عمر بص لإيما.
— دلوقتي فهمتي ليه كانوا عايزين يوصلوا لك؟
هزت رأسها.
— علشان الدليل.
— أيوه.
لكن قبل ما يخرجوا من البيت…
سمعوا صوت عربيات برّه.
عمر بص من الشباك.
كان فيه أكتر من عربية سوداء واقفة.
قال:
— لازم نمشي حالًا.
إيما خافت.
— دول مين؟
— الناس اللي كانوا بيدوروا على الدليل.
لكن عمر ما هربش.
اتصل بالشرطة وبمحاميه، وبعت نسخة من الملفات لجهات إعلامية وصحفية في نفس اللحظة.
وبعد دقائق…
وصلت الشرطة.
الرجال اللي كانوا واقفين برّه حاولوا يهربوا.
لكن كان خلاص فات الأوان.
الدليل بقى موجود عند أكتر من جهة.
ما بقاش ممكن يختفي.
وبعد أسابيع، بدأت التحقيقات.
أسماء كبيرة اتكشفت.
قضايا قديمة اتفتحت.
والناس اللي كانوا فاكرين إنهم فوق القانون بدأوا يواجهوا التحقيقات والمحاكمات.
أما إيما…
فحياتها اتغيرت بالكامل.
لكن عمر ما حاولش يفرض نفسه عليها.
في يوم، قعد معاها وقال:
— أنا دفعت خمسين مليون دولار في المزاد.
إيما ابتسمت:
— عارفة.
قال:
— لكن الحقيقة إني لو رجع بيا الزمن، كنت هدفع أكتر.
ضحكت.
— ليه؟
قال:
— علشان أتأكد إن محدش يقدر يأذيكي.
إيما سألته:
— ولو ما كنتش أنا البنت اللي ساعدتك زمان؟
عمر سكت لحظة.
وبعدين قال:
— كنت برضه هخرجك من المزاد.
— ليه؟
ابتسم:
— لأن محدش يستحق يتحط في قفص ويتباع كأنه شيء.
إيما بصت له.
ولأول مرة من بداية الليلة اللي اتخطفت فيها…
ضحكت بجد.
وبعد فترة، عمر أسس مؤسسة لمساعدة ضحايا الاتجار بالبشر والمزادات السرية.
أما إيما، فبدأت حياة جديدة بعيدًا عن الخوف.
وبعد شهور…
رجعت تزور الكافيه القديم اللي كانت بتشتغل فيه وهي صغيرة.
وقفت قدام المكان المهجور.
ابتسمت.
وقالت:
— مين كان يتخيل إن كوب أكل دفعته لحد غريب من سنين… هيغير حياتي كلها؟
عمر كان واقف جنبها.
قال:
— وأنا أكتر واحد عارف إن المعروف الصغير ممكن يرجع لصاحبه
بعد سنين… لكن أحيانًا يرجع له بطريقة عمره ما يتوقعها.
إيما بصت له وضحكت.
أما القناع الذهبي…
فمستر جولد احتفظ بيه في خزنة.
مش علشان يلبسه تاني.
لكن علشان يفتكر الليلة اللي دفع فيها 50 مليون دولار…
مش علشان يشتري إنسانة.
لكن علشان يمنع العالم كله من شرائها.
وفي النهاية، إيما ما كانتش أغلى “قطعة” في المزاد…
كانت هي السبب اللي كشف واحد من أكبر الأسرار اللي اتدفنت سنين. ❤




